الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء السابع
الصفحة 3388 · ص. المطبوع 206
مَسْأَلَةٌ : مَنْ غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ اسْتُحِقَّ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَلَوْ غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ مَنْ أَكَلَهُ ثُمَّ اسْتُحِقَّ كَانَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُ الْغَاصِبِ بِهِ فَإِنْ غَرِمَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْوَاهِبِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنْ غَرِمَهُ فَقَدْ قِيلَ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْوَاهِبِ وَقِيلَ لَا يَرْجِعُ بِهِ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ إِنَّ هِبَةَ الْغَاصِبِ لَا مَعْنَى لَهَا وَقَدْ أَتْلَفَ الْمَوْهُوبُ لَهُ مَا لَيْسَ لَهُ وَلَا لِلْوَاهِبِ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ وَلَا يَرْجِعُ بِهِ فَإِنْ غَرِمَهُ الْغَاصِبُ رَجَعَ بِهِ عَلَيْهِ هَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ بِأَصْلِهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَشْتَمِلُ عَلَى قِسْمَيْنِ يَتَضَمَّنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةَ فُصُولٍ :
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمَسْطُورُ مِنْهَا فَمُصَوَّرٌ فِي مَنْ غَصَبَ طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ غَيْرَهُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَهَبَهُ لِرَجُلٍ فَيَأْكُلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ هِبَتِهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُطْعِمَهُ عَبْدَ غَيْرِهِ أَوْ بَهِيمَتَهُ .
206 فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ أَنْ يَهَبَهُ لِرَجُلٍ فَيَأْكُلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَرَبُّ الطَّعَامِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ لِاسْتِهْلَاكِهِ بِيَدِهِ ، فَإِنْ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فَأَغْرَمَهُ إِيَّاهُ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ لَمْ يَرْجِعْ بِغُرْمِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِعِلْمِهِ كَالْغَاصِبِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا يُغَرِّمُهُ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يُرْجَعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّهُ غَارٌّ لَهُ فِي إِيجَابِ الْغُرْمِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ لِبُطْلَانِ هِبَتِهِ فَصَارَ كَاسْتِهْلَاكِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ هِبَتِهِ وَإِذَا رَجَعَ الْمَالِكُ بِغُرْمِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الْوَاهِبِ فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ عَلَيْهِ بِمَا غُرِّمَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَفِي رُجُوعِهِ بِالْغُرْمِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يَرْجِعُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ غَارٌّ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ : إِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ الْغَارِّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْغُرْمِ ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَقُولُ : إِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَا يَرْجِعُ ؛ لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ . فَلَوِ اخْتَلَفَ الْغَاصِبُ ، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فِي عِلْمِهِ بِكَوْنِ الطَّعَامِ مَغْصُوبًا فَادَّعَى الْغَاصِبُ عِلْمَهُ لِيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ ، وَأَنْكَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعِلْمَ نُظِرَ فَإِنْ قَالَ لَهُ الْغَاصِبُ : أَعْلَمْتُكَ عِنْدَ الْهِبَةِ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ وَإِنْ قَالَ عَلِمْتَ مِنْ غَيْرِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا ادَّعَى إِعْلَامَهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ عَقْدَ الْبَهِيمَةِ عَلَى الصِّحَّةِ فَقُبِلَ قَوْلُهُ وَلَيْسَ كَادِّعَائِهِ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ فَيَأْكُلَهُ مِنْ غَيْرِ هِبَةٍ وَإِقْبَاضٍ فَإِنْ عَلِمَ الْآكِلُ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْآكِلِ فَيُغَرِّمَهُ ، وَلَا يَرْجِعَ الْآكِلُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ ، وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَيُغَرِّمَهُ وَيَرْجِعَ الْغَاصِبُ بِهِ عَلَى الْآكِلِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَرَبُّهُ أَيْضًا بِالْخِيَارِ فِي إِغْرَامِ أَيِّهِمَا شَاءَ فَإِنْ غَرَّمَ الْآكِلَ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَذَهَبَ الْبَغْدَادِيُّونَ إِلَى أَنَّ فِي رُجُوعِهِ بِالْغُرْمِ عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلَيْنِ كَمَا لَوِ اسْتَهْلَكَهُ مِنْ غَيْرِ هِبَتِهِ ، وَذَهَبَ الْبَصْرِيُّونَ إِلَى أَنَّهُ يَرْجِعُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْآكِلِ ، وَالْمَوْهُوبِ لَهُ أَنَّ اسْتِهْلَاكَ الْآكِلِ بِإِذْنِ الْغَاصِبِ فَرَجَعَ عَلَيْهِ وَاسْتِهْلَاكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْغَاصِبِ فَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ فَإِنْ غَرَّمَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ ، فَعَلَى مَذْهَبِ الْبَغْدَادِيِّينَ يَكُونُ رُجُوعُهُ بِالْغُرْمِ عَلَى الْآكِلِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَعَلَى مَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ لَا يَرْجِعُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا .
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنْ يُطْعِمَهُ بَهِيمَةً لِرَجُلٍ أَوْ عَبْدٍ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ : 207 أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ مَالِكِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ ، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ وَحْدَهُ يَرْجِعُ بِهِ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى مَالِكِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ ، فَإِنْ أُعْسِرَ بِهِ الْغَاصِبُ فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي رَقَبَةِ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ ، وَلَا عَلَى مَالِكِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمُتْلِفَ هُوَ الْغَاصِبُ دُونَهُمَا وَإِنْ كَانَ إِطْعَامُهُمَا ذَلِكَ بِأَمْرِ مَالِكِيهِمَا نُظِرَ فَإِنْ عَلِمَ عِنْدَ أَمْرِهِ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ وَمَالِكُ الطَّعَامِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ فَيُغَرِّمَهُ ، وَلَا يَرْجِعَ بِهِ الْآمِرُ عَلَى الْغَاصِبِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فَيُغَرِّمَهُ وَيَرْجِعَ بِهِ الْغَاصِبُ عَلَى الْآمِرِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْآمِرُ بِأَنَّهُ مَغْصُوبٌ نُظِرَ فَإِنْ سَلَّمَهُ وَتَوَلَّى هُوَ إِطْعَامَ الْبَهِيمَةِ وَالْعَبْدِ ذَلِكَ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ إِلَيْهِ كَانَ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ فَهَذَا أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث