الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
page 466 · printed p. 94
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَا يُجْزِئُهُ إِلَّا قَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَوِ اللَّهُ الْأَكْبَرُ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : لَا يَصِحُّ دُخُولُهُ فِي الصَّلَاةِ مُحْرِمًا إِلَّا بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَهُوَ قَوْلُهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَوِ اللَّهُ الْأَكْبَرُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُدُ : لَا يَصِحُّ إِلَّا بِقَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ فَأَمَّا بِقَوْلِهِ اللَّهُ الْأَكْبَرُ فَلَا يَصِحُّ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : يَصِحُّ بِسَائِرِ أَلْفَاظِ التَّكْبِيرِ مِنْ قَوْلِهِ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، أَوِ اللَّهُ الْأَكْبَرُ ، أَوِ اللَّهُ الْكَبِيرُ
94 وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصِحُّ بِكُلِّ أَسْمَاءِ اللَّهِ ، سُبْحَانَهُ ، وَبِكُلِّ مَا كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا قَوْلَهُ : " مَالِكِ يَوْمِ الْحِسَابِ " وَ : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي " وَ : " حَسْبِيَ اللَّهُ " : اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى " [ الْأَعْلَى : 14 ، 15 ] . قَالَ : وَلِأَنَّهُ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِهِ فَصَحَّ انْعِقَادُهَا بِهِ كَقَوْلِهِ : " اللَّهُ أَكْبَرُ " . قَالَ : وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ، فَلَمَّا صَحَّ بِقَوْلِهِ : " اللَّهُ أَكْبَرُ " . دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ
وَدَلِيلُنَا : رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ
رَوَى رِفَاعَةُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلْيَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ لِيُكَبِّرْ
وَرَوَتْ عَائِشَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ كَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَيَخْتِمُ بِالتَّسْلِيمِ ، وَقَالَ : صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وَلِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ لَا يَصِحُّ افْتِتَاحُ الْأَذَانِ بِهِ لَا يَصِحُّ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ بِهِ كَقَوْلِهِ : " حَسْبِيَ اللَّهُ " ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شُرِعَ فِي افْتِتَاحِهَا التَّكْبِيرُ فَوَجَبَ أَنْ لَا تَصِحَّ إِلَّا بِهِ كَالْأَذَانِ ، وَإِنَّ الذِّكْرَ الْمَفْرُوضَ لَا يُؤَدَّى بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا ، كَالرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ فَمِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ ، لِأَنَّهُ عَقِبَ الصَّلَاةِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى
وَالثَّانِي : أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا عَيَّنَتْهُ النِّيَّةُ مِنَ التَّكْبِيرِ
وَالثَّالِثُ : أَنَّ حَقِيقَةَ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ لَا بِاللِّسَانِ ، لِأَنَّ ضِدَّهُ اللِّسَانُ فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِالظَّاهِرِ
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى التَّكْبِيرِ ، فَالْمَعْنَى فِيهِ صِحَّةُ افْتِتَاحِ الْأَذَانِ بِهِ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ : لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى فَمِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ وَقَوْلُهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . قَدْ تَضَمَّنَ لَفْظَ التَّكْبِيرِ
وَالثَّانِي : أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِالْمَعْنَى فَهُوَ لَا يُوجَبُ إِلَّا فِيمَا ذَكَرْنَا دُونَ غَيْرِهِ ، وَأَمَّا مَنْعُ ذَلِكَ مِنِ افْتِتَاحِهَا بِقَوْلِهِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " فَغَلَطٌ ، لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِلَفْظِ قَوْلِهِ " اللَّهُ أَكْبَرُ " ، وَمَعْنَاهُ وَزَادَ عَلَيْهِ حَرْفًا فَلَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْجَوَازِ كَمَا لَوْ قَالَ : " اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ " ، وَأَمَّا إِجَازَةُ أَبِي يُوسُفَ افْتِتَاحَهَا بِقَوْلِهِ : اللَّهُ الْكَبِيرُ ، فَغَلَطٌ : لِأَنَّ الْكَبِيرَ وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ أَكْبَرَ وَزِيَادَةٍ فَهُوَ مُقَصِّرٌ عَنْ مَعْنَاهُ ، لِأَنَّ أَفْعَلَ أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ مِنْ فَعِيلٍ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith