الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
الصفحة 4867 · ص. المطبوع 113
113 مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَوَكِيلُ الْوَلِيِّ يَقُومُ مَقَامَهُ ، فَإِنْ زَوَّجَهَا غَيْرَ كُفْءٍ لَمْ يَجُزْ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ : الْوَكَالَةُ فِي التَّزْوِيجِ جَائِزَةٌ .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَجُوزُ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْضَى بِالْوِلَايَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهَا : وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ نَائِبٌ فَلَمْ يَكُنْ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ كَالْوَكِيلِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُوكِّلَ غَيْرَهُ ، وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ لَهُ : ۝ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَإِذْنُ الْوَلِيِّ إِنَّمَا صَحَّ فِي الْوَكَالَةِ لَا لِلْمَنْكُوحَةِ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَّلَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمَرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ فَأَصْدَقَهَا النَّجَاشِيُّ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةَ دِينَارٍ : فَجَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكَ بْنُ مَرْوَانَ ذَلِكَ حَدَّ الصَّدَاقِ لِلشَّرِيفَاتِ مِنْ قَوْمِهُ ، وَوَكَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةِ بِمَكَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ ، فَرَدَّتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَزَوَّجَهَا بِهِ ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ زَوْجَ أُخْتِهَا أُمِّ الْفَضْلِ ، فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنَّ تَعْقِدَ عَلَى نَفْسِهَا : لِأَنَّهَا رَدَّتْ أَمْرَهَا إِلَى الْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ وَلِيًّا لَهَا ، فَعَنْ هَذَا أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ فِي عُقُودِ الْمَنَاكِحِ وَاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ .
وَالثَّانِي : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَزْوِيجُهُ لَهَا بِأَنْ كَانَ سَفِيرًا فِي الْعَقْدِ وَمُشِيرًا .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَيُّهَا رَدَّ ذَلِكَ إِلَيْهِ فَزَوَّجَهَا .
وَالرَّابِعُ - قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا - : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوصٌ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ .
وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ أَنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ يُقْصَدُ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ ، فَصَحَّتْ فِيهِ الْوَكَالَةُ كَالْبُيُوعِ ، فَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِهِ فَإِنَّهَا لَمْ تَصِحَّ لِانْقِطَاعِ وِلَايَتِهِ بِمَوْتِهِ ، فَصَارَ مُوجَبًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَهُوَ فِي الْوَكَالَةِ مُوَكِّلٌ مَعَ بَقَاءِ حَقِّهِ فَصَحَّتْ وَكَالَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ وَصِيتُهُ ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُوَكِّلَ : لِأَنَّهُ مُسْتَنَابٌ بِعَقْدٍ ، وَالْوَلِيُّ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ : لِأَنَّهُ مَالِكٌ بِالشَّرْعِ فَافْتَرَقَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث