الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
الصفحة 4895 · ص. المطبوع 131
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَيُزَوِّجُ الْأَبُ أَوِ الْجَدُّ الِابْنَةَ الَّتِي يُؤْيَسُ مِنْ عَقْلِهَا : لِأَنَّ لَهَا فِيهِ عَفَافًا وَغِنًى ، وَرُبَّمَا كَانَ شِفَاءً ، وَسَوَاءً كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ مَضَتْ فِيمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ التَّقْسِيمِ ، فَإِذَا كَانَتْ مَجْنُونَةً لَمْ يَخْلُ حَالُهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ :
إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا ، فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا : زَوَّجَهَا أَبُوهَا أَوْ جَدُّهَا ، صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً : لِأَنَّ لِلْأَبِ إِجْبَارَ الْبِكْرِ فِي حَالِ الْعَقْلِ ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ يُجْبِرَهَا فِي حَالِ الْجُنُونِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِ أَوْلِيَائِهَا وَلَا الْحَاكِمِ أَنْ يُزَوِّجَهَا حَتَّى تَبْلُغَ ، فَإِذَا بَلَغَتْ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ دُونَ عَصَبَتِهَا الْمُنَاسِبِينَ : لِاخْتِصَاصِهِ بِفَضْلِ النَّظَرِ فِي الْوِلَايَةِ 131 عَلَى مَالِهَا ، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، نُظِرَ : فَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً زَوَّجَهَا أَبُوهَا أَوْ جَدُّهَا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ زَوَّجَهَا الْحَاكِمُ دُونَ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً ثَيِّبًا فَلَيْسَ لِغَيْرِ الْأَبِ أَوِ الْجَدِّ تَزْوِيجُهَا حَتَّى تَبْلُغَ . وَهَلْ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ حَتَّى تَبْلُغَ : لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهَا إِلَى الزَّوْجِ قَبْلَ الْبُلُوغِ . وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ ، بِخِلَافِ الْعَاقِلَةِ الَّتِي يَجْرِي صِحَّةُ إِذْنِهَا بِالْبُلُوغِ ، وَلَا يَجْرِي صِحَّةُ إِذْنِ الْمَجْنُونَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ، فَافْتَرَقَا .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنَّ لَهَا فِيهِ عَفَافًا وَغِنًى وَرُبَّمَا كَانَ شِفَاءً . فَهَذَا تَعْلِيلٌ بِجَوَازِ تَزْوِيجِ الْبَالِغِ الْمَجْنُونَةَ ، فَأَمَّا الْعَفَافُ فَيُرِيدُ بِهِ مِنَ الزِّنَا ، وَأَمَّا الْغِنَى فَتَغْنَى بِاكْتِسَابِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ ، وَأَمَّا الشِّفَاءُ فَرُبَّمَا كَانَ مِنْ شِدَّةٍ الْمَانَخُولْيَا وَقُوَّةِ الشَّبَقِ ، فَتَبْرَأُ إِنْ جُومِعَتْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث