الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
الصفحة 5286 · ص. المطبوع 486
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَقَدْ يَدْخُلُ فِي التَّفْوِيضِ ، وَلَيْسَ بِالتَّفْوِيضِ الْمَعْرُوفِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهُ ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ لَهُ : أَتَزَوَّجُكَ عَلَى أَنْ تَفْرِضَ لِي مَا شِئْتَ أَنْتَ أَوْ شِئْتُ أَنَا ، فَهَذَا كَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ ، فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا بِالتَفْوِيضِ أَشْبَهُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّفْوِيضَ فِي النِّكَاحِ ضَرْبَانِ : تَفْوِيضُ الْبُضْعِ ، وَتَفْوِيضُ الْمَهْرِ .
فَأَمَّا تَفْوِيضُ الْبُضْعِ ، فَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ لَهَا ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ .
وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْمَهْرِ فَضَرْبَانِ :
أَحَدُهُمَا : تَرْكُ ذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِيهِ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرٍ لَا يَصِحُّ ، إِمَّا لِجَهَالَتِهِ ، وَإِمَّا لِتَحْرِيمِهِ . فَالْمَجْهُولُ كَقَوْلِهِ : قَدْ تَزَوَّجْتُكِ عَلَى مَا شِئْنَا ، أَوْ شَاءَ أَحَدُنَا ، أَوْ شَاءَ فُلَانٌ .
وَالْحَرَامُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، فَيَكُونُ هَذَا تَفْوِيضًا لِلْمَهْرِ ؛ لِبُطْلَانِهِ ، وَلَيْسَ بِتَفْوِيضٍ لِلْبُضْعِ ، لِذِكْرِهِ ، فَيَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ نِكَاحِ التَّفْوِيضِ ، وَإِنْ كَانَ مُشَابِهًا لَهُ فِي سُقُوطِ الْمَهْرِ ، فَيَجِبُ لَهَا بِالْعَقْدِ مَهْرُ الْمِثْلِ ، وَإِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ نِصْفُهُ دُونَ الْمُتْعَةِ . وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَجَبَ لَهَا الْمَهْرُ قَوْلًا وَاحِدًا ، فَيَكُونُ مُخَالِفًا لِنِكَاحِ التَّفْوِيضِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ مَهْرَ هَذِهِ وَجَبَ بِالْعَقْدِ ، وَمَهْرَ الْمُفَوَّضَةِ وَجَبَ بِالْفَرْضِ بَعْدَ الْعَقْدِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ مُوجِبٌ لِمَهْرِ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَفِيمَا وَجَبَ لِلْمُفَوَّضَةِ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : مَهْرُ الْمِثْلِ .
486 وَالثَّانِي : مَهْرٌ مُطْلَقٌ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهَا إِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ ، وَلِلْمُفَوَّضَةِ مُتْعَةٌ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الدُّخُولِ ، وَفِي الْمُفَوَّضَةِ قَوْلَانِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَفْوِيضُ الْمَهْرِ ، كَتَفْوِيضِ الْبُضْعِ ، وَلَيْسَ لَهَا إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَّا الْمُتْعَةُ ؛ احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْعَقْدَ ، خَلَا عَنْ مَهْرٍ لَازِمٍ ، فَكَانَ تَفْوِيضًا ، كَمَا لَوْ خَلَا مِنْ ذِكْرِ مَهْرٍ .
وَدَلِيلُنَا : هُوَ أَنَّهُ عَقَدٌ تَضَمَّنَ مَهْرًا ، فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِ التَّفْوِيضِ ، كَالْمَهْرِ الصَّحِيحِ ، وَلِأَنَّ التَّفْوِيضَ تَسْلِيمُ بُضْعٍ بِغَيْرٍ بَدَلٍ ، وَهَذَا تَسْلِيمُهُ بِبَدَلٍ ، وَإِنْ فَسَدَ .
وَفَرْقٌ فِي الْأُصُولِ بَيْنَ التَّسْلِيمِ بِغَيْرِ بَدَلٍ ، وَالتَّسْلِيمِ بِبَدَلٍ فَاسِدٍ فِي وُجُوبِ الْغُرْمِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ مَلَّكْتُكِ عَبْدِي هَذَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَدَلَا ، جَعَلْنَا ذَلِكَ هِبَةً لَا تُوجِبُ الْبَدَلَ .
وَلَوْ قَالَ : قَدْ مَلَّكْتُكِ عَبْدِي بِثَمَنٍ فَاسِدٍ ، صَارَ بَيْعًا فَاسِدًا يُوجِبُ الْبَدَلَ ، فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاضِ الْأَمْرَيْنِ .
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا : فَأَحْوَالُ مَنْ لَا يَسْتَقِرُّ لَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ مَهْرٌ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ .
قِسْمٌ تَكُونُ مُفَوَّضَةً : وَقِسْمٌ لَا تَكُونُ مُفَوَّضَةً ، وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَوْنِهَا مُفَوَّضَةً .
فَأَمَّا الَّتِي تَكُونُ مُفَوَّضَةً فَهِيَ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ نِكَاحِهَا مَعَ إِذْنِهَا ، وَجَوَازِ أَمْرِهَا أَلَّا مَهْرَ لَهَا .
وَأَمَّا الَّتِي لَا تَكُونُ مُفَوَّضَةً : فَهِيَ الْمَنْكُوحَةُ عَلَى مَهْرٍ مَجْهُولٍ أَوْ حَرَامٍ ، أَوْ فَوَّضَهَا وَلِيُّهَا بِغَيْرِ إِذْنِهَا .
وَأَمَّا الَّتِي اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَوْنِهَا مُفَوَّضَةً : فَهِيَ الَّتِي تُرِكَ ذِكْرُ الصَّدَاقِ فِي نِكَاحِهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ .
فَعَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : لَيْسَتْ مُفَوَّضَةً .
وَعَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّهَا مُفَوَّضَةٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث