الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء العاشر
فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَذْلُهُ كِنَايَةً وَقَبُولُهَا كِنَايَةً كَقَوْلِهِ : اخْتَارِي نَفْسَكِ فَتَقُولُ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي ، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَاهُ جَمِيعًا فَإِنْ نَوَاهُ دُونَ الزَّوْجَةِ أَوِ الزَّوْجَةُ دُونَ الزَّوْجِ لَمْ يَقَعْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِيَاهُ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْكِنَايَةَ الظَّاهِرَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا نَوَاهُ الزَّوْجُ وَحْدَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ تَنْوِهِ الزَّوْجَةُ ، اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ سُئِلُوا عَمَّنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَقَالَ عُمَرُ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةً وَلَهَا الرَّجْعَةُ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا طَلَاقَ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ فَأَوْقَعَ جَمِيعُهُمُ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا النِّيَّةَ ، فَصَارُوا مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ مِنْ جِهَتِهَا ، قَالَ : وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ نِيَّتِهَا فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ : إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، طُلِّقَتْ بِدُخُولِ الدَّارِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَذَلِكَ فِي الِاخْتِيَارِ وَدَلِيلُنَا هُوَ : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ لَهَا كِنَايَةً ، يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى نِيَّتِهِ ، لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اخْتَارِي نَفْسَكِ لِلنِّكَاحِ أَوِ الطَّلَاقِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُهَا لِنَفْسِهَا كِنَايَةً ، تَرْجِعُ فِيهِ إِلَى نِيَّتِهَا لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ اخْتَرْتُ نَفْسِي لِنِكَاحِكَ أَوْ طَلَاقِكَ ، أَلَا تَرَاهَا لَوْ قَالَتْ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي لِنِكَاحِكَ لَمْ تُطَلَّقْ ، كَذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَتْ ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا نِيَّةَ الزَّوْجِ ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ ، فَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَعْتَبِرُوا نِيَّةَ الزَّوْجَةِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا . 174 وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِدُخُولِ الدَّارِ ، فَحَسْبُنَا بِهِ دَلِيلًا ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا صَحَّ ، بِدُخُولِ الدَّارِ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا بِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهَا ، كَذَلِكَ إِذَا خَيَّرَهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَخْتَارَ طَلَاقَ نَفْسِهَا ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ مِنْهُمَا ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِنِيَّتِهِمَا فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا .
وَالثَّانِيَةُ : أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا .
وَالثَّالِثَةُ : أَلَّا يَكُونَ لَهَا اخْتِيَارٌ . فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا اخْتِيَارٌ لَمْ تُطَلَّقْ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ تُطَلَّقْ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا لَا يَكُونُ طَلَاقًا ، مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ بَدَأَ بِي ، فَقَالَ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [ الْأَحْزَابِ : 128 ] الْآيَةَ . فَقُلْتُ فِي أَيِّ هَذَيْنِ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، قَالَتْ : ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ، فَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ " .
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا : أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا ضِدُّ اخْتِيَارِهَا لِنَفْسِهَا ، فَلَمَّا طُلِّقَتْ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا ، وَجَبَ أَلَّا تُطَلَّقَ بِاخْتِيَارِ زَوْجِهَا ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الضِّدَّيْنِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمَيْنِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا وَلَا وَاحِدَةً بَائِنَةً ، مَا قَدَّمْنَا فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ إِذَا وَقَعَ بِالْكِنَايَةِ ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُكِ بِيَدِكِ ، فَقَالَتْ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي أَوْ قَالَ لَهَا : أَبِينِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَبَنْتُ نَفْسِي ، وَهَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَتِ الْكِنَايَةُ مِنْهُمَا ، فَقَالَ لَهَا : حَرِّمِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي ، أَوْ قَالَ لَهَا : اخْتَارِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ قَدْ حَرَّمْتُ نَفْسِي لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَاهُ جَمِيعًا . 175
وَقَالَ مَالِكٌ : يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِيَاهُ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ الْكِنَايَةَ الظَّاهِرَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا نَوَاهُ الزَّوْجُ وَحْدَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ لَمْ تَنْوِهِ الزَّوْجَةُ ، اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ سُئِلُوا عَمَّنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَقَالَ عُمَرُ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةً وَلَهَا الرَّجْعَةُ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا طَلَاقَ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ فَأَوْقَعَ جَمِيعُهُمُ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا النِّيَّةَ ، فَصَارُوا مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ مِنْ جِهَتِهَا ، قَالَ : وَلِأَنَّ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ اعْتِبَارَ نِيَّتِهَا فِيهِ كَمَا لَوْ قَالَ : إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، طُلِّقَتْ بِدُخُولِ الدَّارِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ كَذَلِكَ فِي الِاخْتِيَارِ وَدَلِيلُنَا هُوَ : أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ لَهَا كِنَايَةً ، يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى نِيَّتِهِ ، لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اخْتَارِي نَفْسَكِ لِلنِّكَاحِ أَوِ الطَّلَاقِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُهَا لِنَفْسِهَا كِنَايَةً ، تَرْجِعُ فِيهِ إِلَى نِيَّتِهَا لِاحْتِمَالِهِ أَنْ يَكُونَ اخْتَرْتُ نَفْسِي لِنِكَاحِكَ أَوْ طَلَاقِكَ ، أَلَا تَرَاهَا لَوْ قَالَتْ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي لِنِكَاحِكَ لَمْ تُطَلَّقْ ، كَذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَتْ ، فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ، فَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا نِيَّةَ الزَّوْجِ ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ ، فَكَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَعْتَبِرُوا نِيَّةَ الزَّوْجَةِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِعِلْمِهِمْ بِوُجُودِ النِّيَّةِ مِنْهُمَا . 174 وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِدُخُولِ الدَّارِ ، فَحَسْبُنَا بِهِ دَلِيلًا ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا صَحَّ ، بِدُخُولِ الدَّارِ لَمْ تُطَلَّقْ إِلَّا بِوُجُودِ الدُّخُولِ مِنْهَا ، كَذَلِكَ إِذَا خَيَّرَهَا فِي طَلَاقِ نَفْسِهَا ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَخْتَارَ طَلَاقَ نَفْسِهَا ، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النِّيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ مِنْهُمَا ، وَأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِنِيَّتِهِمَا فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا .
وَالثَّانِيَةُ : أَنْ تَخْتَارَ زَوْجَهَا .
وَالثَّالِثَةُ : أَلَّا يَكُونَ لَهَا اخْتِيَارٌ . فَإِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا اخْتِيَارٌ لَمْ تُطَلَّقْ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا لَمْ تُطَلَّقْ ، وَقَالَ رَبِيعَةُ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا ، طُلِّقَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ : عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا طُلِّقَتْ ثَلَاثًا ، وَإِنِ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا طُلِّقَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا لَا يَكُونُ طَلَاقًا ، مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ بَدَأَ بِي ، فَقَالَ : إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [ الْأَحْزَابِ : 128 ] الْآيَةَ . فَقُلْتُ فِي أَيِّ هَذَيْنِ أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، قَالَتْ : ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ، فَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ " .
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ أَيْضًا : أَنَّ اخْتِيَارَهَا لِزَوْجِهَا ضِدُّ اخْتِيَارِهَا لِنَفْسِهَا ، فَلَمَّا طُلِّقَتْ بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا ، وَجَبَ أَلَّا تُطَلَّقَ بِاخْتِيَارِ زَوْجِهَا ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الضِّدَّيْنِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْحُكْمَيْنِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً ، وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا وَلَا وَاحِدَةً بَائِنَةً ، مَا قَدَّمْنَا فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ إِذَا وَقَعَ بِالْكِنَايَةِ ، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا أَمْرُكِ بِيَدِكِ ، فَقَالَتْ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي أَوْ قَالَ لَهَا : أَبِينِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ : قَدْ أَبَنْتُ نَفْسِي ، وَهَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَتِ الْكِنَايَةُ مِنْهُمَا ، فَقَالَ لَهَا : حَرِّمِي نَفْسَكِ فَقَالَتْ : قَدِ اخْتَرْتُ نَفْسِي ، أَوْ قَالَ لَهَا : اخْتَارِي نَفْسَكِ ، فَقَالَتْ قَدْ حَرَّمْتُ نَفْسِي لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَنْوِيَاهُ جَمِيعًا . 175
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث