الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
306 بَابُ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَاعِدًا بِقِيَامٍ وَقَائِمًا بِقُعُودٍ
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا ، وَصَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ قِيَامًا أَجْزَأَتْهُ وَإِيَّاهُمْ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَفِعْلُهُ الْآخِرُ نَاسِخٌ لِفِعْلِهِ الْأَوَّلِ وَفَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ قَائِمًا ، وَعَلَى الصَّحِيحِ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا ، فَكُلٌّ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ .
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا لِمَرَضِهِ ، وَعَجْزِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ قَائِمًا لِأَمْرَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ ، فَقَالَ : مُرُوا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ مِنَ الْإِلْبَاسِ عَلَى الرَّاجِلِ فَلَا يَدْرِي إِذَا رَآهُ جَالِسًا أَهُوَ فِي مَكَانِ قِيَامٍ ، أَوْ جُلُوسٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ قَاعِدًا فِي مَوْضِعِهِ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ .
أَحَدُهَا : أَنَّ أَكْثَرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا صَلَّى قَاعِدًا مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِأَكْثَرِ أَفْعَالِهِ الْأَوْلَى .
وَالثَّانِي : أَنَّ خُرُوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ، وَصَلَاتَهُ قَاعِدًا بِأَصْحَابِهِ إِنَّمَا كَانَ لِيَعْهَدَ إِلَيْهِمْ ، أَلَا تَرَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : احْمِلُونِي حَتَّى أَعْهَدَ إِلَى النَّاسِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَايِنٌ لِسَائِرِ أُمَّتِهِ فِي فَضِيلَةِ الِائْتِمَامِ بِهِ ، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ أَنْ يُقِرَّ عَلَى خَطَإٍ ، فَكَانَتِ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ وَهُوَ قَائِمٌ صلى الله عليه وسلم ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ ، وَعَلَى الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا قِيَامًا إِذَا قَدَرُوا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إِمَامَةُ الْقَاعِدِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، وَعَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ الْإِعَادَةُ .
307 وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : إِمَامَةُ الْقَاعِدِ جَائِزَةٌ ، وَيُصَلِّي مَنْ خَلْفَهُ قَاعِدًا ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَقَيْسُ بْنُ قَهْدٍ ، فَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ اسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ إِذَا أَكْمَلَ مَعَ إِمَامِهِ بِرُكْنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ ، الْقَارِئَ بِالْأُمِّيِّ .
وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ مِنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى قَاعِدًا وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قِيَامًا ، فَلَمَّا فَرَغَ ، قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ .
وَبِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ ، فَوَقَعَ عَلَى جِزْعِ نَخْلَةٍ ، فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ ، فَجِئْنَاهُ نَعُودُهُ وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَصَلَّى التَّطَوُّعَ فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ ، ثُمَّ جِئْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ، فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قِيَامًا ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا أَنِ اقْعُدُوا ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ ، وَلَا تَفْعَلُوا كَمَا تَفْعَلُ الْفُرْسُ بِعُظَمَائِهَا .
وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِنَ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ رِوَايَةً مُسْتَفِيضَةً ، وَنَقْلًا مُتَوَاتِرًا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ، ثُمَّ وَجَدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خِفَّةً فَخَرَجَ يَتَوَكَّأُ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَتَنَحْنَحَ النَّاسُ أَبَا بَكْرِ فَتَأَخَّرَ قَلِيلًا ، وَكَانَ هَذَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى وَمَاتَ فِي يَوْمِهِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ أَوْلَى ، وَذَلِكَ سُنَّةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَنْسُوخٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْقُعُودِ خَلْفَ الْقَاعِدِ ، ثُمَّ يُقِرُّهُمْ بِالْقِيَامِ خَلْفَهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ خَاصَّةً أَنْ يُقَالَ : كُلُّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ الصَّلَاةُ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا كَالْقَائِمِ قِيَاسًا عَلَى الْقَائِمِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَحْمَدُ عَلَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ ، فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْهُ تَجُوزُ إِمَامَةُ الْقَاعِدِ ، وَلَيْسَ عَلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ مَانِعٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ فِي جَوَازِ إِمَامَةِ الْقَاعِدِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَحْمَدَ خَاصَّةً ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ فَلَمْ يُجِزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا .
أَصْلُهُ : إِذَا كَانَ إِمَامُهُ قَائِمًا ، أَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا ، وَلَا اتِّبَاعَ الْإِمَامُ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ رُكْنًا مُقَرَّرًا عَلَيْهِ ، وَلَا يُلْجِئُهُ إِلَى مَا لَا يَلْزَمُهُ فِي حَالِ الْعَجْزِ كَالرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ ، وَلَا يُسْقِطْهُمَا اتِّبَاعُ الْإِمَامِ ، وَلَا يَحْمِلُهُمَا إِلَى الْإِيمَاءِ .
308 وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدُكُمْ بَعْدِي جَالِسًا " فَحَدِيثٌ مُرْسَلٌ رَوَاهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، وَكَانَ مِمَّنْ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَيَتَظَاهَرُ بِسَبِّ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، فَلَمْ يَجِبْ قَبُولُ خَبَرِهِ ، وَلَوْ وَجَبَ قَبُولُ خَبَرِهِ لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِهِ ، لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَلَوْ سُلِّمَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، أَوْ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى صَلَاةِ الْقَارِئِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ .
قُلْنَا : فِي الْأُمِّيِّ كَلَامٌ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَحَمَّلَ الْقِرَاءَةَ مُؤَثِّرًا فِي إِمَامَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ فَقْدُ الْقِيَامِ مُؤَثِّرًا فِيهَا .
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ، فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا ، وَصَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ قِيَامًا أَجْزَأَتْهُ وَإِيَّاهُمْ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَفِعْلُهُ الْآخِرُ نَاسِخٌ لِفِعْلِهِ الْأَوَّلِ وَفَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ قَائِمًا ، وَعَلَى الصَّحِيحِ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا ، فَكُلٌّ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ .
يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا لِمَرَضِهِ ، وَعَجْزِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ قَائِمًا لِأَمْرَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ ، فَقَالَ : مُرُوا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ ، وَمُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ مِنَ الْإِلْبَاسِ عَلَى الرَّاجِلِ فَلَا يَدْرِي إِذَا رَآهُ جَالِسًا أَهُوَ فِي مَكَانِ قِيَامٍ ، أَوْ جُلُوسٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَصْحَابِهِ قَاعِدًا فِي مَوْضِعِهِ .
فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ .
أَحَدُهَا : أَنَّ أَكْثَرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا صَلَّى قَاعِدًا مَرَّتَيْنِ ، أَوْ ثَلَاثًا فَكَانَ الِاقْتِدَاءُ بِأَكْثَرِ أَفْعَالِهِ الْأَوْلَى .
وَالثَّانِي : أَنَّ خُرُوجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ ، وَصَلَاتَهُ قَاعِدًا بِأَصْحَابِهِ إِنَّمَا كَانَ لِيَعْهَدَ إِلَيْهِمْ ، أَلَا تَرَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : احْمِلُونِي حَتَّى أَعْهَدَ إِلَى النَّاسِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَايِنٌ لِسَائِرِ أُمَّتِهِ فِي فَضِيلَةِ الِائْتِمَامِ بِهِ ، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ أَنْ يُقِرَّ عَلَى خَطَإٍ ، فَكَانَتِ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ غَيْرِهِ وَهُوَ قَائِمٌ صلى الله عليه وسلم ، فَإِنْ صَحَّ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فَصَلَاتُهُمْ جَائِزَةٌ ، وَعَلَى الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا قِيَامًا إِذَا قَدَرُوا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إِمَامَةُ الْقَاعِدِ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، وَعَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ الْإِعَادَةُ .
307 وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ : إِمَامَةُ الْقَاعِدِ جَائِزَةٌ ، وَيُصَلِّي مَنْ خَلْفَهُ قَاعِدًا ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، وَقَيْسُ بْنُ قَهْدٍ ، فَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ اسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ إِذَا أَكْمَلَ مَعَ إِمَامِهِ بِرُكْنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ ، الْقَارِئَ بِالْأُمِّيِّ .
وَاسْتَدَلَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ مِنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى قَاعِدًا وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قِيَامًا ، فَلَمَّا فَرَغَ ، قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ .
وَبِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ ، فَوَقَعَ عَلَى جِزْعِ نَخْلَةٍ ، فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ ، فَجِئْنَاهُ نَعُودُهُ وَهُوَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَصَلَّى التَّطَوُّعَ فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ ، ثُمَّ جِئْنَاهُ مَرَّةً أُخْرَى وَهُوَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ، فَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ قِيَامًا ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا أَنِ اقْعُدُوا ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ ، وَلَا تَفْعَلُوا كَمَا تَفْعَلُ الْفُرْسُ بِعُظَمَائِهَا .
وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِنَ الْخَبَرِ الْمَشْهُورِ رِوَايَةً مُسْتَفِيضَةً ، وَنَقْلًا مُتَوَاتِرًا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ ، ثُمَّ وَجَدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خِفَّةً فَخَرَجَ يَتَوَكَّأُ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَتَنَحْنَحَ النَّاسُ أَبَا بَكْرِ فَتَأَخَّرَ قَلِيلًا ، وَكَانَ هَذَا فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، بَلْ رُوِيَ أَنَّهُ صَلَّى وَمَاتَ فِي يَوْمِهِ فَكَانَ الْأَخْذُ بِهِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ أَوْلَى ، وَذَلِكَ سُنَّةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَنْسُوخٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْقُعُودِ خَلْفَ الْقَاعِدِ ، ثُمَّ يُقِرُّهُمْ بِالْقِيَامِ خَلْفَهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ خَاصَّةً أَنْ يُقَالَ : كُلُّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ الصَّلَاةُ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا كَالْقَائِمِ قِيَاسًا عَلَى الْقَائِمِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ أَحْمَدُ عَلَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعِينَ ، فَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْهُ تَجُوزُ إِمَامَةُ الْقَاعِدِ ، وَلَيْسَ عَلَى وُجُوبِ الْقِيَامِ عَلَى الْمَأْمُومِ مَانِعٌ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَبَرِ فِي جَوَازِ إِمَامَةِ الْقَاعِدِ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَحْمَدَ خَاصَّةً ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : وَلِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْقِيَامِ فَلَمْ يُجِزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا .
أَصْلُهُ : إِذَا كَانَ إِمَامُهُ قَائِمًا ، أَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا ، وَلَا اتِّبَاعَ الْإِمَامُ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ رُكْنًا مُقَرَّرًا عَلَيْهِ ، وَلَا يُلْجِئُهُ إِلَى مَا لَا يَلْزَمُهُ فِي حَالِ الْعَجْزِ كَالرُّكُوعِ ، وَالسُّجُودِ ، وَلَا يُسْقِطْهُمَا اتِّبَاعُ الْإِمَامِ ، وَلَا يَحْمِلُهُمَا إِلَى الْإِيمَاءِ .
308 وَأَمَّا الْجَوَابُ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدُكُمْ بَعْدِي جَالِسًا " فَحَدِيثٌ مُرْسَلٌ رَوَاهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ، وَكَانَ مِمَّنْ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ ، وَالرَّجْعَةِ ، وَيَتَظَاهَرُ بِسَبِّ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، فَلَمْ يَجِبْ قَبُولُ خَبَرِهِ ، وَلَوْ وَجَبَ قَبُولُ خَبَرِهِ لَمْ يَجِبِ الْعَمَلُ بِهِ ، لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَلَوْ سُلِّمَ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهِ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إِمَّا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، أَوْ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى صَلَاةِ الْقَارِئِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ .
قُلْنَا : فِي الْأُمِّيِّ كَلَامٌ ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَمْ يَصِحَّ قِيَاسُهُ ، لِأَنَّ الْإِمَامَ قَدْ تَحَمَّلَ الْقِرَاءَةَ مُؤَثِّرًا فِي إِمَامَتِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ فَقْدُ الْقِيَامِ مُؤَثِّرًا فِيهَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث