الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثالث عشر
الصفحة 7600 · ص. المطبوع 461
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ تَطَلَّعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ ثُقْبٍ فَطَعَنَهُ بِعُودٍ أَوْ رَمَاهُ بِحَصَاةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا فَذَهَبَتْ عَيْنُهُ ، فَهِيَ هَدَرٌ . وَاحْتَجَّ ۝ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَنْظُرُ إِلَى بَيْتِهِ مِنْ حُجْرٍ وَبِيَدِهِ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لِي ، أَوْ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ الْمَنَازِلَ سَاتِرَةٌ لِعَوْرَاتِ أَهْلِهَا ، يَحْرُمُ انْتِهَاكُهَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ فِيهَا ، فَإِذَا تَطَلَّعَ رَجُلٌ عَلَى مَنْزِلِ رَجُلٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَا تَطَلَّعَ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ :
إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِأَبْصَارِ الْمَارَّةِ ، أَوْ غَيْرَ سَاتِرٍ لَهَا . فَإِنْ كَانَ سَاتِرًا لِأَبْصَارِ الْمَارَّةِ كَالْمُتَطَلِّعِ مِنْ ثُقْبٍ فِي بَابٍ أَوْ كُوَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي حَائِطٍ أَوْ شُبَّاكٍ ضَيِّقِ الْأَعْيُنِ ، فَلِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَرْمِيَ عَيْنَ الْمُتَطَلِّعِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى فَقْءِ عَيْنِهِ ، وَلَا يُفْضِيَ إِلَى تَلَفِ نَفْسِهِ كَالْحَصَاةِ وَالْعُودِ اللَّطِيفِ وَالْمِدْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ وَلَا أَنْ يَطْعَنَهُ بِرُمْحٍ : لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ فَتَتْلَفُ بِهِ النَّفْسُ ، وَالْمَقْصُودُ كَفُّ الْعَيْنِ مِنَ النَّظَرِ ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ تَلَفَ النَّفْسِ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ ضَمِنَ نَفْسَهُ وَلَا يَضْمَنُ بِإِفْقَاءِ عَيْنِهِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلِ اسْتَبَاحَ فَقْءَ عَيْنِهِ بِابْتِدَاءِ التَّطَلُّعِ أَوْ بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ ، وَجُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ أَنْ يَسْتَبِيحَهُ بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِفَقْءِ عَيْنِهِ ضَمِنَ . فَعَلَى هَذَا : يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ فِي صَوْلِ الْفَحْلِ وَطَلَبِ النَّفْسِ وَالْمَالِ فِي تَرْتِيبِ الدَّفْعِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ فَقْءَ عَيْنِهِ بِابْتِدَاءِ التَّطَلُّعِ ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ . فَعَلَى هَذَا : يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ فِي صَوْلِ الْفَحْلِ وَطَلَبِ الْمَالِ وَالنَّفْسِ ، وَمُوَافِقًا لِنَزْعِ الْيَدِ الْمَعْضُوضَةِ إِذَا سَقَطَ بِهَا أَسْنَانُ الْعَاضِّ ابْتِدَاءً . وَاخْتَلَفَ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَحَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْدَأَ بِفَقْءٍ إِلَّا بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ ، وَهُوَ ضَامِنٌ إِنِ ابْتَدَأَ بِهِ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ احْتِجَاجًا بِأَنَّ دُخُولَ الدَّارِ أَغْلَظُ مِنَ التَّطَلُّعِ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ ، فَلَوْ دَخَلَهَا لَمْ يَسْتَبِحْ أَنْ يَبْتَدِئَ بِفَقْءِ عَيْنِهِ ، فَكَانَ بِأَنْ لَا يَسْتَبِيحَهُ بِالتَّطَلُّعِ أَوْلَى وَحَكَى عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِالتَّطَلُّعِ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِفَقْءِ الْعَيْنِ وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا ، وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَيَجْعَلُونَهُ خِلَافًا مَعَ أَبَى حَنِيفَةَ : احْتِجَاجًا بِالْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ 461 فِي الْمُتَطَلِّعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِهِ لِلرَّجُلِ : ۝ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهَا فِي عَيْنِكَ ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ فَاحْتَمَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ لِتَغْلِيظِ حُرْمَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حُرْمَةِ سَائِرِ أُمَّتِهِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشَرْعٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِتَعْلِيلِهِ كَقَوْلِهِ : " إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ " ، وَقَدْ رُوِيَ بِمَا هُوَ عَامُّ الْحُكْمِ لَا يَدْخُلُهُ احْتِمَالٌ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : ۝ لَوْ أَنَّ امْرَءًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ وَهَذَا نَصٌّ ، فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا خَبَرُ وَاحِدٍ مُخَالِفٌ الْأُصُولَ ، فَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهِ .
قِيلَ : الْأُصُولُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النُّصُوصِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ بِهَا النَّصُّ ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُلْحَقُ بِأَصْلٍ فِي هَدْرِ أَسْنَانِ الْعَاضِّ بِابْتِدَاءِ نَزْعِ الْيَدِ مِنْ فِيهِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ مَنِ اطَّلَعَ مِنْ صِيرَةِ بَابٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهِيَ هَدَرٌ .
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الصِّيرُ : الشِّقُّ .
فَأَمَّا تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ دَاخِلَ الدَّارِ لَا يُبْتَدَأُ بِفَقْءِ عَيْنِهِ ، فَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي جَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِفَقْئِهَا وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ : لِأَنَّهُ أَغْلَظُ حَالًا مِنَ الْمُتَطَلِّعِ .
وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ : لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ سَقَطَ الْحُكْمُ فِي تَفْضِيلِ الْأَعْضَاءِ ، كَالْجِنَايَاتِ يَلْزَمُ فِيهَا دِيَةٌ لِأَعْضَاءٍ إِذَا فُصِلَتْ ، وَلَا يَلْزَمُ فِي الْقَتْلِ دِيَاتُهَا وَإِنْ بَطَلَتْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث