الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
page 796 · printed p. 408
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ وَالْمَنَازِلِ وَكَانَ أَهْلُهَا لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ وَكَانَ أَهْلُهَا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حُرًّا بَالِغًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ عَلَى عَقْلِهِ ، وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ وَاحْتَجَّ بِمَا لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ بِأَرْبَعِينَ رَجُلًا وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ : ۝ كُلُّ قَرْيَةٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ وَمِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ .
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَنْعَقِدُ فِيهِ الْجُمْعَةُ ، وَالثَّانِي : فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمْعَةُ .
فَأَمَّا الْمَكَانُ : فَمَذْهَبُنَا أَنَّهَا تَنْعَقِدُ فِي الْأَمْصَارِ ، وَالْقُرَى إِذَا كَانَتِ الْقَرْيَةُ مُجْتَمِعَةَ الْبِنَاءِ ، وَكَانَ لَهَا عَدَدٌ تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمْعَةُ ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ لَا يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا ظَعْنَ حَاجَةٍ ، وَبِهِ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبِ الْجُمْعَةُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى ، وَلَا تَصِحُّ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ فِيهَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِصْرًا جَامِعًا ، فَيَلْزَمُهُمْ إِقَامَتُهَا . وَحَدُّ الْمِصْرِ عِنْدَهُ : أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِمَامٌ يُقِيمُ الْحُدُودَ ، وَقَاضٍ يُنَفِّذُ الْأَحْكَامَ ، وَجَامِعٌ وَمِنْبَرٌ ، وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَمِنْ نَصِّ قَوْلِهِ اسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ قَالُوا : وَلِأَنَّ فَرْضَ الْجُمْعَةِ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ وَالْقُرَى مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، وَمَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَيِّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَانًا خَاصًّا ، بَلْ يُشَرِّعُهُ شَرْعًا عَامًّا ، وَلَا يُنْقَلُ آحَادًا بَلْ يُنْقَلُ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ .
408 قَالُوا : وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ فِي الْغَالِبِ . فَوَجَبَ أَلَّا تَصِحَّ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ فِيهِ ، كَالْمَفَاوِزِ وَالْبَوَادِي .
وَدَلِيلُنَا مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الظَّوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُمْ وَلَمْ يَخُصَّ بَلَدًا مِنْ قَرْيَةٍ ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَرُوِيَ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى قَرْيَةٍ مُزَنِيَّةٍ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمْعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَرُوِيَ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ صَلَّى أَوَّلَ جُمْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ ، فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ ، بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْخَضَمَاتُ وَلَمْ يَكُنْ مِصْرًا ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِّعَتْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْمَدِينَةِ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرِينِ تُسَمَّى جُوَاثَا وَلِأَنَّهَا إِقَامَةُ صَلَاةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ شَرْطِهَا الْمِصْرُ ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَلِأَنَّهَا مَعْقِلٌ يَسْتَوْطِنُهُ عَدَدٌ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمْعَةُ ، فَجَازَ أَنْ يُقِيمُوا الْجُمْعَةَ قِيَاسًا عَلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ .
الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ فَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَلَى وَهَاءٍ فِي إِسْنَادِهِ ثُمَّ لَا يَصِحُّ لِأَبِي حَنِيفَةَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ، لِأَنَّهُ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ إِمَامًا أَقَامَ الْحُدُودَ ، وَقَاضِيًّا نَفَّذَ الْأَحْكَامَ فِي قَرْيَةٍ وَجَبَ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ فِيهَا ، وَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْمِصْرِ الْإِمَامُ وَالْقَاضِي وَلَمْ يَسْتَخْلِفَا ، لَمْ تَلْزَمْهُمْ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ ، فَلَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ فِي اعْتِبَارِ الْمِصْرِ ، وَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ دَلَالَةٌ ثُمَّ يَسْتَعْمِلَهُ ، فَنَقُولُ : لَا جُمْعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلَّا فِي مِصْرٍ جَامِعٍ الْعَدَدَ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمْعَةُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ مَا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ عَامًّا ، وَلَا يَرِدُ بِهِ النَّقْلُ آحَادًا ، فَيُقَالُ لَهُمْ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ خَاصًّا ، وَيَرِدُ النَّقْلُ بِهِ آحَادًا ، فَلَمْ نُسَلِّمْ لَكُمْ هَذِهِ الدَّلَالَةَ ، عَلَى أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ عَامًّا إِذَا كَانَ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَرِدْ لَهُ فِي الْكِتَابِ ذِكْرٌ وَلَا بَيَانُ حُكْمٍ ، وَقَدْ وَرَدَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى بِإِيجَابِ الْجُمْعَةِ ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنْ يَكُونَ بَيَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامًّا ، عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَمَّ الْبَيَانَ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَرِهِ : ۝ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ فِي عَامِي هَذَا فِي شَهْرِي هَذَا ، فِي سَاعَتِي هَذِهِ ، فَرِيضَةً مَكْتُوبَةً وَلَيْسَ فِي الْبَيَانِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا .
وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْبَوَادِي : فَالْمَعْنَى فِيهِ : أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْتَوْطِنِينَ .
فَإِذَا ثَبَتَ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ فِي الْقُرَى إِذَا اسْتَوْطَنَهَا عَدَدٌ تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمْعَةُ وَكَانُوا مُجْتَمِعِي الْمُنَازِلِ اعْتُبِرَتْ حَالُ مَنَازِلِهِمْ : فَإِنْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً بِالْآجُرِّ وَالْجَصِّ أَوْ بِاللَّبِنِ وَالطِّينِ ، أَوْ بِالْخَشَبِ الْوَثِيقِ ، فَعَلَيْهِمْ إِقَامَةُ الْجُمْعَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ خِيَامًا أَوْ بُيُوتَ شَعْرٍ ، أَوْ مِنْ سَعَفٍ ، أَوْ 409 قَصَبٍ ، فَلَا جُمْعَةَ عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَنَازِلَ لَيْسَتْ أَوْطَانًا ثَابِتَةً ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانُوا أَهْلَ مُنَازِلَ مُتَفَرِّقَةٍ وَبُنْيَانٍ مُتَبَاعِدَةٍ غَيْرِ مُجْتَمِعَةٍ ، وَلَا مُتَّصِلَةٍ ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِينَ ، لَا الْمُسْتَوْطِنِينَ ، لِأَنَّ الْأَوْطَانَ مَا اجْتَمَعَتْ ، وَالْجُمْعَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِالْمُقِيمِ حَتَّى يَكُونَ مُسْتَوْطِنًا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith