الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الخامس عشر
الصفحة 8203 · ص. المطبوع 196
فَصْلٌ : وَإِذَا اسْتَقَرَّتْ بَيْنَهُمَا مَعَ الْمُحَلِّلِ فِي الْجَرْيِ ، فَيُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ السَّبْقُ ، وَهُوَ غَايَةُ الْمَدَى قَصَبٌ قَدْ غُرِزَتْ فِي الْأَرْضِ تُسَمِّيهَا الْعَرَبُ قَصَبَ السَّبْقِ ، لِيَحُوزَهَا السَّابِقُ مِنْهُمْ ، فَيَقْلَعَهَا حَتَّى يَعْلَمَ بِسَبْقِهِ الدَّانِي وَالْقَاصِي ، فَيَسْقُطَ بِهِ الِاخْتِلَافُ ، وَرُبَّمَا كَرَّ بِهَا رَاجِعًا يَسْتَقْبِلُ بِهَا الْمَسْبُوقِينَ إِذَا كَانَ مُفَضَّلًا فِي السَّبْقِ مُتَبَاهِيًا فِي الْفُرُوسِيَّةِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلِلْمُتَسَابِقِينَ وَالْمُحَلِّلِ سَبْعَةُ أَحْوَالٍ :
إِحْدَاهَا : أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى الْغَايَةِ عَلَى سَوَاءٍ لَا يَتَقَدَّمُهُمْ أَحَدُهُمْ : فَلَيْسَ فِيهِمْ سَابِقٌ وَلَا مَسْبُوقٌ ، فَيَحُوزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَسَابِقِينَ سَبَقَ نَفْسِهِ ، وَلَا يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ .
وَالْحَالَةُ الثَّانِيةُ : أَنْ يَسْبِقَ الْمُخْرِجَانِ ، فَيَصِلَا مَعًا عَلَى سَوَاءٍ ، وَيَتَأَخَّرَ الْمُحَلِّلُ عَنْهُمَا ، فَيَحُوزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ سَبَقَ نَفْسِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي السَّبَقِ وَلَا شَيْءَ لِلْمُحَلِّلِ ، لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ .
وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَسْبِقَ الْمُحَلِّلُ ، وَيَأْتِيَ الْمُخْرِجَانِ بِهِ بَعْدَهُ عَلَى سَوَاءٍ أَوْ تَفَاضُلٍ ، فَيَسْتَحِقَّ الْمُحَلِّلُ سَبَقَيِ الْمُخْرِجَيْنِ لِسَبْقِهِ لَهُمَا .
وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثُ لَيْسَ يَخْتَلِفُ فِيهَا الْمَذْهَبُ .
وَالْحَالَةُ الرَّابِعَةُ : أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ ، ثُمَّ يَأْتِيَ بَعْدَهُ الْمُحَلِّلُ وَالْمُخْرِجُ الْآخَرُ عَلَى سَوَاءٍ ، فَيَحُوزَ السَّابِقُ سَبَقَ نَفْسِهِ ، فَأَمَّا سَبْقُ الْمَسْبُوقِ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ لِلسَّابِقِ الْمُخْرِجِ ، لِأَنَّ دُخُولَ الْمُحَلِّلِ عَلَى مَذْهَبِهِ لِتَحْلِيلِ الْأَخْذِ بِهِ ، فَيَأْخُذُ إِنْ كَانَ سَابِقًا ، وَيُؤْخَذُ بِهِ إِنْ كَانَ مَسْبُوقًا ، وَقَدْ حَصَلَ السَّبَقُ لِغَيْرِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِأَخْذِهِ ، فَيَكُونَ جَمِيعُهُ لِلْمُخْرِجِ السَّابِقِ .
وَعَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانِ أَنَّ دُخُولَ الْمُحَلِّلِ لِيَأْخُذَ وَلَا يُؤْخَذَ بِهِ ، يَكُونُ سِبَاقُ الْمُتَأَخِّرِ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ مُقِرًّا عَلَيْهِ ، لَا يَسْتَحِقُّهُ السَّابِقُ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ لِأَنَّهُ يُعْطِي وَلَا يَأْخُذُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُحَلِّلُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ .
وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ : أَنْ يَسْبِقَ الْمُحَلِّلُ وَأَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ عَلَى سَوَاءٍ ، يَحُوزُ السَّابِقُ مِنَ الْمُخْرِجَيْنِ سَبَقَ نَفْسِهِ ، وَيَكُونُ مَالُ الْمُخْرِجِ الْمَسْبُوقِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ 196 الْمُخْرِجِ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّلِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خَيْرَانِ يَكُونُ جَمِيعُهُ لِلْمُحَلِّلِ دُونَ الْمُخْرِجِ السَّابِقِ .
وَالْحَالَةُ السَّادِسَةُ : أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ ثُمَّ الْمُحَلِّلُ بَعْدَهُ ثُمَّ الْمُخْرِجُ الْآخَرُ بَعْدَ الْمُحَلِّلِ ، فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يَكُونُ مَالُ الْمَسْبُوقِ لِلْمُخْرِجِ الْأَوَّلِ لِسَبْقِهِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خَيْرَانِ لِلْمُحَلِّلِ دُونَ السَّابِقِ .
وَالْحَالَةُ السَّابِعَةُ : يَسْبِقُ أَحَدُ الْمُخْرِجَيْنِ ثُمَّ يَتْلُوهُ الْمُخْرِجُ الثَّانِي ، وَيَتَأَخَّرُ عَنْهَا الْمُحَلِّلُ : فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ : يَسْتَحِقُّ السَّابِقُ مَالَ الْمَسْبُوقِ ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ خَيْرَانِ لَا يَسْتَحِقُّهُ السَّابِقُ ، لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُحَلِّلُ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ ، وَيَكُونُ مُقِرًّا عَلَى الْمَسْبُوقِ ، ثُمَّ عَلَى قِيَاسِ هَذَا فِي اعْتِبَارِ الْمَذْهَبَيْنِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث