الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الخامس عشر
الصفحة 8314 · ص. المطبوع 276
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ قَالَ بِاللَّهِ أَوْ تَاللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ " . وَقَالَ فِي الْإِمْلَاءِ : " تَاللَّهِ يَمِينٌ " وَقَالَ فِي الْقَسَامَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَدْ حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَمِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ .
276 قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : اعْلَمْ أَنَّ حُرُوفَ الْقَسَمِ ثَلَاثَةٌ : الْوَاوُ وَهِيَ أَصْلُهَا ، ثُمَّ الْيَاءُ ، ثُمَّ التَّاءُ ، فَأَمَّا الْوَاوُ فَقَوْلُهُ : وَاللَّهِ ، وَهُوَ الْحَرْفُ الصَّرِيحُ فِي الْقَسَمِ ، فَإِذَا قَالَ : وَاللَّهِ ، كَانَ حَالِفًا ، لَا يُرْجَعُ إِلَى إِرَادَتِهِ فِي ظَاهِرٍ وَلَا بَاطِنٍ ، وَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَأَمَّا الْبَاءُ الْمُعْجَمَةُ مِنْ تَحْتُ ، فَقَوْلُهُ : بِاللَّهِ ، وَفِيهَا بَعْضُ الِاحْتِمَالِ ؛ لِأَنَّهُ مَعَ غَالِبِ الْأَحْوَالِ فِي الْقَسَمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ : بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ وَبِاللَّهِ أَتَّقِي ، وَبِاللَّهِ أَوَمِنُ ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْقَسَمَ ، أَوْ قَالَ مُطْلَقًا كَانَ يَمِينًا فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْقَسَمَ ، وَأَرَادَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ احْتِمَالِهِ دِينَ فِي الْبَاطِنِ حَمْلًا عَلَى مَا نَوَاهُ ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ ، وَكَانَ حَالِفًا فِي الظَّاهِرِ ، اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ حَالِ الظَّاهِرِ ، وَلَزِمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ كَمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ ، وَأَرَادَ مِنْ وِثَاقٍ دَيْنٍ فِي الْبَاطِنِ وَكَانَ طَلَاقًا فِي الظَّاهِرِ .
وَأَمَّا التَّاءُ الْمُعْجَمَةُ مِنْ فَوْقُ ، فَقَوْلُهُ : تَاللَّهِ ، فَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَيْمَانِ وَالْإِيلَاءِ أَنَّهَا يَمِينٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ وَرَدَ بِهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ [ الْأَنْبِيَاءِ : 57 ] قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا [ يُوسُفَ : 91 ] . وَنَقْلَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَسَامَةِ : تَاللَّهِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَخْرِيجِ مَا نَقَلَهُ فِي الْقَسَامَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَقَدْ وَهِمَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : " بِاللَّهِ " لَيْسَتْ بِيَمِينٍ ، بِالْبَاءِ مُعْجَمَةٍ مِنْ تَحْتُ ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي تَعْلِيلِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، فَقَالَ : لِأَنَّهُ دُعَاءٌ ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ تَاللَّهِ يَمِينًا قَوْلًا وَاحِدًا .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ نَقْلَ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ ، لِضَبْطِهِ فِي نَقْلِهِ ، فَعَلَى هَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا مَعَ صِحَّةِ النَّقْلِ فِي كَيْفِيَّةِ تَخْرِيجِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ تَخْرِيجُ قَوْلٍ ثَانٍ ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيْنِ لِاخْتِلَافِ النَّقْلِ فِيهِ .
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تُعْتَبَرَ فِيهِ إِرَادَةٌ : لِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ بِهَا وَارِدٌ : وَلِأَنَّ التَّاءَ فِي الْقَسَمِ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ ، فَقَامَتْ مَقَامَهَا فِي الْحُكْمِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا لَيْسَتْ بِيَمِينٍ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا إِلَّا أَنْ يُرِيدَهَا يَمِينًا ، فَتَصِيرُ بِالْإِرَادَةِ يَمِينًا لِخُرُوجِهَا عَنْ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَالْتِبَاسِهَا عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ ، وَالْأَيْمَانُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ فِي الْعُرْفِ مُسْتَعْمَلًا ، وَعِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ مُشْتَهِرًا ، فَهَذَا وَجْهٌ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : أَنَّهَا تَكُونُ يَمِينًا فِي خَوَاصِّ النَّاسِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَنَّ التَّاءَ مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ وَلَا تَكُونُ فِي الْعَامَّةِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ 277 ذَلِكَ إِلَّا بِالْإِرَادَةِ وَالنِّيَّةِ ، كَمَا أَنَّ الْعَرِبِيَّ إِذَا حَلَفَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ تَكُونُ يَمِينًا إِذْ عَرَفَهَا ، وَلَا تَكُونُ يَمِينًا إِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا ، وَكَذَا الْأَعْجَمِيُّ إِذَا حَلَفَ بِالْعَرَبِيَّةِ .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا تَكُونُ يَمِينًا فِي التَّغْلِيظِ عَلَيْهِ ، وَلَا تَكُونُ يَمِينًا فِي التَّخْفِيفِ عَنْهُ ، فَلَا يَجْعَلُهَا يَمِينًا فِي الْقَسَامَةِ : لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِهَا لِنَفْسِهِ حَقًّا ، وَيَجْعَلُهَا يَمِينًا فِي الْإِيلَاءِ : لِأَنَّهُ يُثْبِتُ بِهَا عَلَى نَفْسِهِ حَقًّا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث