روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الأول
page 111 · printed p. 233
فَصْلٌ
فِي الْقِيَامِ
اعْلَمْ أَنَّ الْقِيَامَ ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ ، رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ ، وَيَقُومُ الْقُعُودُ مَقَامَهُ فِي النَّافِلَةِ ، وَفِي الْفَرِيضَةِ عِنْدَ الْعَجْزِ ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْقِيَامِ ، الِانْتِصَابُ .
وَهَلْ يُشْتَرَطُ الِاسْتِقْلَالُ بِحَيْثُ لَا يَسْتَنِدُ ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي ( التَّهْذِيبِ ) ، وَغَيْرِهِ لَا يُشْتَرَطُ .
فَلَوِ اسْتَنَدَ إِلَى جِدَارٍ أَوِ إِنْسَانٍ ، بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ السِّنَادَ لَسَقَطَ ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَالثَّانِي يُشْتَرَطُ وَلَا يَصِحُّ 233 مَعَ الْإِسْنَادِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ ، وَالثَّالِثُ : يَجُوزُ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ السِّنَادَ لَمْ يَسْقُطْ ، وَإِلَّا فَلَا .
هَذَا فِي اسْتِنَادٍ لَا يَسْلُبُ اسْمَ الْقِيَامِ . فَإِنِ اسْتَنَدَ مُتَّكِئًا ، بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ قَدَمَيْهِ عَنِ الْأَرْضِ لَأَمْكَنَهُ الْبَقَاءُ ، فَهَذَا مُعَلِّقٌ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ بِقَائِمٍ . أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْتَصِبَ مُتَّكِئًا عَلَى الصَّحِيحِ .
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ : لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ فِي هَذَا الْحَالِ ، بَلْ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا ، وَأَمَّا الِانْتِصَابُ الْمَشْرُوطُ ، فَلَا يُخِلُّ بِهِ إِطْرَاقُ الرَّأْسِ ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ ، نَصْبُ فَقَارِ الظَّهْرِ ، فَلَيْسَ لِلْقَادِرِ أَنْ يَقِفَ مَائِلًا إِلَى الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ ، زَائِلًا عَنْ سُنَنِ الْقِيَامِ ، وَلَا أَنْ يَقِفَ مُنْحَنِيًا فِي حَدِّ الرَّاكِعِينَ .
فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ انْحِنَاؤُهُ حَدَّ الرُّكُوعِ ، لَكِنْ كَانَ إِلَيْهِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الِانْتِصَابِ ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ .
قُلْتُ : وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ لِلْقِيَامِ إِلَّا بِمُعِينٍ ، ثُمَّ لَا يَتَأَذَّى بِالْقِيَامِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يُقِيمُهُ . فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُتَبَرِّعًا ، لَزِمَهُ الِاسْتِئْجَارُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إِنْ وَجَدَهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
هَذَا فِي الْقَادِرِ عَلَى الِانْتِصَابِ . فَأَمَّا الْعَاجِزُ ، كَمَنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ لِزَمَانَةٍ أَوْ كِبَرٍ ، وَصَارَ فِي حَدِّ الرَّاكِعِينَ فَيَلْزَمُهُ الْقِيَامُ .
فَإِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ ، زَادَ فِي الِانْحِنَاءِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ ( التَّتِمَّةِ ) وَ ( التَّهْذِيبِ ) وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ : يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا . قَالَا : فَإِنْ قَدَرَ عِنْدَ الرُّكُوعِ عَلَى الِارْتِفَاعِ إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ لَزِمَهُ ، وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ تَمْنَعُ الِانْحِنَاءَ لَزِمَهُ الْقِيَامُ ، وَيَأْتِي بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِحَسَبَ الطَّاقَةِ ، فَيَحْنِي صُلْبَهُ قَدْرَ الْإِمْكَانِ . فَإِنْ لَمْ يُطِقْ ، حَنَى رَقَبَتَهُ ، وَرَأْسَهُ ، فَإِنِ احْتَاجَ فِيهِ إِلَى شَيْءٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ ، أَوْ إِلَى أَنْ يَمِيلَ إِلَى جَنْبِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ . فَإِنْ لَمْ يُطِقِ الِانْحِنَاءَ أَصْلًا أَوْمَأَ إِلَيْهِمَا .
234 قُلْتُ : وَإِذَا أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ وَالِاضْطِجَاعُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْقُعُودُ ، قَالَ صَاحِبُ ( التَّهْذِيبِ ) يَأْتِي بِالْقُعُودِ قَائِمًا ؛ لِأَنَّهُ قُعُودٌ وَزِيَادَةٌ .
وَاعْلَمْ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّحِيحِ أَنْ يَقُومَ عَلَى إِحْدَى رِجْلَيْهِ وَيَصِحُّ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْصِقَ الْقَدَمَيْنِ ، بَلْ يُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا ، وَتَطْوِيلُ الْقِيَامِ عِنْدَنَا أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَتَطْوِيلُ السُّجُودِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِ الرُّكُوعِ .
وَإِذَا طَوَّلَ الثَّلَاثَةَ زِيَادَةً عَلَى مَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ ، فَالْأَصَحُّ : أَنَّ الْجَمِيعَ يَكُونُ وَاجِبًا ، وَالثَّانِي : يَقَعُ مَا زَادَ سُنَّةً ، وَمِثْلُهُ الْخِلَافُ فِي مَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ ، وَفِي الْبَعِيرِ الْمُخْرَجِ فِي الزَّكَاةِ عَنْ خَمْسٍ ، وَفِي الْبَدَنَةِ الْمُضَحَّى بِهَا بَدَلًا عَنْ شَاةٍ مَنْذُورَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ :
إِذَا عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ ، عَدَلَ إِلَى الْقُعُودِ ، وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، وَلَا نَعْنِي بِالْعَجْزِ ، عَدَمَ تَأَتِّي الْقِيَامِ ، بَلْ خَوْفَ الْهَلَاكِ ، أَوْ زِيَادَةَ الْمَرَضِ ، أَوْ لُحُوقَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ ، أَوْ خَوْفَ الْغَرَقِ وَدَوَرَانِ الرَّأْسِ فِي حَقِّ رَاكِبِ السَّفِينَةِ .
قُلْتُ : الَّذِي اخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ضَبْطِ الْعَجْزِ : أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ جَلَسَ لِلْغُزَاةِ رَقِيبٌ يَرْقُبُ الْعَدُوَّ ، فَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ ، وَلَوْ قَامَ لَرَآهُ الْعَدُوُّ ، أَوْ جَلَسَ الْغُزَاةُ فِي مَكْمَنٍ ، وَلَوْ قَامُوا رَآهُمُ الْعَدُوُّ وَفَسَدَ التَّدْبِيرُ ، فَلَهُمُ الصَّلَاةُ قُعُودًا ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ لِنُدُورِهِ .
قُلْتُ : قَالَ صَاحِبُ ( التَّتِمَّةِ ) فِي غَيْرِ الرَّقِيبِ : إِنْ خَافَ لَوْ قَامَ أَنْ يَقْصِدَهُ 235 الْعَدُوُّ ، وَصَلَّى قَاعِدًا ، أَجَزَّأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَوْ صَلَّى الْكَمِينُ فِي وَهْدَةٍ قُعُودًا ، فَفِي صِحَّتِهَا قَوْلَانِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ إِذَا قَعَدَ الْمَعْذُورُ ، لَا يَتَعَيَّنُ لِقُعُودِهِ هَيْئَةٌ ، بَلْ يُجْزِئُهُ جَمِيعُ هَيْئَاتِ الْقُعُودِ . لَكِنْ يُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ فِي هَذَا الْقُعُودِ ، وَفِي جَمِيعِ قَعَدَاتِ الصَّلَاةِ ، وَفِي الْمُرَادِ بِالْإِقْعَاءِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ :
أَصَحُّهَا : أَنَّهُ الْجُلُوسُ عَلَى الْوَرِكَيْنِ وَنَصْبُ الْفَخِذَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ : أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَفْرِشَ رِجْلَيْهِ ، وَيَضَعَ إِلَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ ، وَالثَّالِثُ : أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَيَقْعُدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ .
قُلْتُ : الصَّوَابُ ، هُوَ الْأَوَّلُ ، وَأَمَّا الثَّانِي : فَغَلَطٌ . فَقَدْ ثَبَتَ فِي ( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) : أَنَّ الْإِقْعَاءَ سُنَّةُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَسَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِمَا قَالَهُ الثَّانِي ، وَنَصَّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ( البُوَيْطِيِّ ) وَ ( الْإِمْلَاءِ ) فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ .
قَالَ الْعُلَمَاءُ : فَالْإِقْعَاءُ ضَرْبَانِ ؛ مَكْرُوهٌ وَغَيْرُهُ . فَالْمَكْرُوهُ : الْمَذْكُورُ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَغَيْرُهُ : الثَّانِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَيْئَاتِ الْقُعُودِ ، قَوْلَانِ ، وَوَجْهَانِ :
أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ : وَهُوَ أَصَحُّ الْجَمِيعِ : يَقْعُدُ مُفْتَرِشًا . وَثَانِيهِمَا : مُتَرَبِّعًا ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ : مُتَوَرِّكًا ، وَثَانِيهِمَا : نَاصِبًا رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى ، جَالِسًا عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي قُعُودِ النَّافِلَةِ .
وَأَمَّا رُكُوعُ الْقَاعِدِ ، فَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ مَا يُحَاذِي وَجْهَهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ .
وَأَكْمَلَهُ ، أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ ، وَأَمَّا سُجُودُهُ ، فَكَسُجُودِ الْقَائِمِ . هَذَا إِذَا قَدَرَ الْقَاعِدُ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، فَإِنْ عَجَزَ لِعِلَّةٍ بِظَهْرِهِ ، أَوْ غَيْرِهَا ، فَعَلَ الْمُمْكِنَ مِنْ الِانْحِنَاءِ .
وَلَوْ قَدَرَ الْقَاعِدُ عَلَى الرُّكُوعِ ، 236 وَعَجَزَ عَنْ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ ، نُظِرَ ، إِنْ قَدَرَ عَلَى أَقَلِّ رُكُوعِ الْقَاعِدِ وَأَكْمَلَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ أَتَى بِالْمُمْكِنِ ، مَرَّةً عَنِ الرُّكُوعِ ، وَمَرَّةً عَنِ السُّجُودِ ، وَلَا يَضُرُّ اسْتِوَاؤُهُمَا .
وَإِنْ قَدَرَ عَلَى زِيَادَةٍ عَلَى كَمَالِ الرُّكُوعِ ، وَجَبَ الِاقْتِصَارُ فِي الِانْحِنَاءِ لِلرُّكُوعِ عَلَى قَدْرِ الْكَمَالِ ، لِيَتَمَيَّزَ عَنِ السُّجُودِ .
وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُقَرِّبَ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ لِلسُّجُودِ أَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ . حَتَّى قَالَ الْأَصْحَابُ : لَوْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى صُدْغِهِ ، أَوْ عَظْمِ رَأْسِهِ الَّذِي فَوْقَ الْجَبْهَةِ ، وَعَلِمَ أَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَتْ جَبْهَتُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْأَرْضِ ، لَزِمَهُ ذَلِكَ .
قُلْتُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ( الْأُمِّ ) وَالْأَصْحَابُ : لَوْ قَدَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مُنْفَرِدًا ، وَإِذَا صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ احْتَاجَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْضَهَا مِنْ قُعُودٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا .
فَإِنْ صَلَّى مَعَ الْجَمَاعَةِ وَقَعَدَ فِي بَعْضِهَا صَحَّتْ ، وَلَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ وَإِذَا زَادَ عَجَزَ صَلَّى بِالْفَاتِحَةِ . فَلَوْ شَرَعَ فِي السُّورَةِ فَعَجَزَ قَعَدَ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ السُّورَةِ لِيَرْكَعَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith