روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء السادس
الرَّابِعَةُ : أَوْصَى بِأَمَتِهِ الْحَامِلِ مِنْ زَوْجِهَا لِزَوْجِهَا ، وَلِابْنٍ لَهَا حُرٍّ ، وَمَاتَ ، وَخَرَجَتْ كُلُّهَا مِنَ الثُّلُثِ ، وَقَبِلَا الْوَصِيَّةَ وَهُمَا مُوسِرَانِ ، نُظِرَ إِنْ قَبِلَا مَعًا ، عَتَقَتِ الْأَمَةُ كُلُّهَا عَلَى ابْنِهَا ، نِصْفُهَا بِالْمِلْكِ ، وَالْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ ، وَعَلَيْهِ لِلزَّوْجِ نِصْفُ قِيمَتِهَا ، وَيَعْتِقُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ .
أَمَّا نَصِيبُ الزَّوْجِ ، فَلِأَنَّهُ وَلَدُهُ .
وَأَمَّا نَصِيبُ الِابْنِ ، فَلِأَنَّ الْأُمَّ عَتَقَتْ عَلَيْهِ .
وَالْعِتْقُ يَسْرِي مِنَ الْحَامِلِ إِلَى مَا يَمْلِكُهُ الْمُعَتِقُ مِنْ حَمْلِهَا .
وَلَا يُقَوَّمُ نَصِيبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ عَلَيْهِمَا حَصَلَ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا اشْتَرَى ابْنَانِ أَبَاهُمَا ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا وَلَا تَقْوِيمَ ، وَإِنْ قَبِلَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ قُلْنَا : بِالْوَقْفِ ، فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ وَقْتَ الْمِلْكِ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ وَقْتُ الْقَبُولِ .
وَإِنْ قُلْنَا : يَحْصُلُ بِالْقَبُولِ ، فَإِنْ تَقَدَّمَ قَبُولُ الِابْنِ ، عَتَقَتِ الْأَمَةُ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ .
أَمَّا الْأُمُّ ، فَبِالْمِلْكِ وَالسِّرَايَةِ ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فَبِسِرَايَةِ عِتْقِ الْأُمِّ إِلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ لِلزَّوْجِ نِصْفُ قِيمَتِهَا .
وَإِنْ تَقَدَّمَ قَبُولُ الزَّوْجِ ، عَتَقَ جَمِيعُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ ، النِّصْفُ بِالْمِلْكِ ، وَالْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ ، فَيَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ لِلِابْنِ ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمَةِ شَيْءٌ .
فَإِذَا قَبِلَ الِابْنُ عَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهَا بِالْمِلْكِ وَالسِّرَايَةِ ، وَغَرِمَ لِلزَّوْجِ نِصْفُ قِيمَتِهَا .
قُلْتُ : وَيَجِيءُ وَجْهٌ : أَنَّ الْأَمَةَ تُعْتَقُ عَلَى الزَّوْجِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ : إِنَّ عِتْقَ الْجَنِينِ يَسْرِي إِلَى عِتْقِ الْأُمِّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
146 وَأَمَّا إِذَا قَبِلَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ ، فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ الْحَمْلُ ، نِصْفُهُ بِالْمِلْكِ ، وَنِصْفُهُ بِالسِّرَايَةِ ، فَيَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي ، وَلَا يَسْرِي الْعِتْقُ مِنَ الْحَمْلِ إِلَى الْأُمِّ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ تَبَعٌ لَهَا ، وَلَيْسَتْ تَبَعًا لَهُ .
قُلْتُ : وَفِيهِ وَجْهُ أَبِي إِسْحَاقَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِنْ قَبِلَ الِابْنُ وَحْدَهُ ، عَتَقَا عَلَيْهِ [ جَمِيعًا ] ، وَغَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي .
قُلْتُ : قَدْ كَرَّرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ نِصْفَ الْقِيمَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ .
وَالْقِيَاسُ : أَنَّهُ يَجِبُ قِيمَةُ النِّصْفِ ، وَهِيَ أَقَلُّ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتْلَفَ نِصْفًا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْخَامِسَةُ : أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، [ كَأَبِيهِ وَابْنِهِ ] ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ ، كَمَا لَا يَجِبُ شِرَاؤُهُ [ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ] ، بَلْ لَهُ الرَّدُّ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَقِيلَ : يُمْنَعُ الرَّدُّ إِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَطَعُ الْمُتَوَلِّي تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبُولِهِ .
ثُمَّ إِنْ رَدَّ فَذَاكَ ، وَإِنْ قَبِلَ وَقُلْنَا : يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ ، عَتَقَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ .
وَإِنْ قُلْنَا : بِالْمَوْتِ ، أَوْ مَوْقُوفٌ ، تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْمَوْتِ .
وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ أَخِيهِ ، وَأَوْصَى بِهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، وَوَارِثُهُ أَخُوهُ ، فَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ، فَهُوَ لِلْأَجْنَبِيِّ إِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْمَوْتِ أَوْ مَوْقُوفٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ ، وَأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبُولِ لِلْوَارِثِ ، فَمُقْتَضَاهُ الْعِتْقُ عَلَى الْوَارِثِ يَوْمَ الْمَوْتِ ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَيْ لَا تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ .
وَلَوْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِابْنِهِ ، وَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَأَوْجُهٌ .
أَحَدُهَا : أَنَّ الرَّدَّ يُمْنَعُ ، لِعِتْقِهِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ إِذَا قُلْنَا : يَمْلِكُ بِهِ .
وَالثَّانِي : لَيْسَ لِلْوَارِثِ قَبُولُهُ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْعِتْقِ عَلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَإِثْبَاتِ 147 الْوَلَاءِ لَهُ .
هَذَا إِذَا قُلْنَا : إِنَّ الْعِتْقَ إِذَا حَصَلَ وَقَعَ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَسَنَذْكُرُ الْخِلَافَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ جِدًّا .
وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ : أَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ ؛ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُ فِي حُقُوقِهِ .
فَإِنْ قَبِلَ ، فَهُوَ كَقَبُولِ الْمُوصَى لَهُ بِنَفْسِهِ إِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ مَوْقُوفٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ ، نُظِرَ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُوصَى بِهِ ، وَوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ قَرَابَةٌ تَقْتَضِي عِتْقَهُ عَلَيْهِ ، بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ أَخَا الْمُوصَى لَهُ ، فَهَلْ نَحْكُمُ بِعِتْقِهِ ؟ وَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا : لَا ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ .
وَأَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ; لِأَنَّ الْمُوصِيَ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْمِلْكَ لِلْمُوصَى لَهُ فَلَا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا قَبُولَ وَارِثِهِ نِيَابَةً ، وَهَذَا كَمَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فِي حَيَاتِهِ وَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ .
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُوصَى بِهِ وَوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ قَرَابَةٌ تَقْتَضِي الْعِتْقَ ، بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ أَبَا الْمُوصَى لَهُ ، حُكِمَ بِعِتْقِ الْمُوصَى بِهِ قَطْعًا .
وَيَعُودُ الْوَجْهَانِ ، فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ ، أَمْ عَلَى وَارِثِهِ ؟ وَأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ يَثْبُتُ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : عَنِ الْمُوصَى لَهُ ، قَالَ الْإِمَامُ : يُسْنَدُ الْعِتْقُ إِلَى أَلْطَفِ زَمَانٍ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ .
وَإِذَا لَمْ نَحْكُمُ بِالْعِتْقِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ ، فَهَلْ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُ الْمُوصَى لَهُ ؟ وَجْهَانِ .
أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ كَدِيَتِهِ فَإِنَّهُ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهَا تَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً .
هَذَا حُكْمُ الْعِتْقِ .
وَهَلْ يَرِثُ الَّذِي عَتَقَ مِنَ الْمُوصِي ؟ أَمَّا إِذَا قَبِلَ بِنَفْسِهِ ، فَيُنْظَرُ ، إِنْ قَبِلَ فِي صِحَّتِهِ ، فَنَعَمْ .
وَإِنْ قَبِلَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَإِرْثُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ إِذَا حَصَلَ الْمِلْكُ فِيهِ لَا بِعِوَضٍ ، بَلْ بِإِرْثٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ قَبُولِ وَصِيَّةٍ ، هَلْ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ ، أَمْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ .
إِنْ قُلْنَا : مِنَ الثُّلُثِ ، لَمْ يَرِثْهُ ، وَإِلَّا ، وَرَثَ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ .
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَقَبِلَ وَارِثُهُ ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِالْحُرِّيَّةِ عِنْدَ الْقَبُولِ ، 148 لَمْ يَرِثْ ، لِرِقِّهِ .
وَإِنْ حَكَمْنَا بِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَابِلُ مِمَّنْ يَحْجُبُهُ الْمُوصَى بِهِ كَالْأَخِ ، لَمْ يَرِثْ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الْأَخَ وَأَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا ، وَلَبَطَلَ قَبُولُهُ .
وَإِنْ كَانَ لَا يُحْجِبُهُ ، كَابْنِ الْأَخِ ، فَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَيْضًا ، لِلدَّوْرِ فِي نِصْفِهِ .
وَقِيلَ : يَرِثُ .
وَقَالَ الدَّارِكِيُّ : إِنْ ثَبَتَ الْقَبُولُ لِلْمُوصَى لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ، لَمْ يَرِثْ ; لِأَنَّ قَبُولَ وَرَثَتِهِ كَقَبُولِهِ ، وَلَوْ قَبِلَ لَكَانَ وَصِيَّةً ، وَالْإِرْثُ لَا يُجَامِعُهَا .
فَرْعٌ : أَوْصَى لَهُ بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ عَنِ ابْنَيْنِ ، فَالْقَوْلُ فِي قَبُولِهِمَا تَفْرِيعًا عَلَى الْأَقْوَالِ فِي وَقْتِ الْمِلْكِ كَمَا سَبَقَ .
وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ وَوُقُوعُ الْعِتْقِ عَنِ الْمَيِّتِ .
وَإِنْ قَبِلَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ ، صَحَّ الْقَبُولُ فِي النِّصْفِ ، وَعَتَقَ عَلَى الْمَيِّتِ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَآخَرُونَ : يُنْظَرُ ، إِنْ وَرِثَ الْقَابِلُ مِنَ الْمُوصَى لَهُ مَا يَفِي بِبَاقِي قِيمَةِ الْمُوصَى بِهِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي فِيمَا وَرِثَهُ ، وَإِلَّا فَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِيَسَارِ الْقَابِلِ فِي نَفْسٍ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّقْوِيمُ فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَقْبَلْ مِنَ التَّرِكَةِ .
أَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِ يَسَارِهِ ، فَلِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ عَنِ الْمَيِّتِ ، فَلَا يَكُونُ التَّقْوِيمُ عَلَى غَيْرِهِ .
وَأَمَّا عَدَمُ ثُبُوتِهِ فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَقْبَلْ ، فَلِأَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ الْقَبُولُ ، فَالَّذِي لَمْ يَقْبِلْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ .
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِعِتْقِ نَصِيبِ الْقَابِلِ وَاقْتِضَائِهِ التَّقْوِيمَ ، فَالتَّقْوِيمُ كَدَيْنٍ يَلْحَقُ التَّرِكَةَ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ : يَجِبُ أَنْ لَا يُقَوَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَيُقْصَرُ الْعِتْقُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَقْبُولِ لِمَعْنَيَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ لِلْمَيِّتِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، بَلْ بِقَبُولِ الْوَارِثِ ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا وَرِثَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فَعَتَقَ عَلَيْهِ ، لَا يُقَوَّمُ الْبَاقِي .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْعِتْقَ يَحْصُلُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا مَالَ لَهُ حِينَئِذٍ ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا أَعْتَقَ شِقْصًا بَعْدَ الْمَوْتِ ، لَا يُقَوَّمُ الْبَاقِي .
قَالَ : وَرَأَيْتُ 149 هَذَا لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ ، وَلِلْأَوَّلِينَ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّمَا حَكَمْنَا بِالْعِتْقِ عَلَى الْمَيِّتِ لِجَعْلِنَا الْوَارِثَ نَائِبًا عَنْهُ ، فَكَيْفَ يَنْتَفِي اخْتِيَارُهُ مَعَ النِّيَابَةِ ؟ لَكِنَّهُمَا حُكْمِيَّانِ .
وَأَمَّا الثَّانِي : فَلَا يُسَلَّمُ أَنَّ الْعِتْقَ يَحْصُلُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، بَلْ يَسْتَنِدُ إِلَى قُبَيْلِ الْمَوْتِ كَمَا سَبَقَ .
ثُمَّ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهُ لِلْمَيِّتِ .
وَهَلْ يَشْتَرِكُ فِيهِ الِابْنَانِ ، أَمْ يَنْفَرِدُ بِهِ الْقَابِلُ ؟ وَجْهَانِ .
وَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِبَعْضِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ ، وَقَبِلَ وَارِثُهُ ، فَالْقَوْلُ فِي عِتْقِهِ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَقْوِيمُ الْبَاقِي عَلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
أَمَّا نَصِيبُ الزَّوْجِ ، فَلِأَنَّهُ وَلَدُهُ .
وَأَمَّا نَصِيبُ الِابْنِ ، فَلِأَنَّ الْأُمَّ عَتَقَتْ عَلَيْهِ .
وَالْعِتْقُ يَسْرِي مِنَ الْحَامِلِ إِلَى مَا يَمْلِكُهُ الْمُعَتِقُ مِنْ حَمْلِهَا .
وَلَا يُقَوَّمُ نَصِيبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ ; لِأَنَّ الْعِتْقَ عَلَيْهِمَا حَصَلَ دُفْعَةً وَاحِدَةً ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا اشْتَرَى ابْنَانِ أَبَاهُمَا ، فَإِنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِمَا وَلَا تَقْوِيمَ ، وَإِنْ قَبِلَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ قُلْنَا : بِالْوَقْفِ ، فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ وَقْتَ الْمِلْكِ وَاحِدٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ وَقْتُ الْقَبُولِ .
وَإِنْ قُلْنَا : يَحْصُلُ بِالْقَبُولِ ، فَإِنْ تَقَدَّمَ قَبُولُ الِابْنِ ، عَتَقَتِ الْأَمَةُ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ .
أَمَّا الْأُمُّ ، فَبِالْمِلْكِ وَالسِّرَايَةِ ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فَبِسِرَايَةِ عِتْقِ الْأُمِّ إِلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ لِلزَّوْجِ نِصْفُ قِيمَتِهَا .
وَإِنْ تَقَدَّمَ قَبُولُ الزَّوْجِ ، عَتَقَ جَمِيعُ الْحَمْلِ عَلَيْهِ ، النِّصْفُ بِالْمِلْكِ ، وَالْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ ، فَيَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْوِلَادَةِ لِلِابْنِ ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمَةِ شَيْءٌ .
فَإِذَا قَبِلَ الِابْنُ عَتَقَ عَلَيْهِ جَمِيعُهَا بِالْمِلْكِ وَالسِّرَايَةِ ، وَغَرِمَ لِلزَّوْجِ نِصْفُ قِيمَتِهَا .
قُلْتُ : وَيَجِيءُ وَجْهٌ : أَنَّ الْأَمَةَ تُعْتَقُ عَلَى الزَّوْجِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ : إِنَّ عِتْقَ الْجَنِينِ يَسْرِي إِلَى عِتْقِ الْأُمِّ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
146 وَأَمَّا إِذَا قَبِلَ الزَّوْجُ وَحْدَهُ ، فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ الْحَمْلُ ، نِصْفُهُ بِالْمِلْكِ ، وَنِصْفُهُ بِالسِّرَايَةِ ، فَيَغْرَمُ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِوَرَثَةِ الْمُوصِي ، وَلَا يَسْرِي الْعِتْقُ مِنَ الْحَمْلِ إِلَى الْأُمِّ ; لِأَنَّ الْحَمْلَ تَبَعٌ لَهَا ، وَلَيْسَتْ تَبَعًا لَهُ .
قُلْتُ : وَفِيهِ وَجْهُ أَبِي إِسْحَاقَ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِنْ قَبِلَ الِابْنُ وَحْدَهُ ، عَتَقَا عَلَيْهِ [ جَمِيعًا ] ، وَغَرِمَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِوَرَثَةِ الْمُوصِي .
قُلْتُ : قَدْ كَرَّرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ نِصْفَ الْقِيمَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُ .
وَالْقِيَاسُ : أَنَّهُ يَجِبُ قِيمَةُ النِّصْفِ ، وَهِيَ أَقَلُّ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتْلَفَ نِصْفًا .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْخَامِسَةُ : أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، [ كَأَبِيهِ وَابْنِهِ ] ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ ، كَمَا لَا يَجِبُ شِرَاؤُهُ [ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ ] ، بَلْ لَهُ الرَّدُّ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَقِيلَ : يُمْنَعُ الرَّدُّ إِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَطَعُ الْمُتَوَلِّي تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبُولِهِ .
ثُمَّ إِنْ رَدَّ فَذَاكَ ، وَإِنْ قَبِلَ وَقُلْنَا : يَمْلِكُ بِالْقَبُولِ ، عَتَقَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ .
وَإِنْ قُلْنَا : بِالْمَوْتِ ، أَوْ مَوْقُوفٌ ، تَبَيَّنَ أَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْمَوْتِ .
وَلَوْ مَلَكَ ابْنَ أَخِيهِ ، وَأَوْصَى بِهِ لِأَجْنَبِيٍّ ، وَوَارِثُهُ أَخُوهُ ، فَقَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ، فَهُوَ لِلْأَجْنَبِيِّ إِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْمَوْتِ أَوْ مَوْقُوفٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ ، وَأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبُولِ لِلْوَارِثِ ، فَمُقْتَضَاهُ الْعِتْقُ عَلَى الْوَارِثِ يَوْمَ الْمَوْتِ ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَيْ لَا تَبْطُلَ الْوَصِيَّةُ .
وَلَوْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِابْنِهِ ، وَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ ، فَأَوْجُهٌ .
أَحَدُهَا : أَنَّ الرَّدَّ يُمْنَعُ ، لِعِتْقِهِ عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ إِذَا قُلْنَا : يَمْلِكُ بِهِ .
وَالثَّانِي : لَيْسَ لِلْوَارِثِ قَبُولُهُ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْعِتْقِ عَلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَإِثْبَاتِ 147 الْوَلَاءِ لَهُ .
هَذَا إِذَا قُلْنَا : إِنَّ الْعِتْقَ إِذَا حَصَلَ وَقَعَ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَسَنَذْكُرُ الْخِلَافَ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ ضَعِيفَانِ جِدًّا .
وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ : أَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الرَّدِّ وَالْقَبُولِ ؛ لِنِيَابَتِهِ عَنْهُ فِي حُقُوقِهِ .
فَإِنْ قَبِلَ ، فَهُوَ كَقَبُولِ الْمُوصَى لَهُ بِنَفْسِهِ إِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْمَوْتِ ، أَوْ مَوْقُوفٌ .
وَإِنْ قُلْنَا : يُمْلَكُ بِالْقَبُولِ ، نُظِرَ .
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمُوصَى بِهِ ، وَوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ قَرَابَةٌ تَقْتَضِي عِتْقَهُ عَلَيْهِ ، بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ أَخَا الْمُوصَى لَهُ ، فَهَلْ نَحْكُمُ بِعِتْقِهِ ؟ وَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا : لَا ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَآخَرُونَ .
وَأَصَحُّهُمَا : نَعَمْ ; لِأَنَّ الْمُوصِيَ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْمِلْكَ لِلْمُوصَى لَهُ فَلَا يَثْبُتُ لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا قَبُولَ وَارِثِهِ نِيَابَةً ، وَهَذَا كَمَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فِي حَيَاتِهِ وَتَعَلَّقَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ .
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْمُوصَى بِهِ وَوَارِثِ الْمُوصَى لَهُ قَرَابَةٌ تَقْتَضِي الْعِتْقَ ، بِأَنْ كَانَ الْوَارِثُ أَبَا الْمُوصَى لَهُ ، حُكِمَ بِعِتْقِ الْمُوصَى بِهِ قَطْعًا .
وَيَعُودُ الْوَجْهَانِ ، فِي أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ ، أَمْ عَلَى وَارِثِهِ ؟ وَأَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ يَثْبُتُ ؟ فَإِنْ قُلْنَا : عَنِ الْمُوصَى لَهُ ، قَالَ الْإِمَامُ : يُسْنَدُ الْعِتْقُ إِلَى أَلْطَفِ زَمَانٍ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصَى لَهُ .
وَإِذَا لَمْ نَحْكُمُ بِالْعِتْقِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ ، فَهَلْ تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُ الْمُوصَى لَهُ ؟ وَجْهَانِ .
أَصَحُّهُمَا : نَعَمْ كَدِيَتِهِ فَإِنَّهُ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهَا تَثْبُتُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً .
هَذَا حُكْمُ الْعِتْقِ .
وَهَلْ يَرِثُ الَّذِي عَتَقَ مِنَ الْمُوصِي ؟ أَمَّا إِذَا قَبِلَ بِنَفْسِهِ ، فَيُنْظَرُ ، إِنْ قَبِلَ فِي صِحَّتِهِ ، فَنَعَمْ .
وَإِنْ قَبِلَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَإِرْثُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عِتْقَهُ إِذَا حَصَلَ الْمِلْكُ فِيهِ لَا بِعِوَضٍ ، بَلْ بِإِرْثٍ ، أَوْ هِبَةٍ ، أَوْ قَبُولِ وَصِيَّةٍ ، هَلْ يُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ ، أَمْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ .
إِنْ قُلْنَا : مِنَ الثُّلُثِ ، لَمْ يَرِثْهُ ، وَإِلَّا ، وَرَثَ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ .
وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ ، وَقَبِلَ وَارِثُهُ ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِالْحُرِّيَّةِ عِنْدَ الْقَبُولِ ، 148 لَمْ يَرِثْ ، لِرِقِّهِ .
وَإِنْ حَكَمْنَا بِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَابِلُ مِمَّنْ يَحْجُبُهُ الْمُوصَى بِهِ كَالْأَخِ ، لَمْ يَرِثْ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَرِثَ لَحَجَبَ الْأَخَ وَأَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ وَارِثًا ، وَلَبَطَلَ قَبُولُهُ .
وَإِنْ كَانَ لَا يُحْجِبُهُ ، كَابْنِ الْأَخِ ، فَالصَّحِيحُ : أَنَّهُ لَا يَرِثُ أَيْضًا ، لِلدَّوْرِ فِي نِصْفِهِ .
وَقِيلَ : يَرِثُ .
وَقَالَ الدَّارِكِيُّ : إِنْ ثَبَتَ الْقَبُولُ لِلْمُوصَى لَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ ، لَمْ يَرِثْ ; لِأَنَّ قَبُولَ وَرَثَتِهِ كَقَبُولِهِ ، وَلَوْ قَبِلَ لَكَانَ وَصِيَّةً ، وَالْإِرْثُ لَا يُجَامِعُهَا .
فَرْعٌ : أَوْصَى لَهُ بِمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، فَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ عَنِ ابْنَيْنِ ، فَالْقَوْلُ فِي قَبُولِهِمَا تَفْرِيعًا عَلَى الْأَقْوَالِ فِي وَقْتِ الْمِلْكِ كَمَا سَبَقَ .
وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ وَوُقُوعُ الْعِتْقِ عَنِ الْمَيِّتِ .
وَإِنْ قَبِلَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ ، صَحَّ الْقَبُولُ فِي النِّصْفِ ، وَعَتَقَ عَلَى الْمَيِّتِ .
ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَآخَرُونَ : يُنْظَرُ ، إِنْ وَرِثَ الْقَابِلُ مِنَ الْمُوصَى لَهُ مَا يَفِي بِبَاقِي قِيمَةِ الْمُوصَى بِهِ ، قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي فِيمَا وَرِثَهُ ، وَإِلَّا فَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ، وَلَا اعْتِبَارَ بِيَسَارِ الْقَابِلِ فِي نَفْسٍ ، وَلَا يَثْبُتُ التَّقْوِيمُ فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَقْبَلْ مِنَ التَّرِكَةِ .
أَمَّا عَدَمُ اعْتِبَارِ يَسَارِهِ ، فَلِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ عَنِ الْمَيِّتِ ، فَلَا يَكُونُ التَّقْوِيمُ عَلَى غَيْرِهِ .
وَأَمَّا عَدَمُ ثُبُوتِهِ فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَقْبَلْ ، فَلِأَنَّ سَبَبَ الْعِتْقِ الْقَبُولُ ، فَالَّذِي لَمْ يَقْبِلْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ .
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : وَإِنْ لَمْ يُنْسَبْ إِلَيْهِ ، فَهُوَ مُعْتَرِفٌ بِعِتْقِ نَصِيبِ الْقَابِلِ وَاقْتِضَائِهِ التَّقْوِيمَ ، فَالتَّقْوِيمُ كَدَيْنٍ يَلْحَقُ التَّرِكَةَ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ : يَجِبُ أَنْ لَا يُقَوَّمَ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَيُقْصَرُ الْعِتْقُ عَلَى الْقَدْرِ الْمَقْبُولِ لِمَعْنَيَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ لِلْمَيِّتِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، بَلْ بِقَبُولِ الْوَارِثِ ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا وَرِثَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ فَعَتَقَ عَلَيْهِ ، لَا يُقَوَّمُ الْبَاقِي .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْعِتْقَ يَحْصُلُ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا مَالَ لَهُ حِينَئِذٍ ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا أَعْتَقَ شِقْصًا بَعْدَ الْمَوْتِ ، لَا يُقَوَّمُ الْبَاقِي .
قَالَ : وَرَأَيْتُ 149 هَذَا لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ ، وَلِلْأَوَّلِينَ أَنْ يَقُولُوا : إِنَّمَا حَكَمْنَا بِالْعِتْقِ عَلَى الْمَيِّتِ لِجَعْلِنَا الْوَارِثَ نَائِبًا عَنْهُ ، فَكَيْفَ يَنْتَفِي اخْتِيَارُهُ مَعَ النِّيَابَةِ ؟ لَكِنَّهُمَا حُكْمِيَّانِ .
وَأَمَّا الثَّانِي : فَلَا يُسَلَّمُ أَنَّ الْعِتْقَ يَحْصُلُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، بَلْ يَسْتَنِدُ إِلَى قُبَيْلِ الْمَوْتِ كَمَا سَبَقَ .
ثُمَّ وَلَاءُ مَا عَتَقَ مِنْهُ لِلْمَيِّتِ .
وَهَلْ يَشْتَرِكُ فِيهِ الِابْنَانِ ، أَمْ يَنْفَرِدُ بِهِ الْقَابِلُ ؟ وَجْهَانِ .
وَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِبَعْضِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ ، وَمَاتَ الْمُوصَى لَهُ ، وَقَبِلَ وَارِثُهُ ، فَالْقَوْلُ فِي عِتْقِهِ عَلَى الْمَيِّتِ وَتَقْوِيمُ الْبَاقِي عَلَيْهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث