روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء التاسع
الصفحة 1731 · ص. المطبوع 157
فَصْلٌ
فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِيهِ ، وَفِيهِ مَسَائِلٌ .
إِحْدَاهَا : يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُعَاهَدِ وَبِالْعَكْسِ ، كَمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدِّيَةِ ، وَفِي الْأَوَّلِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ ، وَلَوْ أَسَرَ الْإِمَامُ حَرْبِيًّا بَالِغًا ، فَقَتَلَهُ ذِمِّيٌّ قَبْلَ أَنْ يَرَى الْإِمَامُ إِرْقَاقَهُ أَوْ غَيْرَهُ ، فَلَا قِصَاصَ ، لِأَنَّهُ عَلَى حُكْمِهِ الَّذِي كَانَ حَتَّى يَرِقَّهُ الْإِمَامُ .
الثَّانِيَةُ : يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ ، وَبِالْخُنْثَى ، وَبِالْعَكْسِ ، كَمَا يُقْتَلُ الْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ ، وَالشَّرِيفُ بِالْخَسِيسِ ، وَالشَّيْخُ بِالصَّبِيِّ ، وَالشَّابِّ وَبِالْعَكْسِ .
فَرْعٌ .
فِيمَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَاهُ وَشُفْرَاهُ . وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْعُضْوَ الْأَصْلِيَّ لَا يُقْطَعُ بِزَائِدٍ ، وَيُقْطَعُ الزَّائِدُ بِالزَّائِدِ إِذَا اتَّحَدَ الْمَحَلُّ ، وَسَنَذْكُرُ الْأَصْلَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَإِذَا قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ ثُمَّ إِنْ صَبَرَ الْمَقْطُوعُ إِلَى التَّبَيُّنِ فَذَاكَ .
فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا اقْتَصَّ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، وَأَخَذَ حُكُومَةَ الشُّفْرَيْنِ ، وَإِنْ بَانَ أُنْثَى ، فَلَا قِصَاصَ ، وَلَهُ دِيَةُ الشُّفْرَيْنِ ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ ، نُظِرَ ، إِنْ قَالَ : عَفَوْتُ عَنِ الْقِصَاصِ ، وَطَلَبَ حَقَّهُ مِنَ الْمَالِ ، أُعْطِي الْمُسْتَيْقِنُ ، وَهُوَ دِيَةُ الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، ثُمَّ إِنْ بَانَ أُنْثَى ، فَمَعَهُ حَقُّهُ ، وَإِنْ بَانَ ذَكَرًا ، فَلَهُ مِائَتَانِ مِنَ الْإِبِلِ عَنِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، وَلَهُ حُكُومَةُ الشُّفْرَيْنِ فَيُحْسَبُ مَا كَانَ مَعَهُ وَيُعْطَى الْبَاقِي .
وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا أَنَّهُ 157 إِنَّمَا يُعْطَى فِي الِابْتِدَاءِ حُكُومَةُ كُلُّ عُضْوٍ ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ فِي ذَلِكَ الْعُضْوِ ، فَلَا نُوجِبُ دِيَةَ الشُّفْرَيْنِ ، قَالَ : وَهَذَا ضَعِيفٌ ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ مُتَيَقَّنٌ ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ جِهَتُهُ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِذَا تَعَدَّدَ الْجَانِي ، فَقَطَعَ قَاطِعٌ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ ، وَآخَرُ شُفْرَيْهِ ، وَعَفَا عَنِ الْقِصَاصَ ، فَلَا نُوجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إِلَّا حُكُومَةَ مَا قَطَعَهُ .
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْفُ عَنِ الْقِصَاصِ وَطَلَبَ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَعَ الْقِصَاصِ ، فَوَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا : لَا نُعْطِي شَيْئًا ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْقَفَّالُ ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا الْوَاجِبُ ، وَأَصَحُّهَا : يُعْطَى الْمُسْتَيْقَنُ مَعَ الْقِصَاصِ .
وَفِي قَدْرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، أَحَدُهَا : أَقَلُّ الْحُكُومَتَيْنِ مِنْ حُكُومَةِ الشُّفْرَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الذُّكُورَةِ ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الْأُنُوثَةِ .
وَالثَّانِي : حُكُومَةُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ آخِرًا ، لِأَنَّهُ قَطَعُهُ وَالدَّمُ سَائِلٌ مِنَ الْأَوَّلِ ، فَحُكُومَتُهُ أَقَلُّ ، وَأَصَحُّهُمَا : يُعْطَى أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حُكُومَةِ الشُّفْرَيْنِ بِتَقْدِيرِ الذُّكُورَةِ ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعَ دِيَةِ الشُّفْرَيْنِ .
أَمَّا إِذَا قَطَعَتِ امْرَأَةٌ ذَكَرَ الْخُنْثَى وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ ، فَإِنْ صَبَرَ إِلَى التَّبَيُّنِ ، تَوَقَّفْنَا كَمَا فِي الرَّجُلِ ، فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا ، فَلَهُ دِيَتَانِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَحُكُومَةُ الشُّفْرَيْنِ ، وَإِنْ بَانَ أُنْثَى ، فَلَهَا حُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالْقِصَاصُ فِي الشُّفْرَيْنِ ، إِنْ أَجْرَيْنَا فِيهِمَا الْقِصَاصَ ، وَإِلَّا فَلَهَا دِيَتُهُمَا أَيْضًا .
وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ هَلْ يَجْرِي فِي الشُّفْرَيْنِ ؟ إِنْ قُلْنَا : نَعَمْ ، قِيسَتِ الصُّورَةُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الرَّجُلِ ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ ، سَلَّمَ إِلَيْهِ دِيَةَ الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ .
وَإِنْ لَمْ يَعْفُ ، فَفِي وَجْهٍ ، لَا يُعْطَى شَيْئًا ، وَفِي وَجْهٍ ، يُعْطَى أَقَلَّ الْحُكُومَتَيْنِ ، وَفِي وَجْهٍ ، حُكُومَةَ الْمَقْطُوعِ آخِرًا ، وَفِي وَجْهٍ ، حُكُومَةَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ لِيُوقِعَ الْقِصَاصَ فِي الشُّفْرَيْنِ .
وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِيهِمَا ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَجْرَيْنَاهُ ، فَعَفَا ، وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ ، وَامْرَأَةٌ شُفْرَيْهِ ، وَلَمْ يَعْفُ ، لَمْ يُطَالَبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا 158 بِمَالٍ لِتَوَقُّعِ الْقِصَاصِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَاءً عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الشُّفْرَيْنِ .
فَإِنْ مَنَعَ ، فَلَا يُوقِعُ فِيهِمَا ، فَتَجِبُ حُكُومَتُهُمَا عَلَى الْمَرْأَةِ ، وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ شُفْرَيْهِ ، وَامْرَأَةٌ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ ، فَلَا مَجَالَ لِلْقِصَاصِ ، فَيُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحُكُومَةِ مَا قَطَعَ .
وَلَوْ قَطَعَ مُشْكِلٌ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ مُشْكِلٍ ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ بَانَا ذَكَرَيْنِ ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ ، قُطِعَ الْأَصْلِيُّ بِالْأَصْلِيِّ ، وَالزَّائِدُ بِالزَّائِدِ إِنْ تَسَاوَى الزَّائِدَانِ ، وَإِلَّا فَفِي الزَّائِدِ الْحُكُومَةُ .
وَإِنْ بَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ ، وَلَوْ عَفَا الْمَقْطُوعُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ ، دَفَعَ إِلَيْهِ الْمُتَيَقَّنُ ، وَهُوَ دِيَةُ الشُّفْرَيْنِ ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْفُ ، فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ : أَنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الْحُكُومَتَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُتَوَقَّعٌ فِي الْجَمِيعِ .
وَبَيَانُ حَالِ الْخُنْثَى قَدْ يَكُونُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَلَامَاتِ الْحِسِّيَّةِ ، كَالْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ وَنَحْوِهِمَا ، فَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا ، وَقَدْ يَكُونُ بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِ وَإِخْبَارِهِ عَنْ مَيْلِهِ إِلَى الرِّجَالِ أَوِ النِّسَاءِ ، فَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ ، ثُمَّ جُنِيَ عَلَيْهِ ، اعْتَمَدْنَا قَوْلَهُ .
فَإِذَا قَالَ : أَنَا رَجُلٌ ، ثُمَّ قَطَعَهُ رَجُلٌ ، أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ ، وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا رَجُلٌ ، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِإِيجَابِ الْقِصَاصِ وَلِإِيجَابِ دِيَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، كَمَا قَبْلَ الْجِنَايَةَ ، وَأَصَحُّهُمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَالْإِمَامُ : الْمَنْعُ ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ ، وَشَبَّهُوا بِمَا إِذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، ثُمَّ أَكَلَ ، لَا يُعَزَّرُ ، وَلَوْ أَكَلَ ثُمَّ شَهِدَ ، عُزِّرَ لِلتُّهْمَةِ ، وَبِمَا لَوْ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَنَّهُ غُصِبَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنْ كُنْتُ غُصِبْتُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ، يَقَعُ الطَّلَاقُ .
وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا : إِنْ غُصِبْتُ فَهِيَ طَالِقٌ ، فَشَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِغَصْبِهِ ، لَا تُطَلَّقُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْمَقْطُوعُ ، فَقَالَ الْجَانِي : أَقْرَرْتُ بِأَنَّكَ امْرَأَةٌ ، فَلَا قِصَاصَ لَكَ ، وَقَالَ : بَلْ قُلْتَ : إِنِّي رَجُلٌ ، فَقَوْلَانِ وَأَظْهَرُهُمَا : الْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي ، لِأَنَّ 159 الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنَ الْقِصَاصِ ، وَهَذَا نَصُّهُ فِي مَوَاضِعَ ، وَالثَّانِي : قَوْلُ الْمَقْطُوعِ ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِحَالِهِ .
فَرْعٌ .
لَوْ قَطَعَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ذَكَرَ رَجُلٍ وَأُنْثَيَيْهِ ، وُقِفَ ، فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا ، اقْتَصَّ مِنْهُ ، وَإِنْ بَانَ أُنْثَى ، فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ وَلَا قِصَاصَ ، فَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ مَالًا قَبْلَ التَّبَيُّنِ وَلَمْ يَعْفُ ، لَمْ يُعْطَ ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُتَوَقَّعٌ .
فَرْعٌ .
لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْخُنْثَى ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ ، فَلَوْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا الْيَقِينُ ، وَهُوَ نِصْفُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ ، وَكَذَا لَوْ قُتِلَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا دِيَةُ امْرَأَةٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث