روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الحادي عشر
الصفحة 2086 · ص. المطبوع 153
فَصْلٌ
حُكْمُ الْقَاضِي ضَرْبَانِ ، أَحَدُهُمَا : مِمَّا لَيْسَ بِإِنْشَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَنْفِيذٌ لِمَا قَامَتْ بِهِ حُجَّةٌ ، فَيُنَفَّذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا ، فَلَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ زُورٍ بِظَاهِرَيِ الْعَدَالَةِ ، لَمْ يَحْصُلْ بِحُكْمِهِ الْحِلُّ بَاطِنًا ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ 153 مَالًا أَوْ نِكَاحًا أَوْ غَيْرَهُمَا ، فَإِنْ كَانَ نِكَاحًا ، لَمْ يَحِلَّ لِلْمَحْكُومِ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ ، وَيَلْزَمُهَا الْهَرَبُ وَالِامْتِنَاعُ مَا أَمْكَنَهَا ، فَإِنْ أُكْرِهَتْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهَا ، فَإِنْ وَطِئَ ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : هُوَ زَانٍ وَيُحَدُّ ، وَخَالَفَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّويَانِيُّ ؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَجْعَلُهَا مَنْكُوحَةً بِالْحُكْمِ ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ لِلْخِلَافِ فِي الْإِبَاحَةِ ، وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ الطَّلَاقَ ، حُلَّ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا إِنَّ تَمَكَّنَ ، لَكِنْ يُكْرَهُ ؛ لِأَنَّهُ يُعَرِّضُ نَفْسَهُ لِلتُّهْمَةِ وَالْحَدِّ وَيَبْقَى التَّوَارُثُ بَيْنَهُمَا ، وَلَا تَبْقَى النَّفَقَةُ لِلْحَيْلُولَةِ ، وَلَوْ تَزَوَّجَتِ الْآخَرَ ، فَالْحِلُّ مُسْتَمِرٌّ لِلْأَوَّلِ ، فَإِنْ وَطِئَهَا الثَّانِي جَاهِلًا بِالْحَالِ ، فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةٍ ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْعِدَّةِ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي عَالِمًا ، أَوْ نَكَحَهَا أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ وَوَطِئَ ، فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُحَدُّ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْعِدَّةِ ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ وَطْءُ شُبْهَةٍ لِمَا سَبَقَ .
الضَّرْبُ الثَّانِي : الْإِنْشَاءَاتُ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَفَسْخِ النِّكَاحِ بِالْعَيْبِ ، وَالتَّسْلِيطِ عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنْ تَرَتَّبَتْ عَلَى أَصْلٍ كَاذِبٍ ، بِأَنْ فُسِخَ بِعَيْبٍ قَامَتْ بِشَهَادَةِ زُورٍ ، فَهُوَ كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ تَرَتَّبَتْ عَلَى أَصْلٍ صَادِقٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَحَلِّ اخْتِلَافِ الْمُجْتَهِدِينَ ، نُفِّذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ ، نُفِّذَ ظَاهِرًا ، وَفِي الْبَاطِنِ أَوْجُهٌ ، أَصَحُّهَا عِنْدَ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمُ الْبَغَوِيُّ ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ : النُّفُوذُ مُطْلَقًا لِتَتَّفِقَ الْكَلِمَةُ ، وَيَتِمَّ الِانْتِفَاعُ ، وَالثَّانِي : الْمَنْعُ ، وَبِهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ . وَالثَّالِثُ : إِنِ اعْتَقَدَهُ الْخَصْمُ أَيْضًا ، نُفِّذَ بَاطِنًا ، وَإِلَّا فَلَا ، هَذِهِ الْأَوْجُهُ تُشْبِهُ الْأَوْجُهَ فِي اقْتِدَاءِ الشَّافِعِيِّ بِالْحَنَفِيِّ وَعَكْسِهِ ، فَإِنْ مَنَعْنَا النُّفُوذَ بَاطِنًا مُطْلَقًا ، أَوْ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ 154 لَمْ يَحِلَّ لِلشَّافِعِيِّ الْأَخْذُ بِحُكْمِ الْحَنَفِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ ، أَوْ بِالتَّوْرِيثِ بِالرَّحِمِ إِذَا لَمْ نَقُلْ بِهِ نَحْنُ ، وَعَلَى هَذَا هَلْ يَمْنَعُهُ الْقَاضِي لِاعْتِقَادِ الْمَحْكُومِ لَهُ أَمْ لَا ، لِاعْتِقَادِ نَفْسِهِ ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي . وَمَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ ، فَقَدْ يَقُولُ لَا يُنَفَّذُ الْقَضَاءُ فِي حَقِّهِ لَا ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا .
فَرْعٌ
هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بِمَا لَا يَعْتَقِدُهُ كَشَافِعِيٍّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ ؟ وَجْهَانِ فِي " التَّهْذِيبِ " .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ الْقَبُولُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
قَالَ لِلْقَاضِي رَجُلَانِ : كَانَتْ بَيْنَنَا خُصُومَةٌ فِي كَذَا ، فَحَكَمَ الْقَاضِي فُلَانٌ بَيْنَنَا بِكَذَا ، وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ تَسْتَأْنِفَ الْحُكْمَ بَيْنَنَا بِاجْتِهَادِكَ ، وَنَرْضَى بِحُكْمِكَ ، فَهَلْ يُجِيبُهُمَا أَمْ يَتَعَيَّنُ إِمْضَاءُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ ؟ وَجْهَانِ ، حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ ، الصَّحِيحُ الثَّانِي .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث