روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الحادي عشر
156 الطَّرَفُ الثَّانِي فِي مُسْتَنَدِ قَضَائِهِ ، وَفِيهِ مَسَائِلُ ، إِحْدَاهَا : يَقْضِي بِالْحُجَّةِ بِلَا شَكٍّ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةٌ ، وَعَلِمَ صِدْقَ الْمُدَّعِي ، فَهَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ ؟ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ قَطْعًا ، وَأَشْهَرُهُمَا قَوْلَانِ ، أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ : نَعَمْ ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ ، وَهُوَ يُفِيدُ ظَنًّا ، فَالْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ أَوْلَى ، وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُ مِنَ التُّهْمَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَالَ : ثَبَتَ عِنْدِي وَصَحَّ [ لَدَيَّ ] كَذَا ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَمْ يَبْحَثْ عَمَّا ثَبَتَ بِهِ وَصَحَّ ، وَالتُّهْمَةُ قَائِمَةٌ ، وَسَوَاءٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَا عَلِمَهُ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ وَمَكَانِهَا ، وَمَا عَلِمَهُ فِي غَيْرِهِمَا ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، فَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ ، أَمَّا إِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُمَا ، فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ وَيُغْنِيهِ عِلْمُهُ بِهَا عَنْ تَزْكِيَتِهِمَا ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لِلتُّهْمَةِ .
وَلَوْ أَقَرَّ بِالْمُدَّعَى فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ . قَضَى ، وَذَلِكَ قَضَاءٌ بِإِقْرَارٍ لَا بِعِلْمِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ سِرًّا ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَقِيلَ : يَقْضِي قَطْعًا . وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ ، فَهَلْ يُغْنِيهِ عِلْمُهُ عَنِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ عَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : لَا . وَإِذَا قُلْنَا : يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، فَذَلِكَ فِي الْمَالِ قَطْعًا وَكَذَا فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ : قَوْلَانِ ، وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِلَا خِلَافٍ ، بَلْ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَبْرَأَهُ عَمَّا ادَّعَاهُ ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً ، أَوْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَبْلَهُ حَيٌّ ، أَوْ رَآهُ قَبْلَهُ غَيْرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ سَمِعَ مُدَّعِي الرِّقِّ بِعِتْقِهِ ، وَمُدَّعِي النِّكَاحِ يُطَلِّقُهَا ثَلَاثًا ، وَتَحَقَّقَ كَذِبَ الشُّهُودِ ، امْتَنَعَ مِنَ الْقَضَاءِ قَطْعًا . وَكَذَا إِذَا عَلِمَ فِسْقَ الشُّهُودِ ، ثُمَّ إِنَّ الْأَصْحَابَ مَثَّلُوا الْقَضَاءَ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا وَقَدْ رَآهُ الْقَاضِي أَقْرَضَهُ ذَلِكَ ، أَوْ سَمِعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِذَلِكَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ 157 رُؤْيَةَ الْإِقْرَاضِ ، وَسَمَاعَ الْإِقْرَارِ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ بِثُبُوتِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَقْتَ الْقَضَاءِ ، فَيَدُلُّ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْعِلْمِ الظَّنَّ الْمُؤَكَّدَ لَا الْيَقِينَ . الثَّانِيَةُ : إِذَا رَأَى الْقَاضِي وَرَقَةً فِيهَا ذِكْرُ حُكْمِهِ لِرَجُلٍ ، وَطَلَبَ مِنْهُ إِمْضَاءَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ ، نُظِرَ إِنْ تَذَكَّرَهُ أَمْضَاهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَفِي أَمَالِي أَبِي الْفَرَجِ الرَّزَّازِ إِنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ ، لَمْ يَعْتَمِدْهُ قَطْعًا لِإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ ، وَكَذَا الشَّاهِدُ لَا يَشْهَدُ بِمَضْمُونِ خَطِّهِ إِذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ ، فَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ مَحْفُوظًا عِنْدَهُ ، وَبَعْدَ احْتِمَالِ التَّزْوِيرِ وَالتَّحْرِيفِ ، كَالْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ الَّذِي يَحْتَاطُ فِيهِ الْقَاضِي عَلَى مَا سَبَقَ ، فَالصَّحِيحُ وَالْمَنْصُوصُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهِ أَيْضًا مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ ، لِاحْتِمَالِ التَّحْرِيفِ ، وَكَذَا الشَّاهِدُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَشْهَدُ ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَتَدَاخَلْهُ رِيبَةٌ .
وَفِي جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ اعْتِمَادًا عَلَى الْخَطِّ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : الْمَنْعُ ، وَلَا تَكْفِيهِ رِوَايَةُ السَّمَاعِ بِخَطِّهِ أَوْ خَطِّ ثِقَةٍ ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ ، لِعَمَلِ الْعُلَمَاءِ بِهِ سَلَفًا وَخَلَفًا ، وَبَابُ الرِّوَايَةِ عَلَى التَّوْسِعَةِ ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ شَيْخٌ بِالْإِجَازَةِ ، وَعَرَفَ خَطَّهُ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ تَفْرِيعًا عَلَى اعْتِمَادِ الْخَطِّ ، فَيَقُولُ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ كِتَابَةً ، أَوْ فِي كِتَابَةٍ ، أَوْ كَتَبَ إِلَيَّ وَهَذَا عَلَى تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَمَنَعَهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ .
قُلْتُ : وَقَدْ مَنَعَهَا أَيْضًا الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " وَنَقَلَ هُوَ مَنْعَهَا عَنِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَكِنْ أَظْهَرُ قَوْلَيْهِ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ صِحَّةُ الْإِجَازَةِ ، وَجَوَازُ الرِّوَايَةِ بِهَا ، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا . ثُمَّ هِيَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ قَدْ لَخَّصْتُهَا بِفُرُوعِهَا وَأَمْثِلَتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي " الْإِرْشَادِ " فِي مُخْتَصَرِ عُلُومِ الْحَدِيثِ ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا هُنَا رُمُوزًا إِلَى مَقَاصِدِهَا تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ ، 158 وَهُوَ جَوَازُهَا . الْأَوَّلُ : إِجَازَةُ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ ، كَأَجَزْتُكَ رِوَايَةَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، أَوْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي وَهَذِهِ أَعْلَى أَنْوَاعِهَا .
الثَّانِي : إِجَازَةُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ ، كَأَجَزْتُكَ مَسْمُوعَاتِي أَوْ مَرْوِيَّاتِي وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ ، فَتَصِحُّ الرِّوَايَةُ بِهِ ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا ، وَقِيلَ بِمَنْعِهِ مَعَ قَبُولِ الْأَوَّلِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يُجِيزَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ ، كَأَجَزْتُ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ كُلَّ أَحَدٍ أَوْ مَنْ أَدْرَكَ زَمَانِي وَنَحْوَهُ ، فَالْأَصَحُّ أَيْضًا جَوَازُهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَصَاحِبُهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ .
وَنَقَلَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الَّذِينَ أَدْرَكُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَى جَوَازِهَا .
الرَّابِعُ : إِجَازَةُ مَجْهُولٍ أَوْ لِمَجْهُولٍ ، كَأَجَزْتُكَ كِتَابَ السُّنَنِ وَهُوَ يَرْوِي كُتُبًا مِنَ السُّنَنِ ، أَوْ أَجْزْتُ لِزَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ كَذَلِكَ ، فَهَذِهِ بَاطِلَةٌ . فَإِنْ أَجَازَ لِمُسَمَّيْنَ مُعَيَّنِينَ لَا يَعْرِفُ أَعْيَانَهُمْ وَلَا أَنْسَابَهُمْ وَلَا عَدَدَهُمْ ، صَحَّتْ ، كَمَا لَوْ سَمِعُوا مِنْهُ فِي مَجْلِسِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ .
الْخَامِسُ : الْإِجَازَةُ لِمَعْدُومٍ ، كَأَجَزْتُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ أَوْ لِفُلَانٍ ، وَمَنْ يُولَدُ لَهُ ، فَالصَّحِيحُ بُطْلَانُهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ ، وَجَوَّزَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ . وَالْإِجَازَةُ لِلطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنْ شُيُوخِهِ كَافَّةً .
السَّادِسُ : إِجَازَةُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجِيزُ ، وَلَمْ يَتَحَمَّلْهُ بِوَجْهٍ لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لَهُ إِذَا تَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ قَطْعًا .
السَّابِعُ : إِجَازَةُ الْمَجَازِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْحِفَاظُ الْأَعْلَامُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، مِنْهُمِ الدَّارَقُطْنِيُّ 159 وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ ، وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا . وَإِذَا كَتَبَ الْإِجَازَةَ ، اسْتَحَبَّ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَا ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ مَعَ قَصْدِ الْإِجَازَةِ ، صَحَّتْ كَالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ مَعَ سُكُوتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ أَقَرَّ بِالْمُدَّعَى فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ . قَضَى ، وَذَلِكَ قَضَاءٌ بِإِقْرَارٍ لَا بِعِلْمِهِ ، وَإِنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ سِرًّا ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَقِيلَ : يَقْضِي قَطْعًا . وَلَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ وَاحِدٌ ، فَهَلْ يُغْنِيهِ عِلْمُهُ عَنِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ عَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : لَا . وَإِذَا قُلْنَا : يَقْضِي بِعِلْمِهِ ، فَذَلِكَ فِي الْمَالِ قَطْعًا وَكَذَا فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَلَا يَجُوزُ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقِيلَ : قَوْلَانِ ، وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِلَا خِلَافٍ ، بَلْ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَبْرَأَهُ عَمَّا ادَّعَاهُ ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً ، أَوْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَبْلَهُ حَيٌّ ، أَوْ رَآهُ قَبْلَهُ غَيْرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، أَوْ سَمِعَ مُدَّعِي الرِّقِّ بِعِتْقِهِ ، وَمُدَّعِي النِّكَاحِ يُطَلِّقُهَا ثَلَاثًا ، وَتَحَقَّقَ كَذِبَ الشُّهُودِ ، امْتَنَعَ مِنَ الْقَضَاءِ قَطْعًا . وَكَذَا إِذَا عَلِمَ فِسْقَ الشُّهُودِ ، ثُمَّ إِنَّ الْأَصْحَابَ مَثَّلُوا الْقَضَاءَ بِالْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْقَوْلَيْنِ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ مَالًا وَقَدْ رَآهُ الْقَاضِي أَقْرَضَهُ ذَلِكَ ، أَوْ سَمِعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَقَرَّ بِذَلِكَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ 157 رُؤْيَةَ الْإِقْرَاضِ ، وَسَمَاعَ الْإِقْرَارِ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ بِثُبُوتِ الْمَحْكُومِ بِهِ وَقْتَ الْقَضَاءِ ، فَيَدُلُّ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْعِلْمِ الظَّنَّ الْمُؤَكَّدَ لَا الْيَقِينَ . الثَّانِيَةُ : إِذَا رَأَى الْقَاضِي وَرَقَةً فِيهَا ذِكْرُ حُكْمِهِ لِرَجُلٍ ، وَطَلَبَ مِنْهُ إِمْضَاءَهُ وَالْعَمَلَ بِهِ ، نُظِرَ إِنْ تَذَكَّرَهُ أَمْضَاهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، وَفِي أَمَالِي أَبِي الْفَرَجِ الرَّزَّازِ إِنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ ، لَمْ يَعْتَمِدْهُ قَطْعًا لِإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ ، وَكَذَا الشَّاهِدُ لَا يَشْهَدُ بِمَضْمُونِ خَطِّهِ إِذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ ، فَلَوْ كَانَ الْكِتَابُ مَحْفُوظًا عِنْدَهُ ، وَبَعْدَ احْتِمَالِ التَّزْوِيرِ وَالتَّحْرِيفِ ، كَالْمَحْضَرِ وَالسِّجِلِّ الَّذِي يَحْتَاطُ فِيهِ الْقَاضِي عَلَى مَا سَبَقَ ، فَالصَّحِيحُ وَالْمَنْصُوصُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهِ أَيْضًا مَا لَمْ يَتَذَكَّرْ ، لِاحْتِمَالِ التَّحْرِيفِ ، وَكَذَا الشَّاهِدُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَشْهَدُ ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَتَدَاخَلْهُ رِيبَةٌ .
وَفِي جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ اعْتِمَادًا عَلَى الْخَطِّ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ وَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : الْمَنْعُ ، وَلَا تَكْفِيهِ رِوَايَةُ السَّمَاعِ بِخَطِّهِ أَوْ خَطِّ ثِقَةٍ ، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ ، لِعَمَلِ الْعُلَمَاءِ بِهِ سَلَفًا وَخَلَفًا ، وَبَابُ الرِّوَايَةِ عَلَى التَّوْسِعَةِ ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ شَيْخٌ بِالْإِجَازَةِ ، وَعَرَفَ خَطَّهُ ، جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ تَفْرِيعًا عَلَى اعْتِمَادِ الْخَطِّ ، فَيَقُولُ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ كِتَابَةً ، أَوْ فِي كِتَابَةٍ ، أَوْ كَتَبَ إِلَيَّ وَهَذَا عَلَى تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَمَنَعَهَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ .
قُلْتُ : وَقَدْ مَنَعَهَا أَيْضًا الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " وَنَقَلَ هُوَ مَنْعَهَا عَنِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَلَكِنْ أَظْهَرُ قَوْلَيْهِ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ صِحَّةُ الْإِجَازَةِ ، وَجَوَازُ الرِّوَايَةِ بِهَا ، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا . ثُمَّ هِيَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ قَدْ لَخَّصْتُهَا بِفُرُوعِهَا وَأَمْثِلَتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا فِي " الْإِرْشَادِ " فِي مُخْتَصَرِ عُلُومِ الْحَدِيثِ ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهَا هُنَا رُمُوزًا إِلَى مَقَاصِدِهَا تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ ، 158 وَهُوَ جَوَازُهَا . الْأَوَّلُ : إِجَازَةُ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ ، كَأَجَزْتُكَ رِوَايَةَ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، أَوْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي وَهَذِهِ أَعْلَى أَنْوَاعِهَا .
الثَّانِي : إِجَازَةُ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ ، كَأَجَزْتُكَ مَسْمُوعَاتِي أَوْ مَرْوِيَّاتِي وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ ، فَتَصِحُّ الرِّوَايَةُ بِهِ ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا ، وَقِيلَ بِمَنْعِهِ مَعَ قَبُولِ الْأَوَّلِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يُجِيزَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ الْعُمُومِ ، كَأَجَزْتُ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ كُلَّ أَحَدٍ أَوْ مَنْ أَدْرَكَ زَمَانِي وَنَحْوَهُ ، فَالْأَصَحُّ أَيْضًا جَوَازُهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَصَاحِبُهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْحُفَّاظِ .
وَنَقَلَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ الْمُتَأَخِّرُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الَّذِينَ أَدْرَكُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَى جَوَازِهَا .
الرَّابِعُ : إِجَازَةُ مَجْهُولٍ أَوْ لِمَجْهُولٍ ، كَأَجَزْتُكَ كِتَابَ السُّنَنِ وَهُوَ يَرْوِي كُتُبًا مِنَ السُّنَنِ ، أَوْ أَجْزْتُ لِزَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهُنَاكَ جَمَاعَةٌ كَذَلِكَ ، فَهَذِهِ بَاطِلَةٌ . فَإِنْ أَجَازَ لِمُسَمَّيْنَ مُعَيَّنِينَ لَا يَعْرِفُ أَعْيَانَهُمْ وَلَا أَنْسَابَهُمْ وَلَا عَدَدَهُمْ ، صَحَّتْ ، كَمَا لَوْ سَمِعُوا مِنْهُ فِي مَجْلِسِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ .
الْخَامِسُ : الْإِجَازَةُ لِمَعْدُومٍ ، كَأَجَزْتُ لِمَنْ يُولَدُ لِفُلَانٍ أَوْ لِفُلَانٍ ، وَمَنْ يُولَدُ لَهُ ، فَالصَّحِيحُ بُطْلَانُهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ ، وَجَوَّزَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ . وَالْإِجَازَةُ لِلطِّفْلِ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ صَحِيحَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنْ شُيُوخِهِ كَافَّةً .
السَّادِسُ : إِجَازَةُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ الْمُجِيزُ ، وَلَمْ يَتَحَمَّلْهُ بِوَجْهٍ لِيَرْوِيَهُ الْمُجَازُ لَهُ إِذَا تَحَمَّلَهُ الْمُجِيزُ ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ قَطْعًا .
السَّابِعُ : إِجَازَةُ الْمَجَازِ وَهِيَ صَحِيحَةٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْحِفَاظُ الْأَعْلَامُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، مِنْهُمِ الدَّارَقُطْنِيُّ 159 وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ ، وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا . وَإِذَا كَتَبَ الْإِجَازَةَ ، اسْتَحَبَّ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِهَا ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْكِتَابَةِ مَعَ قَصْدِ الْإِجَازَةِ ، صَحَّتْ كَالْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ مَعَ سُكُوتِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث