روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الأول
page 21 · printed p. 57
فَصْلٌ
وَأَمَّا سُنَنُ الْوُضُوءِ ، فَكَثِيرَةٌ :
إِحْدَاهَا : السِّوَاكُ . وَهُوَ : سُنَّةٌ مُطْلَقًا ، وَلَا يُكْرَهُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ لِصَائِمٍ . وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ . وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي أَحْوَالٍ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ ، وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَعِنْدَ اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْفَمُ ، وَعِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ بِنَوْمٍ ، أَوْ طُولِ سُكُوتٍ ، أَوْ تَرْكِ أَكْلٍ ، أَوْ أَكَلَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَيَحْصُلُ السِّوَاكُ بِخِرْقَةٍ ، وَكُلِّ خَشِنٍ مُزِيلٍ ، لَكِنَّ الْعُودَ أَوْلَى ، وَالْأَرَاكُ مِنْهُ أَوْلَى ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ نُدِّيَ بِالْمَاءِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِأُصْبُعٍ خَشِنَةٍ عَلَى أَصَحِّ الْأَوْجُهِ . وَالثَّالِثُ : يَحْصُلُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُودِ ، وَنَحْوِهِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ عَرْضًا .
قُلْتُ : كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الِاسْتِيَاكَ طُولًا . وَلَنَا قَوْلٌ غَرِيبٌ : أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ 57 السِّوَاكُ لِصَائِمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ ، وَأَنْ يُعَوَّدَ الصَّبِيُّ السِّوَاكَ لِيَأْلَفَهُ . وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ السِّوَاكَ عَلَى سَقْفِ حَلْقِهِ إِمْرَارًا لَطِيفًا ، وَعَلَى كَرَاسِيِّ أَضْرَاسِهِ . وَيَنْوِيَ بِالسِّوَاكِ السُّنَّةَ .
وَيُسَنُّ السِّوَاكُ أَيْضًا عِنْدَ دُخُولِهِ بَيْتَهُ ، وَاسْتِيقَاظِهِ مِنْ نَوْمِهِ ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالثَّانِيَةُ : أَنْ يَقُولَ فِي ابْتِدَاءِ وَضَوْئِهِ : بِسْمِ اللَّهِ ، فَلَوْ نَسِيَهَا فِي الِابْتِدَاءِ ، أَتَى بِهَا مَتَى ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ ، كَمَا فِي الطَّعَامِ . فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا . فَهَلْ يُشْرَعُ التَّدَارُكُ ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ .
قُلْتُ : قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِيهِ احْتِمَالٌ عَجِيبٌ ، فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ يَتَدَارَكُ فِي الْعَمْدِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي ( الْمَجْمُوعِ ) وَالْجُرْجَانِيُّ فِي ( التَّحْرِيرِ ) وَغَيْرِهِمَا ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي ( شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا حَتَّى عِنْدَ الْجِمَاعِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
58 الثَّالِثَةُ : غَسْلُ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ . سَوَاءٌ قَامَ مِنَ النَّوْمِ وَشَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ وَأَرَادَ غَمَسَ يَدِهِ فِي الْإِنَاءِ ، أَمْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، لَكِنْ إِنْ أَرَادَ غَمْسَ يَدَيْهِ فِي إِنَاءٍ قَبْلَ غَسْلِهِمَا ، كُرِهَ إِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُمَا . فَإِنْ تَيَقَّنَهَا ، فَوَجْهَانِ . الْأَصَحُّ لَا يُكْرَهُ الْغَمْسُ .
قُلْتُ : وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ إِلَّا بِغَسْلِهِمَا ثَلَاثًا قَبْلَ الْغَمْسِ . نَصَّ عَلَيْهِ الْبُوَيْطِيُّ ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . وَقَالَ أَصْحَابُنَا : إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِنَاءٍ كَبِيرٍ ، أَوْ صَخْرَةٍ مُجَوَّفَةٍ ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصُبَّ مِنْهُ عَلَى يَدِهِ ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ ، اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ ، أَوْ أَخَذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ ، أَوْ طَرَفِ ثَوْبٍ نَظِيفٍ وَنَحْوِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الرَّابِعَةُ : الْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ ، ثُمَّ أَصْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِوُصُولِ الْمَاءِ إِلَى الْفَمِ ، وَالْأَنْفِ . سَوَاءً كَانَ بِغَرْفَةٍ ، أَوْ أَكْثَرَ . وَفِي الْأَفْضَلِ طَرِيقَانِ . الصَّحِيحُ : أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ : أَظْهَرُهُمَا : الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَفْضَلُ . وَالثَّانِي : الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : الْفَصْلُ أَفْضَلُ قَطْعًا . وَفِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : يَتَمَضْمَضُ مِنْ غَرْفَةٍ ثَلَاثًا ، وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ أُخْرَى ثَلَاثًا . وَالثَّانِي : بِسِتِّ غَرَفَاتٍ ، وَتَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ . وَقِيلَ : مُسْتَحَبٌّ . 59 وَفِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ وَجْهَانِ ، الْأَصَحُّ : بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ ، وَيَسْتَنْشِقُ . وَالثَّانِي : بِغَرْفَةٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا ، وَقِيلَ : بَلْ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مَرَّةً ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً .
قُلْتُ : الْمَذْهَبُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ ، أَنَّ الْجَمْعَ بِثَلَاثٍ أَفْضَلُ ، كَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةٌ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي ( شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْخَامِسَةُ : الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ ، فَيَبْلُغُ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَقْصَى الْحَنَكِ ، وَوَجْهَيِ الْأَسْنَانِ ، وَتَمُرُّ الْأُصْبُعُ عَلَيْهَا ، وَيَصْعَدُ مَاءُ الِاسْتِنْشَاقِ بِنَفْسِهِ إِلَى الْخَيْشُومِ مَعَ إِدْخَالِ الْإِصْبَعِ الْيُسْرَى ، وَإِزَالَةِ مَا هُنَاكَ مِنْ أَذًى . فَإِنْ كَانَ صَائِمًا لَمْ يُبَالِغْ فِيهِمَا .
قُلْتُ : وَلَوْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَلَمْ يُدِرْهُ ، حَصَلَتِ الْمَضْمَضَةُ عَلَى الصَّحِيحِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
السَّادِسَةُ : التَّكْرَارُ ثَلَاثًا فِي الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ ، وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ : أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ مَسْحَ الرَّأْسِ ، وَوَجْهٌ أَشَذُّ مِنْهُ : أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُهُ ، وَلَا مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ . وَلَوْ شَكَّ هَلْ غَسَلَ وَلَا مَسَحَ مَرَّةً ، أَوْ مَرَّتَيْنِ ، أَمْ ثَلَاثًا ؟ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : بِالْأَكْثَرِ .
قُلْتُ : تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ ، وَقِيلَ : تَحْرُمُ ، وَقِيلَ : هِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى ، وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغَسْلَةُ مَرَّةً ، وَإِذَا اسْتَوْعَبَتِ الْعُضْوَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith