روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني عشر
الصفحة 2213 · ص. المطبوع 87
فَصْلٌ
لَا فَرْقَ فِي شُهُودِ الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ
[ بَيْنَ ] أَنْ يَكُونُوا أَجَانِبَ ، أَوْ مِنْ وَرَثَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ . فَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ أَيْضًا ، قُبِلْتَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى ، وَتَثْبُتُ بِهَا الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ ؛ لِأَنَّهُمَا أَثْبَتَا لِلرُّجُوعِ بَدَلًا يُسَاوِيهِ ، فَارْتَفَعَتِ التُّهْمَةُ عَنْهُمَا ، وَلَا نَظَرَ إِلَى تَبْدِيلِ الْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ قَدْ لَا يَكُونُ أَهْدَى لِجَمْعِ الْمَالِ ، وَقَدْ لَا يُوَرَّثُ بِالْوَلَاءِ ، وَمُجَرَّدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَوْ رُدِّتْ بِهِ الشَّهَادَةُ ، لَمَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ قَرِيبٍ لِمَنْ يَرِثُهُ . هَذَا إِذَا كَانَ الْوَارِثَانِ عَدْلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ ، لَمْ يَثْبُتِ الرُّجُوعُ بِقَوْلِهِمَا ، فَيَحْكُمُ بِعِتْقِ غَانِمٍ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَيُعْتَقُ مِنْ سَالِمٍ قَدْرُ مَا يَحْتَمِلُهُ ثُلُثُ الْبَاقِي مِنَ الْمَالِ بَعْدَ غَانِمٍ وَهُوَ الثُّلُثَانِ ، وَكَأَنَّ غَانِمًا هَلَكَ أَوْ غُصِبَ مِنَ التَّرِكَةِ . فَإِنْ قَالَ الْوَارِثَانِ : أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ غَانِمٍ ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِيمَا لَوْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ أَجَانِبَ ، فَالْمَذْهَبُ الْقُرْعَةُ . وَقِيلَ : قَوْلَانِ ، ثَانِيهِمَا : يُعَتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ . وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ، لَكِنَّ سَالِمَ سُدُسُ الْمَالِ ، فَالْوَارِثَانِ مُتَّهَمَانِ بِرَدِّ الْعِتْقِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يُثْبِتَا لَهُ بَدَلًا . وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ فِي تَبْعِيضِ 87 الشَّهَادَةِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا تَبْعِيضَ ، وَبِهِ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا فِيهِ أَيْضًا ، وَيُعْتَقُ الْعَبْدَانِ ، الْأَوَّلُ بِشَهَادَةِ الْأَجَانِبِ ، وَالثَّانِي بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا جَائِزَيْنِ ، عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ مَا يَسْتَحِقَّانِهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : تُبَعَّضُ ، عَتَقَ نِصْفُ الْأَوَّلِ ، وَكُلُّ الثَّانِي . وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَتَبَعَّضُ ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْبَعْضِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْبَاقِي ، فَتَبْقَى الشَّهَادَةُ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ الْعَبْدَيْنِ ، فَيَقْرَعُ كَمَا سَبَقَ ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ وَصِيَّةٌ أُخْرَى . فَإِنْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، وَقَامَتِ الْبَيِّنَتَانِ لِغَانِمٍ وَسَالِمٍ كَمَا ذَكَرْنَا ، قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْوَرَثَةِ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ غَانِمٍ ؛ لِأَنَّ لِلْوَرَثَةِ رَدَّ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ ، فَلَيْسَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرُّجُوعِ تُهْمَةٌ ، فَيُجْعَلُ الثُّلُثُ أَثْلَاثًا بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ، وَعِتْقِ سَالِمٍ ، فَيُعْطَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الثُّلُثِ ، وَيُعْتَقُ مِنْ سَالِمٍ ثُلُثَاهُ ، وَهُوَ ثُلُثُ الثُّلُثِ ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ ، لَكِنْ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ بَعْضِ أَصْحَابِ الْوَصَايَا ، بَلْ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمُ الثُّلُثُ . وَقَبُولُ شَهَادَةِ الثُّلُثِ تُوجِبُ إِرْقَاقَ غَانِمٍ وَحِرْمَانَهُ ، وَهُوَ مَحَلُّ تُهْمَةٍ ، لِتَعَلُّقِ الْأَغْرَاضِ بِأَعْيَانِ الْعَبِيدِ . فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ عَتَقَ غَانِمٌ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَعَتَقَ سَالِمٌ بِإِقْرَارِهِمَا . وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدُسَ الْمَالِ ، وَسَالِمٍ ثُلُثَهُ ، قُبِلَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ غَانِمٍ ، وَأُعْتِقَ سَالِمٌ . فَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ عَتَقَ الْأَوَّلُ ، وَعَتَقَ مِنْ سَالِمٍ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْبَاقِي مِنَ الْمَالِ ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ سَالِمٍ ، وَكَأَنَّ الْأَوَّلَ تَلِفَ . وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ نُجِزَ عِتْقُ غَانِمٍ فِي الْمَرَضِ وَوَارِثَانِ أَنَّهُ نُجِزَ عِتْقُ سَالِمٍ ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ ، نُظِرَ ، إِنْ كَذَبَ الْوَارِثَانِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَقَالَا : لَمْ يُعْتِقْ غَانِمًا ، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا ، عَتَقَ الْعَبْدَانِ
[ فَإِنْ ] لَمْ يَكُونَا جَائِزَيْنِ ، عَتَقَ مِنْ سَالِمٍ قَدْرُ حِصَّتِهِمَا ، وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ : قِيَاسُ مَا سَبَقَ أَنْ لَا يُعْتَقَ مِنْ سَالِمٍ إِلَّا قَدْرُ مَا يَحْتَمِلُهُ ثُلُثُ الْبَاقِي مِنَ الْمَالِ بَعْدَ 88 عِتْقِ غَانِمٍ ، وَكَأَنَّ غَانِمًا تَلِفَ ، وَهَذَا حَسَنٌ . وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبَاهُمَا ، بَلْ قَالَا : أَعْتَقَ سَالِمًا ، وَلَا يُدْرَى هَلْ أَعْتَقَ غَانِمًا أَمْ لَا . فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ عَدْلَيْنِ ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِيمَا لَوْ كَانَ شُهُودُ الْعَبْدَيْنِ أَجَانِبَ ، وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ ، عَتَقَ غَانِمٌ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ . وَأَمَّا سَالِمٌ ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَتَابَعَهُ كَثِيرُونَ : يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ إِذَا قُلْنَا : يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ لَوْ كَانَا عَدْلَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : هَذَا سَهْوٌ ، وَصَوَابُهُ أَنْ يُعْتَقَ خُمُسَاهُ ، وَذُكِرَ تَوْجِيهُهُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ . وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ لِغَانِمٍ ، وَوَارِثَانِ لِسَالِمٍ كَمَا ذَكَرْنَا ، إِلَّا أَنَّ سَالِمًا سُدُسُ الْمَالِ ، فَإِنْ كَذَّبَ الْوَارِثَانِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، عَتَقَا جَمِيعًا ، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبَاهُمَا ، فَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ شُهُودُ الْعَبْدَيْنِ أَجَانِبَ ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ . وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ ، فَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ الْأَوَّلَ حُرٌّ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا . فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ ، انْحَصَرَ الْعِتْقُ فِيهِ ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلثَّانِي ، عَتَقَ الْأَوَّلُ بِالشَّهَادَةِ ، وَعَتَقَ مِنَ الثَّانِي ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ بِإِقْرَارِ الْوَارِثَيْنِ ، قَالَ : وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ يُقْرَعَ أَيْضًا إِذَا كَانَ كُلُّ عَبْدٍ ثُلُثَ الْمَالِ وَالْوَارِثَانِ فَاسِقَانِ ، وَكَأَنَّ هَذَا جَوَابٌ عَلَى قَوْلِ الْقُرْعَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الشُّهُودُ كُلُّهُمْ أَجَانِبَ ، وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث