روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني عشر
الصفحة 2268 · ص. المطبوع 183
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الْعِتْقِ ، مِنَ الْوَلَاءِ ، وَغَيْرِهِ .
شَخْصَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْلَى صَاحِبِهِ مِنْ فَوْقَ وَمِنْ أَسْفَلَ ، بِأَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا ، فَأَعْتَقَ أَبَا الْمُعْتِقِ أُخْتَانِ لِأَبَوَيْنِ ، أَعْتَقَهُمَا رَجُلٌ ، فَاشْتَرَتَا أَبَاهُمَا ، 183 فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ وَلَاءِ أَبِيهَا ، وَلَا وَلَاءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْأُخْرَى ; لِأَنَّ عَلَيْهِمَا وَلَاءَ مُبَاشَرَةٍ .
وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ : إِذَا اشْتَرَى مُكَاتَبٌ بَعْضَ أَبِيهِ ، عَتَقَ نِصْفُهُ ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ بِاخْتِيَارِهِ ، بَلْ عَتَقَ ضِمْنًا ، وَأَنَّهُ إِذَا قَالَ لِمَنْ لَهُ عَبْدٌ مُسْتَأْجَرٌ : أَعْتِقْهُ عَنِّي عَلَى كَذَا ، فَأَعْتَقَهُ ، نَفَذَ قَطْعًا ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، لِقُوَّةِ الْعِتْقِ ، وَكَذَا يَجُوزُ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْغَائِبِ إِذَا عُلِمَ حَيَاتُهُ . وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ : إِذَا ادَّعَى عَبْدٌ عَلَى سَيِّدِهِ الْعِتْقَ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَحَلَّفَهُ فَلَمَّا أَتَمَّ يَمِينَهُ ، قَالَ : قُمْ يَا حُرُّ ، عَلَى وَجْهِ السُّخْرِيَةِ ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْحُرِّيَّةِ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ ثَلَاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ " وَمِنْهَا الْعِتَاقُ . وَأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ جَارِيَةٌ حَامِلًا ، وَالْحَمْلُ مُضْغَةٌ ، فَقَالَ : أَعْتَقْتُ مُضْغَةَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ ، كَانَ لَغْوًا ; لِأَنَّ إِعْتَاقَ مَا لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ لَغْوٌ . وَلَوْ قَالَ : مُضْغَةُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ حُرٌّ ، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِأَنَّ الْوَلَدَ انْعَقَدَ حُرًّا ، وَتَصِيرُ الْأُمُّ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ .
قُلْتُ : يَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِيرَ حَتَّى يُقِرَّ بِوَطْئِهَا ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ حُرٌّ مِنْ وَطْءِ أَجْنَبِيٍّ بِشُبْهَةٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : لَوْ أَخَذَكَ مُتَغَلِّبٌ ، فَقُلْ : أَنَا حُرٌّ ، لَا يَعْتِقُ ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ بِكَذِبٍ ، وَكَانَ الْقَاضِي يُلَقِّنُ عَبِيدَهُ بِذَلِكَ . وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَعْتَقَكَ اللَّهُ ، أَوِ اللَّهُ أَعْتَقَكَ ، فَقِيلَ : يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ دُعَاءٌ ، وَالثَّانِيَ خَبَرٌ .
قَالَ الْقَاضِي : وَعِنْدِي لَا يَعْتِقُ فِيهِمَا . وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ : يَعْتِقُ فِيهِمَا . وَفِي الزِّيَادَاتِ لِأَبِي عَاصِمٍ الْعَبَّادِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : أَنَّهُ إِذَا قَالَ : مَنْ بَشَّرَنِي مِنْ عَبِيدِي بِقُدُومِ زَيْدٍ ، فَهُوَ حُرٌّ ، فَبَعَثَ بَعْضُ عَبِيدِهِ عَبْدًا آخَرَ لِيُبَشِّرَهُ بِهِ ، فَجَاءَ وَقَالَ : عَبْدُكَ فُلَانٌ يُبَشِّرُكَ بِقُدُومِهِ ، 184 وَأَرْسَلَنِي لِأُخْبِرَكَ ، فَالْمُبَشِّرُ الْمُرْسِلُ دُونَ الرَّسُولِ . وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ : إِنِ اشْتَرَيْتُ عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ ، فَلِلَّهِ عَلَيَّ إِعْتَاقُهُمَا ، فَاشْتَرَى ثَلَاثَةً صَفْقَةً ، لَزِمَهُ إِعْتَاقُ اثْنَيْنِ ، لِوُجُودِ الصِّفَةِ . وَلَوْ وَلَدَتِ الزَّانِيَةُ ، فَمَلِكَ الزَّانِي بِهَا ذَلِكَ الْوَلَدَ ، لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ ، لِانْتِفَاءِ نَسَبِهِ . وَفِي فُرُوعٍ حَكَاهَا الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ وَغَيْرِهِ قَالَ لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرٌّ مِثْلَ هَذَا الْعَبْدِ ، وَأَشَارَ إِلَى عَبْدٍ آخَرَ ، يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعْتِقُ لِعَدَمِ حُرِّيَّةِ الْمُشَبَّهِ بِهِ ، وَيُحْمَلُ عَلَى حُرِّيَّةِ الْخَلْقِ .
قُلْتُ : يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ : أَنْتَ حُرٌّ مِثْلَ هَذَا ، وَلَمْ يَقُلْ : هَذَا الْعَبْدِ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْتِقَا ، وَالْأَوْضَحُ أَنَّهُمَا لَا يَعْتِقَانِ .
قُلْتُ : الصَّوَابُ هُنَا عِتْقُهُمَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ الَّذِي فِي يَدِي حُرٌّ ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ . وَلَوْ قَالَ : تَظُنُّ أَنَّهُ حُرٌّ ، لَمْ يُحْكَمْ بِعِتْقِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُرًّا لَمْ يَكُنِ الْمَقُولُ لَهُ عَالِمًا بِحُرِّيَّتِهِ ، وَقَدِ اعْتَرَفَ بِعِلْمِهِ ، وَالظَّنُّ بِخِلَافِهِ . وَلَوْ قَالَ : تَرَى أَنَّهُ حُرٌّ ، احْتَمَلَ أَنْ لَا يَقَعَ ، وَأَنْ يَقَعَ ، وَالرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ .
قُلْتُ : الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي عِتْقِ عَبْدٍ ، فَأَعْتَقَ الْوَكِيلُ نِصْفَهُ ، فَهَلْ يَعْتِقُ نِصْفُهُ فَقَطْ ، أَمْ يَعْتِقُ وَيَسْرِي إِلَى بَاقِيهِ ، أَمْ لَا يَعْتِقُ مِنْهُ شَيْءٌ لِمُخَالَفَتِهِ ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ ، أَصَحُّهَا : الْأَوَّلُ . وَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ لِلرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدٌ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ ، فَقَالَ رَجُلٌ لِأَحَدِهِمَا : اعْتِقْ نَصِيبَكَ عَنِّي بِكَذَا ، فَأَعْتَقَهُ عَنْهُ ، فَوَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ ، وَيُقَوَّمُ نَصِيبُ الشَّرِيكُ عَلَى الْمُعْتِقِ ، 185 دُونَ الْآمِرِ ; لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ ، وَهُوَ الْعِوَضُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ . وَلَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ : أَعْتِقْ نَصِيبَكَ عَنِّي بِكَذَا ، فَأَعْتَقَهُ عَنْهُ ، فَوَلَاؤُهُ لِلْآمِرِ ، وَيُقَوَّمُ نَصِيبُ الْآمِرِ عَلَى الْمُعْتِقِ ، حَكَاهُ عَنِ الْقَاضِي الطَّبَرِيِّ .
قُلْتُ : الصَّوَابُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَنَّهُ لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتِقْ عَنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث