روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني عشر
الرَّابِعُ : مُجَاوَزَةُ الثُّلُثِ ، فَعِتْقُ الْمُدَبَّرِ مُعْتَبَرٌ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ الدُّيُونِ ، فَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِلتَّرِكَةِ ، لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنٌ ، وَلَا مَالَ سِوَاهُ ، عَتَقَ ثُلُثُهُ ، وَإِنْ كَانَ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ نِصْفَهُ بِيعَ نِصْفُهُ فِي الدَّيْنِ ، وَيَعْتِقُ ثُلُثُ الْبَاقِي مِنْهُ . وَفِي تَعْلِيقَةِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّ الْحِيلَةَ فِي عِتْقِ الْجَمِيعِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ 199 سِوَاهُ أَنْ يَقُولَ : هَذَا الْعَبْدُ حُرٌّ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِي بِيَوْمٍ ، وَإِنْ مُتُّ فَجْأَةً ، فَقَبْلَ مَوْتِي بِيَوْمٍ ، فَإِذَا مَاتَ بَعْدَ التَّعْلِيقَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ ، عَتَقَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، وَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ . وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ ، فَإِذَا مَاتَ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ ، أَوِ الشَّهْرِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَرِيضًا ، اعْتُبِرَ عِتْقُهُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا ، فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا فَرْقَ فِي اعْتِبَارِ التَّدْبِيرِ مِنَ الثُّلُثِ ، بَيْنَ أَنْ يَقَعَ التَّدْبِيرُ فِي الصِّحَّةِ أَوْ فِي الْمَرَضِ كَالْوَصِيَّةِ .
فَرْعٌ
دَبَّرَ عَبْدًا وَمَاتَ ، وَبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ عَنْ بَلَدِ الْوَرَثَةِ ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى مُعْسِرٍ ، فَلَا يَعْتِقُ جَمِيعُ الْمُدَبَّرِ ، وَهَلْ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ; لِأَنَّ الْغَيْبَةَ لَا تَزِيدُ عَلَى الْعَدَمِ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْعَبْدُ ، لَعَتَقَ ثُلُثُهُ ، فَعَلَى هَذَا ثُلُثُ أَكْسَابِهِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ لَهُ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي . وَأَصَحُّهُمَا : يَعْتِقُ حَتَّى يَصِلَ الْمَالُ إِلَى الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ فِي تَنْجِيزِ الْعِتْقِ تَنْفِيذُ التَّبَرُّعِ قَبْلَ تَسْلِيطِ الْوَرَثَةِ عَلَى الثُّلُثَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا يُوقَفُ الْأَكْسَابُ ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ ، بَانَ أَنَّهُ عَتَقَ ، وَأَنَّ الْأَكْسَابَ لَهُ . وَيُقَالُ : الْخِلَافُ قَوْلَانِ . الْأَوَّلُ : مُخَرَّجٌ . وَالثَّانِي : مَنْصُوصٌ . فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ مِائَةً ، وَالْغَائِبُ مِائَتَانِ ، فَحَضَرَ مِائَةٌ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ : يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ ، وَعَلَى الثَّانِي : نِصْفُهُ ، لِحُصُولِ مِثْلَيْهِ لِلْوَرَثَةِ ، فَإِنْ حَضَرَتْ مِائَةٌ وَتَلِفَتِ الْمِائَةُ الْأُخْرَى ، اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْهِ ، وَتَسَلَّطَتِ الْوَرَثَةُ عَلَى ثُلُثِهِ وَعَلَى الْمِائَةِ . وَفِي طَرِيقَةِ الصَّيْدَلَانِيِّ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنَ الْمُدَبَّرِ ثُلُثُهُ أَنَّ لِلْوَارِثِ 200 التَّصَرُّفَ فِي الثُّلُثَيْنِ ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ نُقِضَ تَصَرُّفُهُ . وَأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ أَعْتَقَ الثُّلُثَيْنِ وَلَمْ يَحْضُرِ الْغَائِبُ ، فَوَلَاءُ الثُّلُثَيْنِ لَهُ . وَإِنْ حَضَرَ ، فَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الْجَوَابَ كَذَلِكَ ، وَأَنَّ فِيهِ وَجْهًا أَنَّ جَمِيعَ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِجَازَةَ الْوَارِثِ تَنْفِيذٌ ، أَمِ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ ؟ وَاشْتَدَّ إِنْكَارُ الْإِمَامِ عَلَى هَذَا ، وَقَالَ : إِعْتَاقُ الْوَرَثَةِ رَدٌّ لِلتَّدْبِيرِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ بِسَبَبِ غَيْبَةِ الْمَالِ ، بَلِ الْوَجْهُ التَّوَقُّفُ ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ ، بَانَ نُفُوذُ الْعِتْقِ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَكِنْ مُسْتَنِدٌ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ ، أَمْ عِنْدَ حُصُولِ الْقُدْرَةِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ ، أَوْجُهُهُمَا الْأَوَّلُ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ بِحَيْثُ يَفِي ثُلُثُهَا بِالْمُدَبَّرِ ، لَكِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ ، فَأَبْرَأَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ عَنِ الدَّيْنِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الْمَوْتِ ، فَيُسْنَدُ الْعِتْقُ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ ، أَمْ يَتَنَجَّزُ مِنْ وَقْتِ سُقُوطِ الدَّيْنِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ ، أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ ، فَأَبْرَأَ عَنْهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَوْ عَنْ ثُلُثِهِ ، هَلْ تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ عَنِ الثُّلُثِ قَبْلَ وُصُولِ الثُّلُثَيْنِ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ ، الْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا دَيْنًا عَلَى أَحَدِهِمَا ، هَلْ يُبَرَّأُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ نِصْفِهِ ؟ وَلَوْ أَوْصَى بِغَيْرِ مَالٍ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ ، هَلْ يُسَلَّمُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْعَيْنِ ، أَمْ يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْغَائِبِ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَصَايَا . وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَبَعْضُهُ حَاضِرٌ ، وَبَعْضُهُ غَائِبٌ ، أَوْ عَيْنٌ وَدَيْنٌ دُفِعَ إِلَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْحَاضِرِ وَالْعَيْنِ ، وَمَا حَصَلَ بَعْدَهُ قُسِّمَ كَذَلِكَ .
فَرْعٌ
إِذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ بِصِفَةٍ ، فَوُجِدَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِصِفَةٍ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْمَرَضِ ، كَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فِي مَرَضِ 201 مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ إِذَا مَرِضْتُ مَرَضَ الْمَوْتِ ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، اعْتُبِرَ عِتْقُهُ مِنَ الثُّلُثِ . وَإِنِ احْتَمَلَ وُجُودَهَا فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، فَهَلْ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، أَمِ الثُّلُثِ ؟ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا : الْأَوَّلُ ، هَذَا إِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَإِنْ وُجِدَتْ بِاخْتِيَارِهِ ، اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَوْ قَالَ : إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَدَخَلَهَا فِي مَرَضِهِ ، اعْتُبِرَ الْعِتْقُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّهُ اخْتَارَ حُصُولَ الْعِتْقِ فِي مَرَضِهِ . وَلَوْ بَاعَ الصَّحِيحَ مُحَابَاةً ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ ، ثُمَّ مَرِضَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَلَمْ يَفْسَخْ حَتَّى مَاتَ ، اعْتُبِرَتِ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّهُ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي الْمَرَضِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ ، وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ .
قُلْتُ : إِنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا إِذَا قُلْنَا : الْمِلْكُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ ، وَتَرَكَ الْفَسْخَ عَامِدًا لَا نَاسِيًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ بِصِفَةٍ وَهُوَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ ، فَوُجِدَتْ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ ، عَتَقَ إِنِ اعْتَبَرْنَا حَالَ التَّعْلِيقِ ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، فَهُوَ كَإِعْتَاقِ الْمُفْلِسِ . وَلَوْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ ، وَهُوَ مَجْنُونٌ ، أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ ، عَتَقَ بِلَا خِلَافٍ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ حَجْرَ الْمَرِيضِ وَالْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغَيْرِ ، وَهُوَ الْوَرَثَةُ وَالْغُرَمَاءُ ، بِخِلَافِ السَّفَهِ وَالْجُنُونِ . وَلَوْ قَالَ : إِنْ جُنِنْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَجُنَّ ، فَفِي الْعِتْقِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ " الْإِفْصَاحِ " وَقَدْ يَخْرُجُ هَذَا فِيمَا لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِصِفَةٍ غَيْرِ الْجُنُونِ ، فَوُجِدَتْ فِي الْجُنُونِ . وَلَوْ قَالَ : إِنْ مَرِضْتُ مَرَضًا مَخُوفًا فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَمَرِضَ مَرَضًا مَاتَ فِيهِ ، عَتَقَ الْعَبْدُ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَلَوْ مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا ، وَبَرِئَ مِنْهُ ، عَتَقَ مِنْ 202 رَأْسِ الْمَالِ . وَقِيلَ : لَا يَعْتِقُ أَخْذًا مِنَ الْخِلَافِ فِيمَنْ حُجَّ عَنْهُ ، وَهُوَ مَعْضُوبٌ ، فَبَرِأَ وَهَذَا ضَعِيفٌ .
فَرْعٌ
دَبَّرَ عَبْدًا وَمَاتَ ، وَبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ عَنْ بَلَدِ الْوَرَثَةِ ، أَوْ دَيْنٌ عَلَى مُعْسِرٍ ، فَلَا يَعْتِقُ جَمِيعُ الْمُدَبَّرِ ، وَهَلْ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ; لِأَنَّ الْغَيْبَةَ لَا تَزِيدُ عَلَى الْعَدَمِ . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الْعَبْدُ ، لَعَتَقَ ثُلُثُهُ ، فَعَلَى هَذَا ثُلُثُ أَكْسَابِهِ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ لَهُ ، وَيُوقَفُ الْبَاقِي . وَأَصَحُّهُمَا : يَعْتِقُ حَتَّى يَصِلَ الْمَالُ إِلَى الْوَرَثَةِ ; لِأَنَّ فِي تَنْجِيزِ الْعِتْقِ تَنْفِيذُ التَّبَرُّعِ قَبْلَ تَسْلِيطِ الْوَرَثَةِ عَلَى الثُّلُثَيْنِ ، فَعَلَى هَذَا يُوقَفُ الْأَكْسَابُ ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ ، بَانَ أَنَّهُ عَتَقَ ، وَأَنَّ الْأَكْسَابَ لَهُ . وَيُقَالُ : الْخِلَافُ قَوْلَانِ . الْأَوَّلُ : مُخَرَّجٌ . وَالثَّانِي : مَنْصُوصٌ . فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْمُدَبَّرِ مِائَةً ، وَالْغَائِبُ مِائَتَانِ ، فَحَضَرَ مِائَةٌ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ : يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ ، وَعَلَى الثَّانِي : نِصْفُهُ ، لِحُصُولِ مِثْلَيْهِ لِلْوَرَثَةِ ، فَإِنْ حَضَرَتْ مِائَةٌ وَتَلِفَتِ الْمِائَةُ الْأُخْرَى ، اسْتَقَرَّ الْعِتْقُ فِي ثُلُثَيْهِ ، وَتَسَلَّطَتِ الْوَرَثَةُ عَلَى ثُلُثِهِ وَعَلَى الْمِائَةِ . وَفِي طَرِيقَةِ الصَّيْدَلَانِيِّ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنَ الْمُدَبَّرِ ثُلُثُهُ أَنَّ لِلْوَارِثِ 200 التَّصَرُّفَ فِي الثُّلُثَيْنِ ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ نُقِضَ تَصَرُّفُهُ . وَأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ أَعْتَقَ الثُّلُثَيْنِ وَلَمْ يَحْضُرِ الْغَائِبُ ، فَوَلَاءُ الثُّلُثَيْنِ لَهُ . وَإِنْ حَضَرَ ، فَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الْجَوَابَ كَذَلِكَ ، وَأَنَّ فِيهِ وَجْهًا أَنَّ جَمِيعَ الْوَلَاءِ لِلْمَيِّتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِجَازَةَ الْوَارِثِ تَنْفِيذٌ ، أَمِ ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ ؟ وَاشْتَدَّ إِنْكَارُ الْإِمَامِ عَلَى هَذَا ، وَقَالَ : إِعْتَاقُ الْوَرَثَةِ رَدٌّ لِلتَّدْبِيرِ ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ بِسَبَبِ غَيْبَةِ الْمَالِ ، بَلِ الْوَجْهُ التَّوَقُّفُ ، فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ ، بَانَ نُفُوذُ الْعِتْقِ فِي الْجَمِيعِ ، وَلَكِنْ مُسْتَنِدٌ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ ، أَمْ عِنْدَ حُصُولِ الْقُدْرَةِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ ، أَوْجُهُهُمَا الْأَوَّلُ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ بِحَيْثُ يَفِي ثُلُثُهَا بِالْمُدَبَّرِ ، لَكِنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ ، فَأَبْرَأَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ عَنِ الدَّيْنِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الْمَوْتِ ، فَيُسْنَدُ الْعِتْقُ إِلَى وَقْتِ الْمَوْتِ ، أَمْ يَتَنَجَّزُ مِنْ وَقْتِ سُقُوطِ الدَّيْنِ ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ ، أَصَحُّهُمَا الثَّانِي .
وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ ، فَأَبْرَأَ عَنْهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَوْ عَنْ ثُلُثِهِ ، هَلْ تَحْصُلُ الْبَرَاءَةُ عَنِ الثُّلُثِ قَبْلَ وُصُولِ الثُّلُثَيْنِ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ ، الْأَصَحُّ الْمَنْعُ ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا دَيْنًا عَلَى أَحَدِهِمَا ، هَلْ يُبَرَّأُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِنْ نِصْفِهِ ؟ وَلَوْ أَوْصَى بِغَيْرِ مَالٍ يَخْرُجُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ ، هَلْ يُسَلَّمُ إِلَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْعَيْنِ ، أَمْ يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْغَائِبِ ؟ فِيهِ الْخِلَافُ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَصَايَا . وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَبَعْضُهُ حَاضِرٌ ، وَبَعْضُهُ غَائِبٌ ، أَوْ عَيْنٌ وَدَيْنٌ دُفِعَ إِلَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ الْحَاضِرِ وَالْعَيْنِ ، وَمَا حَصَلَ بَعْدَهُ قُسِّمَ كَذَلِكَ .
فَرْعٌ
إِذَا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ بِصِفَةٍ ، فَوُجِدَتْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، نُظِرَ ، إِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِصِفَةٍ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْمَرَضِ ، كَقَوْلِهِ : إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فِي مَرَضِ 201 مَوْتِي ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، أَوْ إِذَا مَرِضْتُ مَرَضَ الْمَوْتِ ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، اعْتُبِرَ عِتْقُهُ مِنَ الثُّلُثِ . وَإِنِ احْتَمَلَ وُجُودَهَا فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ ، فَهَلْ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ، أَمِ الثُّلُثِ ؟ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا : الْأَوَّلُ ، هَذَا إِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ ، فَإِنْ وُجِدَتْ بِاخْتِيَارِهِ ، اعْتُبِرَ مِنَ الثُّلُثِ ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا : لَوْ قَالَ : إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ ، فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَدَخَلَهَا فِي مَرَضِهِ ، اعْتُبِرَ الْعِتْقُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّهُ اخْتَارَ حُصُولَ الْعِتْقِ فِي مَرَضِهِ . وَلَوْ بَاعَ الصَّحِيحَ مُحَابَاةً ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ ، ثُمَّ مَرِضَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَلَمْ يَفْسَخْ حَتَّى مَاتَ ، اعْتُبِرَتِ الْمُحَابَاةُ مِنَ الثُّلُثِ ; لِأَنَّهُ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي الْمَرَضِ بِاخْتِيَارِهِ ، فَأَشْبَهَ مَنْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ ، وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ .
قُلْتُ : إِنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا إِذَا قُلْنَا : الْمِلْكُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ ، وَتَرَكَ الْفَسْخَ عَامِدًا لَا نَاسِيًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدٍ بِصِفَةٍ وَهُوَ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ ، فَوُجِدَتْ وَهُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ ، عَتَقَ إِنِ اعْتَبَرْنَا حَالَ التَّعْلِيقِ ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا حَالَ وُجُودِ الصِّفَةِ ، فَهُوَ كَإِعْتَاقِ الْمُفْلِسِ . وَلَوْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ ، وَهُوَ مَجْنُونٌ ، أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ ، عَتَقَ بِلَا خِلَافٍ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ حَجْرَ الْمَرِيضِ وَالْمُفْلِسِ لِحَقِّ الْغَيْرِ ، وَهُوَ الْوَرَثَةُ وَالْغُرَمَاءُ ، بِخِلَافِ السَّفَهِ وَالْجُنُونِ . وَلَوْ قَالَ : إِنْ جُنِنْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَجُنَّ ، فَفِي الْعِتْقِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ " الْإِفْصَاحِ " وَقَدْ يَخْرُجُ هَذَا فِيمَا لَوْ كَانَ التَّعْلِيقُ بِصِفَةٍ غَيْرِ الْجُنُونِ ، فَوُجِدَتْ فِي الْجُنُونِ . وَلَوْ قَالَ : إِنْ مَرِضْتُ مَرَضًا مَخُوفًا فَأَنْتَ حُرٌّ ، فَمَرِضَ مَرَضًا مَاتَ فِيهِ ، عَتَقَ الْعَبْدُ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَقِيلَ : مِنْ رَأْسِ الْمَالِ . وَلَوْ مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا ، وَبَرِئَ مِنْهُ ، عَتَقَ مِنْ 202 رَأْسِ الْمَالِ . وَقِيلَ : لَا يَعْتِقُ أَخْذًا مِنَ الْخِلَافِ فِيمَنْ حُجَّ عَنْهُ ، وَهُوَ مَعْضُوبٌ ، فَبَرِأَ وَهَذَا ضَعِيفٌ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث