روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني
page 354 · printed p. 338
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ .
أَحَدُهَا : يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي ، وَكُلِّ مَنْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ أَمْرُ تَفْرِيقِ الصَّدَقَاتِ ، أَنْ يَعْتَنِيَ بِضَبْطِ الْمُسْتَحِقِّينَ ، وَمَعْرِفَةِ أَعْدَادِهِمْ ، وَأَقْدَارِ حَاجَاتِهِمْ ، بِحَيْثُ يَقَعُ الْفَرَاغُ مِنْ جَمِيعِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ ، أَوْ مَعَهَا لِيَتَعَجَّلَ حُقُوقَهُمْ ، وَلِيَأْمَنَ هَلَاكَ الْمَالِ عِنْدَهُ .
الثَّانِيَةُ : يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ فِي الْقِسْمَةِ بِالْعَالَمِينَ ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ أَقْوَى ، لِكَوْنِهِمْ يَأْخُذُونَ مُعَاوَضَةً .
قُلْتُ : هَذَا التَّقْدِيمُ مُسْتَحَبٌّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الثَّالِثَةُ : لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ وَلَا لِلسَّاعِي أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنَ الزَّكَاةِ ، بَلْ يُوَصِّلُهَا بِحَالِهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ ، إِلَّا إِذَا وَقَعَتْ ضَرُورَةٌ ، بِأَنْ أَشْرَفَتْ بَعْضُ الْمَاشِيَةِ عَلَى الْهَلَاكِ ، 338 أَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ خَطَرٌ ، أَوِ احْتَاجَ إِلَى رَدِّ جِيرَانٍ ، أَوْ إِلَى مُؤْنَةِ نَقْلٍ ، فَحِينَئِذٍ يَبِيعُ . وَلَوْ وَجَبَتْ نَاقَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ ، فَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيُقَسِّمَ الثَّمَنَ ، بَلْ يَجْمَعُهُمْ وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِمْ ، وَكَذَا حُكْمُ الْإِمَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَخَالَفَهُمْ فِي " التَّهْذِيبِ " فَقَالَ : إِنْ رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ ، فَعَلَهُ ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَبِيعَ ، بَاعَ وَفَرَّقَ الثَّمَنَ عَلَيْهِمْ .
قُلْتُ : وَإِذَا بَاعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَجُوزُ ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ ، وَيُسْتَرَدُّ الْمَبِيعُ ، فَإِنْ تَلِفَ ، ضَمِنَهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الرَّابِعَةُ : إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى مَنْ ظَنَّهُ مُسْتَحِقًّا ، فَبَانَ غَيْرَ مُسْتَحَقٍّ ، كَكَافِرٍ ، وَعَبْدٍ ، وَغَنِيٍّ ، وَذِي قُرْبَى ، فَالْفَرْضُ يَسْقُطُ عَنِ الْمَالِكِ بِالدَّفْعِ إِلَى الْإِمَامِ ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمُسْتَحِقِّينَ .
وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْإِمَامِ إِذَا بَانَ غَنِيًّا ، لِأَنَّهُ لَا تَقْصِيرَ ، وَيُسْتَرَدُّ ، سَوَاءٌ أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ ، أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَلِفَ ، غَرِمَهُ وَصَرَفَ الْغُرْمَ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ .
وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : لَا يَضْمَنُ ، وَقِيلَ : لَا يَضْمَنُ قَطْعًا . وَقِيلَ : يَضْمَنُ قَطْعًا ، لِتَفْرِيطِهِ ، فَإِنَّهَا لَا تَخْفَى غَالِبًا ، بِخِلَافِ الْغَنِيِّ ، وَلِأَنَّهَا أَشَدُّ مُنَافَاةً ، فَإِنَّهَا تُنَافِي الزَّكَاةَ بِكُلِّ حَالٍ ، بِخِلَافِهِ .
وَلَوْ دَفَعَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ ، فَبَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ غَنِيًّا ، لَمْ يُجِزْهُ عَلَى الْأَظْهَرِ ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ ، لِأَنَّهُ نَائِبُ الْفُقَرَاءِ . وَإِنْ بَانَ كَافِرًا ، أَوْ عَبْدًا ، أَوْ ذَا قُرْبَى ، لَمْ يُجِزْهُ عَلَى الْأَصَحِّ .
قُلْتُ : وَلَوْ دَفَعَ سَهْمَ الْمُؤَلَّفَةِ ، أَوِ الْغَازِي إِلَيْهِ ، فَبَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ امْرَأَةً ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَانَ عَبْدًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِذَا لَمْ يَسْقُطِ الْفَرْضُ ، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّ الْمَدْفُوعَ زَكَاةٌ ، اسْتُرِدَّ إِنْ كَانَ بَاقِيًا ، وَغَرِمَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ تَالِفًا . وَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ إِذَا دُفِعَ إِلَيْهِ .
وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ زَكَاةٌ ، لَمْ يُسْتَرَدَّ ، وَلَا غُرْمَ ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ ، يَسْتَرِدُّ مُطْلَقًا ، لِأَنَّ مَا يُفَرِّقُهُ الْإِمَامُ عَلَى الْأَصْنَافِ ، هُوَ الزَّكَاةُ غَالِبًا ، وَغَيْرُهُ قَدْ يَتَطَوَّعُ .
وَالْحُكْمُ فِي الْكَفَّارَةِ مَتَى بَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ ، كَحُكْمِ الزَّكَاةِ .
339 الْخَامِسَةُ : فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْأَصْنَافِ الزَّكَاةَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : يَسْتَحِقُّونَ يَوْمَ الْقِسْمَةِ ، إِلَّا الْعَامِلُ ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِالْعَمَلِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : يَسْتَحِقُّونَ يَوْمَ الْوُجُوبِ .
قَالَ الْأَصْحَابُ : لَيْسَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ . بَلِ النَّصُّ الثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ ، أَوْ أَقَلُّ ، وَمَنَعْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ ، فَيَسْتَحِقُّونَ يَوْمَ الْوُجُوبِ ، حَتَّى لَوْ مَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ، دُفِعَ نَصِيبُهُ إِلَى وَرَثَتِهِ ، وَإِنْ غَابَ أَوْ أَيْسَرَ ، فَحَقُّهُ بِحَالِهِ ، وَإِنْ قَدِمَ غَرِيبٌ ، لَمْ يُشَارِكْهُمْ ، وَالنَّصُّ الْأَوَّلُ ، فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُونُوا مَحْصُورِينَ فِي ثَلَاثَةٍ ، أَوْ كَانُوا ، وَجَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِالْقِسْمَةِ ، حَتَّى لَا حَقَّ لِمَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ أَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَإِنْ قَدِمَ غَرِيبٌ ، شَارَكَهُمْ .
السَّادِسَةُ : فِي " فَتَاوَى الْقَفَّالِ " : أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَتَلِفَ ، ضَمِنَ . وَالْوَكِيلُ بِالتَّفْرِيقِ لَوْ أَخَّرَ ، فَتَلِفَ ، لَمْ يَضْمَنْ ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ .
قُلْتُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ جَمَعَ السَّاعِي الزَّكَاةَ ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى الْإِمَامِ ، اسْتَحَقَّ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
السَّابِعَةُ : قَالَ صَاحِبُ " الْبَحْرِ " : لَوْ دَفَعَ الزَّكَاةَ إِلَى فَقِيرٍ وَهُوَ غَيْرُ عَارِفٍ بِالْمَدْفُوعِ ، بِأَنْ كَانَ مَشْدُودًا فِي خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا ، لَا يَعْرِفُ جِنْسَهُ وَقَدْرَهُ ، وَتَلِفَ فِي يَدِ الْمِسْكِينِ ، فَفِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ احْتِمَالَانِ ، لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَابِضِ لَا تُشْتَرَطُ ، فَكَذَا مَعْرِفَةُ الدَّافِعِ .
قُلْتُ : الْأَرْجَحُ : السُّقُوطُ . وَبَقِيَتْ مِنَ الْبَابِ مَسَائِلُ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهِ . وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ ، لَمْ يَذْكُرْهَا الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ هُنَا .
340 مِنْهَا : قَالَ الصَّيْمَرِيُّ : كَانَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْقَدِيمِ ، يُسَمِّي مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمَاشِيَةِ صَدَقَةً ، وَمِنَ النَّقْدَيْنِ زَكَاةً ، وَمِنَ الْمُعْشِرَاتِ عُشْرًا فَقَطْ . ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ : يُسَمَّى الْجَمِيعُ زَكَاةً وَصَدَقَةً .
وَمِنْهَا : الِاخْتِلَافُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : اخْتِلَافُ رَبِّ الْمَالِ وَالسَّاعِي عَلَى ضَرْبَيْنِ .
أَحَدِهِمَا : أَنْ يَكُونَ دَعْوَى رَبِّ الْمَالِ لَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ ، وَالثَّانِي : تُخَالِفُهُ . وَفِي الضَّرْبَيْنِ ، إِذَا اتَّهَمَهُ السَّاعِي ، حَلَّفَهُ ، وَالْيَمِينُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ مُسْتَحَبَّةٌ بِلَا خِلَافٍ . فَإِنِ امْتَنَعَ عَنِ الْيَمِينِ ، تُرِكَ وَلَا شَيْءَ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي : فَالْيَمِينُ فِيهِ مُسْتَحَبَّةٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَعَلَى الثَّانِي : وَاجِبَةٌ ، فَإِنْ قُلْنَا : مُسْتَحَبَّةٌ ، فَامْتَنَعَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا أُخِذَتْ مِنْهُ لَا بِالنُّكُولِ ، بَلْ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ . فَمِنَ الصُّوَرِ الَّتِي لَا يَكُونُ قَوْلُهُ فِيهَا مُخَالِفًا لِلظَّاهِرِ ، أَنْ يَقُولَ : لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ بَعْدُ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ السَّاعِي : كَانَتْ مَاشِيَتُكَ نِصَابًا ثُمَّ تَوَالَدَتْ ، فَيَضُمُّ الْأَوْلَادَ إِلَى الْأُمَّهَاتِ ، وَيَقُولُ رَبُّ الْمَالِ : لَمْ تَكُنْ نِصَابًا ، وَإِنَّمَا تَمَّتْ نِصَابًا بِالْأَوْلَادِ ، فَابْتَدَأَ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ التَّوَلُّدِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ السَّاعِي : هَذِهِ السِّخَالُ تَوَالَدَتْ مِنْ نَفْسِ النِّصَابِ قَبْلَ الْحَوْلِ ، فَقَالَ : بَلْ بَعْدَ الْحَوْلِ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ .
وَمِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تُخَالِفُ فِيهَا الظَّاهِرَ ، أَنْ يَقُولَ السَّاعِي : مَضَى عَلَيْكَ حَوْلٌ ، فَقَالَ الْمَالِكُ : كُنْتُ بِعْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ ، ثُمَّ اشْتَرَيْتُهُ ، أَوْ قَالَ : أَخْرَجْتُ زَكَاتَهُ ، وَقُلْنَا : يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بِنَفْسِهِ .
وَقَدْ سَبَقَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ ، وَلَوْ قَالَ : هَذَا الْمَالُ وَدِيعَةٌ ، فَقَالَ السَّاعِي : بَلْ مِلْكُكَ ، فَوَجْهَانِ .
أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ ، وَالثَّانِي : لَا .
وَمِنْهَا : الْأَفْضَلُ فِي الزَّكَاةِ إِظْهَارُ إِخْرَاجِهَا ، لِيَرَاهُ غَيْرُهُ ، فَيَعْمَلَ عَمَلَهُ ، وَلِئَلَّا يُسَاءَ الظَّنُّ بِهِ .
341 وَمِنْهَا : قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْإِحْيَاءِ " : يَسْأَلُ الْآخِذُ دَافِعَ الزَّكَاةِ عَنْ قَدْرِهَا ، فَيَأْخُذُ بَعْضَ الثَّمَنِ ، بِحَيْثُ يَبْقَى مِنَ الثَّمَنِ مَا يَدْفَعُهُ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْ صِنْفِهِ .
فَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ الثَّمَنَ بِكَمَالِهِ ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَخْذُ . قَالَ : وَهَذَا السُّؤَالُ وَاجِبٌ فِي أَكْثَرِ النَّاسِ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُرَاعُونَ هَذَا ، إِمَّا لِجَهْلٍ ، وَإِمَّا لِتَسَاهُلٍ ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَرْكُ السُّؤَالِ عَنْ مِثْلِ هَذَا ، إِذَا لَمْ يَغْلِبَ الظَّنُّ احْتِمَالَ التَّحْرِيمِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith