روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني
page 378 · printed p. 397
الرُّكْنُ الثَّالِثُ : الْمُعْتَكِفُ ، شَرْطُهُ : الْإِسْلَامُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ ، وَالْجَنَابَةِ . فَيَصِحُّ اعْتِكَافُ الصَّبِيِّ ، وَالرَّقِيقِ ، وَالزَّوْجَةِ كَصِيَامِهِمْ .
وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا ، فَإِنِ اعْتَكَفَا بِغَيْرِ إِذْنٍ ، جَازَ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ إِخْرَاجُهُمَا .
وَكَذَا لَوِ اعْتَكَفَا بِإِذْنِهِمَا تَطَوُّعًا ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ . وَلَوْ نَذَرَا اعْتِكَافًا ، نُظِرَ ، إِنْ نَذَرَا بِغَيْرِ إِذْنٍ ، فَلَهُمَا الْمَنْعُ مِنَ الشُّرُوعِ فِيهِ ، فَإِنْ أَذِنَا فِي الشُّرُوعِ وَكَانَ الزَّمَانُ مُتَعَيِّنًا أَوْ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ ، وَلَكِنْ شَرَطَا التَّتَابُعَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا الرُّجُوعُ .
وَإِنْ لَمْ يَشْرُطَا ، فَلَهُمَا الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَإِنْ نَذَرَا بِالْإِذْنِ ، نُظِرَ ، إِنْ تَعَلَّقَ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ ، فَلَهُمَا الشُّرُوعُ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، وَإِلَّا لَمْ يَشْرَعَا بِغَيْرِ إِذْنٍ ، وَإِنْ شَرَعَا بِالْإِذْنِ ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنَ الْإِتْمَامِ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ إِذَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَهُ إِتْمَامُهُ .
وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّوْمِ . وَيَسْتَوِي فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ ، الْقِنُّ ، وَالْمُدَبَّرُ ، وَأُمُّ الْوَلَدِ . وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ ، كَالْقِنِّ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً ، فَإِنْ كَانَتْ ، فَهُوَ فِي نَوْبَتِهِ كَالْحُرِّ ، وَفِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ كَالْقِنِّ .
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْكَافِرِ ، وَالْمَجْنُونِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَالسَّكْرَانِ ، إِذْ لَا نِيَّةَ لَهُمْ . وَلَوِ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ اعْتِكَافِهِ ، فَالنَّصُّ فِي " الْأُمِّ " : أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ . 397 فَإِذَا أَسْلَمَ ، بَنَى . وَنُصَّ أَنَّهُ لَوْ سَكِرَ فِي اعْتِكَافِهِ ، ثُمَّ أَفَاقَ ، يَسْتَأْنِفُ . وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِمَا عَلَى طُرُقٍ .
الْمَذْهَبُ : بُطْلَانُ اعْتِكَافِهِمَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَنَصُّهُ فِي الْمُرْتَدِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اعْتِكَافٌ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ . فَإِذَا أَسْلَمَ بَنَى ، لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ مَا سَبَقَ عِنْدَنَا ، إِلَّا إِذَا مَاتَ مُرْتَدًّا .
وَنَصُّهُ فِي السَّكْرَانِ فِي اعْتِكَافٍ مُتَتَابِعٍ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ . وَالْفَرْقُ بِأَنَّ السَّكْرَانَ يُمْنَعُ الْمَسْجِدَ بِكُلِّ حَالٍ ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ .
وَاخْتَارَ أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ هَذَا الطَّرِيقَ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ . وَالثَّالِثُ : فِيهِمَا قَوْلَانِ . وَالرَّابِعُ : لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا . وَالْخَامِسُ : يُبْطِلُ السُّكْرُ لِامْتِدَادِ زَمَنِهِ ، وَكَذَا الرِّدَّةُ إِنْ طَالَ زَمَنُهَا ، وَإِنْ قَصُرَ بَنَى .
وَالسَّادِسُ : يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ دُونَ السُّكْرِ ، لِأَنَّهُ كَالنَّوْمِ ، وَالرِّدَّةُ تُنَافِي الْعِبَادَةَ . وَهَذَا الطَّرِيقُ حَكَاهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُمَا .
وَهَذَا الْخِلَافُ ، أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الرِّدَّةِ وَالسُّكْرِ مُعْتَدًّا بِهِ فَيُبْنَى عَلَيْهِ ، أَمْ يَبْطُلُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِئْنَافِ إِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مُتَتَابِعًا ؟ فَأَمَّا زَمَنُ الرِّدَّةِ وَالسُّكْرِ فَغَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ قَطْعًا .
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ : يُعْتَدُّ بِزَمَنِ السُّكْرِ . وَأَشَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ ، إِلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاعْتِدَادِ بِزَمَنِ الرِّدَّةِ ، وَالسُّكْرِ . وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ .
وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ، أَوْ جُنَّ فِي زَمَنِ الِاعْتِكَافِ ، فَإِنْ لَمْ يُخْرَجْ مِنَ الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ . وَإِنْ أُخْرِجَ ، نُظِرَ ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، لَمْ يَبْطُلْ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الْخُرُوجُ بِاخْتِيَارِهِ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حُمِلَ الْعَاقِلُ مُكْرَهًا .
وَإِنْ أَمْكَنَ وَلَكِنْ شَقَّ ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْمَرِيضِ إِذَا أُخْرِجَ . قَالَ فِي " التَّتِمَّةِ " : وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْجُنُونِ مِنَ الِاعْتِكَافِ ، وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ .
398 فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْحَائِضِ ، وَلَا الْجُنُبِ . وَمَتَى طَرَأَ الْحَيْضُ عَلَى الْمُعْتَكِفَةِ ، لَزِمَهَا الْخُرُوجُ . فَإِنْ مَكَثَتْ ، لَمْ يُحْسَبْ عَنِ الِاعْتِكَافِ .
وَهَلْ يُبْطِلُ مَا سَبَقَ ، أَمْ يُبْنَى عَلَيْهِ ؟ فِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَإِنْ طَرَأَتِ الْجَنَابَةُ بِمَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ ، لَمْ يَخْفَ الْحُكْمُ .
وَإِنْ طَرَأَتْ بِمَا لَا يُبْطِلُهُ ، كَالِاحْتِلَامِ ، وَالْجِمَاعِ نَاسِيًا ، وَالْإِنْزَالِ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ ، إِذَا قُلْنَا : لَا يُبْطِلُهُ ، لَزِمَهُ أَنْ يُبَادِرَ بِالْغُسْلِ كَيْلَا يَبْطُلَ تَتَابُعُهُ ، وَلَهُ الْخُرُوجُ لِلْغُسْلِ ، سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ ، أَمْ لَا ، لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِمُرُوءَتِهِ وَلِلْمَسْجِدِ . وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْجَنَابَةِ مِنَ الِاعْتِكَافِ عَلَى الصَّحِيحِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith