روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثالث
page 412 · printed p. 66
66 فَرْعٌ
لَوْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ، فَطَافَ لِلْحَجِّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ ذَلِكَ ، وَلَا سَعْيُهُ بَعْدَهُ ، وَبَانَ أَنَّ حَلْقَهُ وَقَعَ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ وَيَصِيرُ بِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ مُدْخِلًا الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ ، فَيَصِيرُ قَارِنًا ، وَيُجْزِئُهُ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ فِي الْحَجِّ عَنِ الْحَجِّ ، وَعَلَيْهِ دَمَانِ ، دَمُ الْقِرَانِ ، وَدَمُ الْحَلْقِ . وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي طَوَافِ الْحَجِّ ، تَوَضَّأَ وَأَعَادَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دَمُ التَّمَتُّعِ إِذَا اسْتُجْمِعَتْ شُرُوطُهُ . فَلَوْ شَكَّ فِي أَيِّ الطَّوَافَيْنِ كَانَ حَدَثُهُ ، فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ . فَإِذَا أَعَادَهُمَا ، صَحَّ حَجُّهُ وَعُمْرَتُهُ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ ؛ لِأَنَّهُ قَارِنٌ أَوْ مُتَمَتِّعٌ ، وَيَنْوِي بِإِرَاقَتِهِ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ ، وَلَا تُعَيَّنُ الْجِهَةُ . وَكَذَا لَوْ لَمْ يَجِدِ الدَّمَ فَصَامَ . وَالِاحْتِيَاطُ : أَنْ يُرِيقَ دَمًا آخَرَ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَالِقٌ قَبْلَ الْوَقْتِ . فَلَوْ لَمْ يَحْلِقْ فِي الْعُمْرَةِ ، وَقُلْنَا : الْحَلْقُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ ، فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ . وَكَذَا لَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ تَبَيُّنِ الْحَدَثِ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، إِلَّا دَمٌ وَاحِدٌ . وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا ، لَكِنْ جَامَعَ بَعْدَ الْعُمْرَةِ ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُفَرَّعُ عَلَى أَصْلَيْنِ .
أَحَدُهُمَا : جِمَاعُ النَّاسِي ، هَلْ يُفْسِدُ النُّسُكَ وَيَجِبُ الْفِدْيَةُ كَالْعَمْدِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ .
الثَّانِي : إِذَا أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ بِجِمَاعٍ ، ثُمَّ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَيْهَا ، هَلْ يَدْخُلُ وَيَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ : يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ ، وَالشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ . فَعَلَى هَذَا ، هَلْ يَكُونُ الْحَجُّ صَحِيحًا مُجْزِئًا ؟ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، لِأَنَّ الْمُفْسِدَ مُتَقَدِّمٌ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا . فَعَلَى هَذَا ، هَلْ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا ، أَوْ صَحِيحًا ثُمَّ يَفْسُدُ ؟ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يَنْعَقِدُ صَحِيحًا ثُمَّ يَفْسُدُ ، 67 كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا . وَأَصَحُّهُمَا : يَنْعَقِدُ فَاسِدًا . وَلَوِ انْعَقَدَ صَحِيحًا ، لَمْ يَفْسُدْ ، إِذْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ انْعِقَادِهِ مُفْسِدٌ . فَإِنْ قُلْنَا : يَنْعَقِدُ فَاسِدًا ، أَوْ صَحِيحًا ثُمَّ يَفْسُدُ ، مَضَى فِي النُّسُكَيْنِ وَقَضَاهُمَا . وَإِنْ قُلْنَا : يَنْعَقِدُ صَحِيحًا وَلَا يَفْسُدُ ، قَضَى الْعُمْرَةَ دُونَ الْحَجِّ . وَعَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ : يَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ ، وَلَا يَجِبُ لِلْإِفْسَادِ إِلَّا بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ . وَحَكَى الْإِمَامُ : وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ ، إِذَا حَكَمْنَا بِانْعِقَادِ حَجِّهِ فَاسِدًا . أَحَدُهُمَا : يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ أُخْرَى لِفَسَادِ الْحَجِّ . وَالثَّانِي : يَلْزَمُهُ الْبَدَنَةُ لِلْعُمْرَةِ ، وَشَاةٌ لِلْحَجِّ ، كَمَا لَوْ جَامَعَ ، ثُمَّ جَامَعَ .
إِذَا عَرَفْتَ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، فَانْظُرْ ، إِنْ كَانَ الْحَدَثُ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، فَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فَاسِدَانِ ، وَالْجِمَاعُ وَاقِعٌ قَبْلَ التَّحَلُّلِ ، لَكِنْ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ ، فَهَلْ يَكُونُ كَالنَّاسِي ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ .
أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ . وَالثَّانِي : لَا . فَإِنْ لَمْ تَفْسُدِ الْعُمْرَةُ بِهِ ، صَارَ قَارِنَا وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلْقِرَانِ ، وَدَمٌ لِلْحَلْقِ قَبْلَ وَقْتِهِ إِنْ كَانَ حَلَقَ كَمَا سَبَقَ . وَإِنْ أَفْسَدْنَا الْعُمْرَةَ ، فَعَلَيْهِ لِلْإِفْسَادِ بَدَنَةٌ ، وَلِلْحَلْقِ شَاةٌ .
وَإِذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ، فَقَدْ أَدْخَلَهُ عَلَى عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ ، فَهُوَ فِي عُمْرَتِهِ كَمَا كَانَ ، فَيَتَحَلَّلُ مِنْهَا وَيَقْضِيهَا . وَإِنْ دَخَلَ وَقُلْنَا بِفَسَادِ الْحَجِّ ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ لِلْإِفْسَادِ ، وَدَمٌ لِلْحَلْقِ قَبْلَ وَقْتِهِ ، وَدَمٌ لِلْقِرَانِ ، وَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِمَا ثُمَّ يَقْضِيهِمَا . وَإِنْ قَالَ : كَانَ الْحَدَثُ قَبْلَ طَوَافِ الْحَجِّ ، فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ ، وَقَدْ صَحَّ نُسُكَاهُ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا دَمُ التَّمَتُّعِ . وَإِنْ قَالَ : لَا أَدْرِي فِي أَيِّ الطَّوَافَيْنِ كَانَ ، أَخَذَ فِي كُلِّ حُكْمٍ بِالْيَقِينِ ، فَلَا يَتَحَلَّلُ مَا لَمْ يُعِدِ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ حَدَثَهُ كَانَ فِي طَوَافِ الْحَجِّ ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، إِنْ كَانَا وَاجِبَيْنِ عَلَيْهِ ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ مُحْدِثًا 68 فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ ، وَتَأْثِيرُ الْجِمَاعِ فِي إِفْسَادِ النُّسُكَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ ، فَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِالشَّكِّ . وَإِنْ كَانَ مُتَطَوِّعًا فَلَا قَضَاءَ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا فَسَادَ ، وَعَلَيْهِ دَمٌ إِمَّا لِلتَّمَتُّعِ إِنْ كَانَ الْحَدَثُ فِي [ طَوَافِ ] الْحَجِّ . وَإِمَّا لِلْحَلْقِ إِنْ كَانَ فِي طَوَافِ الْعُمْرَةِ . وَلَا تَلْزَمُهُ الْبَدَنَةُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يُفْسِدِ الْعُمْرَةَ ، لَكِنَّ الِاحْتِيَاطَ ذَبْحُ بَدَنَةٍ وَشَاةٍ إِذَا جَوَّزْنَا إِدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَارَ قَارِنًا بِذَلِكَ . هَذَا آخِرُ الْمُقَدِّمَةِ .
فَإِذَا تَعَذَّرَتْ مَعْرِفَةُ إِحْرَامِ زَيْدٍ ، فَطَرِيقَانِ .
أَحَدُهُمَا : يَكُونُ عَمْرٌو كَمَنْ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ . وَفِيهِ الْقَوْلَانِ : الْقَدِيمُ وَالْجَدِيدُ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ : لَا يَتَحَرَّى بِحَالٍ ، بَلْ يَنْوِ الْقِرَانَ . وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّهِ فِي الْقَدِيمِ . وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّكَّ فِي مَسْأَلَةِ النِّسْيَانِ وَقَعَ فِي فِعْلِهِ ، فَلَهُ سَبِيلٌ إِلَى التَّحَرِّي ، بِخِلَافِ إِحْرَامِ زَيْدٍ .
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِزَيْدٍ ، هُوَ فِيمَا إِذَا أَحْرَمَ عَمْرٌو فِي الْحَالِ بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ . أَمَّا لَوْ عَلَّقَ إِحْرَامَهُ فَقَالَ : إِذَا أَحْرَمَ زَيْدٌ ، فَأَنَا مُحْرِمٌ ، فَلَا يَصِحُّ إِحْرَامُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ ، فَأَنَا مُحْرِمٌ . هَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ " التَّهْذِيبِ " وَغَيْرُهُ . وَنَقَلَ فِي الْمُعْتَمَدِ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ الْمُعَلَّقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ وَجْهَيْنِ . وَقِيَاسُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ تَجْوِيزُ هَذَا ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ إِلَّا أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمُسْتَقْبَلٍ ، وَذَلِكَ تَعْلِيقٌ بِحَاضِرٍ ، وَمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ مِنَ الْعُقُودِ ، يَقْبَلُهُمَا جَمِيعًا .
69 قُلْتُ : قَالَ الرُّويَانِيُّ : لَوْ قَالَ أَحْرَمْتُ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو ، فَإِنْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ بِنُسُكٍ مُتَّفِقٍ ، كَانَ كَأَحَدِهِمَا . وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا بِعُمْرَةٍ ، وَالْآخَرُ بِحَجٍّ ، كَانَ هَذَا الْمُعَلِّقُ قَارِنًا ، وَكَذَا إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَارِنًا . قَالَ : وَلَوْ قَالَ : كَإِحْرَامِ زَيْدٍ الْكَافِرِ ، وَكَانَ الْكَافِرُ قَدْ أَتَى بِصُورَةِ إِحْرَامٍ ، فَهَلْ يَنْعَقِدُ لَهُ مَا أَحَرَمَ بِهِ الْكَافِرُ ، أَمْ يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا ؟ وَجْهَانِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ ، بَلِ الصَّوَابُ انْعِقَادُهُ مُطْلَقًا . قَالَ الرُّويَانِيُّ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ قَالَ : أَحْرَمْتُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ، انْعَقَدَ مُطْلَقًا كَالطَّلَاقِ . وَلَوْ قَالَ : أَحْرَمْتُ بِنِصْفِ نُسُكٍ ، انْعَقَدَ بِنُسُكٍ كَالطَّلَاقِ . وَفِيمَا نَقَلَهُ ، نَظَرٌ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith