روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
الرُّكْنُ الثَّانِي : الْمَرْهُونُ بِهِ ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ .
أَحَدُهَا : كَوْنُهُ دَيْنًا ، فَلَا يَصِحُّ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ ، كَالْمَبِيعِ ، أَوْ بِحُكْمِ الْيَدِ كَالْمَغْصُوبِ ، وَالْمُسْتَعَارِ ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى جِهَةِ السَّوْمِ ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ : يَجُوزُ كُلُّ ذَلِكَ .
الثَّانِي : كَوْنُهُ ثَابِتًا ، فَلَا يَصِحُّ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ ، بِأَنْ رَهَنَهُ بِمَا يَسْتَقْرِضُهُ ، أَوْ بِثَمَنِ مَا سَيَشْتَرِيهِ . وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ : يَصِحُّ إِنْ عَيَّنَ مَا يَسْتَقْرِضُهُ . وَفِي وَجْهٍ : لَوْ تَرَاهَنَا بِالثَّمَنِ ، ثُمَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى تَبَايَعَا ، صَحَّ الرَّهْنُ إِلْحَاقًا لِلْحَاصِلِ فِي الْمَجْلِسِ بِالْمُقَارَنِ ، وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ . فَعَلَى الصَّحِيحِ : لَوِ ارْتَهَنَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ وَقَبْضِهِ ، كَانَ مَأْخُوذًا عَلَى جِهَةِ سَوْمِ الرَّهْنِ . فَإِذَا اسْتَقْرَضَ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ لَمْ يَصِرْ دَيْنًا إِلَّا بِرَهْنٍ جَدِيدٍ . وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ : يَصِيرُ . وَلَوِ امْتَزَجَ الرَّهْنُ وَسَبَّبَ ثُبُوتَ الدَّيْنِ ، بِأَنْ قَالَ : بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ ، وَارْتَهَنْتُ هَذَا الثَّوْبَ بِهِ ، فَقَالَ : اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ ، أَوْ قَالَ : 54 أَقْرَضْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ، وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ ، فَقَالَ : اسْتَقْرَضْتُهَا وَرَهَنْتُهُ ، صَحَّ الرَّهْنُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ . وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ : ارْتَهَنْتُ وَبِعْتُ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ لَمْ يَصِحَّ لِتَقَدُّمِ شِقَّيِ الرَّهْنِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيِ الْبَيْعِ . وَكَذَا لَوْ قَالَ : ارْتَهَنْتُ وَبِعْتُ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : رَهَنْتُ وَاشْتَرَيْتُ ، لِتَقَدُّمِ شِقَّيِ الرَّهْنِ عَلَى شِقَّيِ الْبَيْعِ ، فَالشَّرْطُ أَنْ يَقَعَ أَحَدُ شِقَّيِ الرَّهْنِ بَيْنَ شَقِّيِ الْبَيْعِ ، وَالْآخَرُ بَعْدَ شَقَّيِ الْبَيْعِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْنِي عَبْدَكَ بِكَذَا وَرَهَنْتُ بِهِ هَذَا الثَّوْبَ ، فَقَالَ : بِعْتُ وَارْتَهَنْتُ ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْنِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي دَارَكَ ، فَقَالَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ ، فَوَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا ، يَتِمُّ الْعَقْدُ بِمَا جَرَى . قَالَ فِي " التَّتِمَّةِ " هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ . وَالثَّانِي ، قَالَهُ الْقَاضِي : لَا يَتِمُّ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ : ارْتَهَنْتُ أَوْ قَبِلْتُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الشَّرْطُ إِيجَابُ الرَّهْنِ لَا اسْتِيجَابُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : افْعَلْ كَذَا لِتَبِيعَنِي ، لَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلْبَيْعِ ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرَّقَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِالْتِمَاسِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ السَّبَبِ الدَّاعِي لَهُ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَهُنَا بَاعَ وَشَرَطَ الرَّهْنَ ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ الِالْتِمَاسَ ، أَوْ أَبْلَغَ مِنْهُ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ : كَوْنُهُ لَازِمًا . وَالدُّيُونُ الثَّابِتَةُ ضَرْبَانِ . أَحَدُهُمَا : مَا لَا يَصِيرُ لَازِمًا بِحَالٍ ، كَنُجُومِ الْكِتَابَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ ، وَالْآخَرُ غَيْرُهُ . وَهُوَ نَوْعَانِ . لَازِمٌ فِي حَالِ الرَّهْنِ ، وَغَيْرُ لَازِمٍ . فَالْأَوَّلُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَسْبُوقًا بِحَالَةِ الْجَوَازِ ، أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِرًّا ، كَالْقَرْضِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمُقْتَرَضِ ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، كَالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ ، وَالْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَأَمَّا الثَّانِي : فَيُنْظَرُ ، إِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي وَضْعِهِ اللُّزُومُ ، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، صَحَّ الرَّهْنُ بِهِ أَيْضًا ، لِقُرْبِهِ مِنَ اللُّزُومِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ ، فَأَمَّا إِذَا جَعَلْنَاهُ مَانِعًا ، فَالظَّاهِرُ مَنْعُ الرَّهْنِ ، لِوُقُوعِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الْمَرْهُونُ فِي الثَّمَنِ مَا لَمْ 55 يَمْضِ مُدَّةُ الْخِيَارِ . أَمَّا مَا كَانَ أَصْلُ وَضْعِهِ عَلَى الْجَوَازِ ، كَالْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ، وَقَبْلَ تَمَامِهِ ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَلِ ، صَحَّ قَطْعًا ، لِلُزُومِهِ . وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ ، وَعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُسْتَحِقِّ .
قُلْتُ : هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الصَّوَابُ ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ كَثِيرِينَ مِنَ الْأَصْحَابِ ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ ، إِجْرَاءُ الْوَجْهَيْنِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ، لَا سِيَّمَا عِبَارَةُ الْوَسِيطِ وَتَعْلِيلُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا الْمُسَابَقَةُ ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا كَالْإِجَارَةِ ، أَوْ كَالْجَعَالَةِ ، فَلَهَا حُكْمُهَا .
فَرْعٌ
يَصِحُّ الرَّهْنُ بِالْمَنَافِعِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْإِجَارَةِ إِنْ وَرَدَتْ عَلَى الذِّمَّةِ ، وَيُبَاعُ الْمَرْهُونُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَتَحْصُلُ الْمَنْفَعَةُ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةُ عَيْنٍ لَمْ يَصِحَّ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ .
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمِلَاكِ بِالزَّكَاةِ ، وَالْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ، لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الثَّانِي ، وَيَجُوزُ بَعْدَهُ .
فَرْعٌ
التَّوَثُّقُ بِالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ شَدِيدُ التَّقَارُبِ ، فَمَا جَازَ الرَّهْنُ بِهِ ، جَازَ ضَمَانُهُ ، 56 وَكَذَا عَكْسُهُ إِلَّا أَنَّ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ جَائِزٌ . وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَحُكِيَ وَجْهٌ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ . وَوَجْهٌ عَنِ الْقَفَّالِ : أَنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا .
قُلْتُ : كَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مَا صَحَّ ضَمَانُهُ ، صَحَّ الرَّهْنُ بِهِ إِلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْعُهْدَةِ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا ، أَنَّ ضَمَانَ رَدِّ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ ، صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ بِهَا ، بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَمِمَّنِ اسْتَثْنَاهَا الْغَزَالِيُّ فِي " الْبَسِيطِ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَحَدُهَا : كَوْنُهُ دَيْنًا ، فَلَا يَصِحُّ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِحُكْمِ الْعَقْدِ ، كَالْمَبِيعِ ، أَوْ بِحُكْمِ الْيَدِ كَالْمَغْصُوبِ ، وَالْمُسْتَعَارِ ، وَالْمَأْخُوذِ عَلَى جِهَةِ السَّوْمِ ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ : يَجُوزُ كُلُّ ذَلِكَ .
الثَّانِي : كَوْنُهُ ثَابِتًا ، فَلَا يَصِحُّ بِمَا لَمْ يَثْبُتْ ، بِأَنْ رَهَنَهُ بِمَا يَسْتَقْرِضُهُ ، أَوْ بِثَمَنِ مَا سَيَشْتَرِيهِ . وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ : يَصِحُّ إِنْ عَيَّنَ مَا يَسْتَقْرِضُهُ . وَفِي وَجْهٍ : لَوْ تَرَاهَنَا بِالثَّمَنِ ، ثُمَّ لَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى تَبَايَعَا ، صَحَّ الرَّهْنُ إِلْحَاقًا لِلْحَاصِلِ فِي الْمَجْلِسِ بِالْمُقَارَنِ ، وَالصَّحِيحُ : الْأَوَّلُ . فَعَلَى الصَّحِيحِ : لَوِ ارْتَهَنَ قَبْلَ ثُبُوتِ الْحَقِّ وَقَبْضِهِ ، كَانَ مَأْخُوذًا عَلَى جِهَةِ سَوْمِ الرَّهْنِ . فَإِذَا اسْتَقْرَضَ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ لَمْ يَصِرْ دَيْنًا إِلَّا بِرَهْنٍ جَدِيدٍ . وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ : يَصِيرُ . وَلَوِ امْتَزَجَ الرَّهْنُ وَسَبَّبَ ثُبُوتَ الدَّيْنِ ، بِأَنْ قَالَ : بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ ، وَارْتَهَنْتُ هَذَا الثَّوْبَ بِهِ ، فَقَالَ : اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ ، أَوْ قَالَ : 54 أَقْرَضْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ ، وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ ، فَقَالَ : اسْتَقْرَضْتُهَا وَرَهَنْتُهُ ، صَحَّ الرَّهْنُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ . وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ : ارْتَهَنْتُ وَبِعْتُ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ لَمْ يَصِحَّ لِتَقَدُّمِ شِقَّيِ الرَّهْنِ عَلَى أَحَدِ شِقَّيِ الْبَيْعِ . وَكَذَا لَوْ قَالَ : ارْتَهَنْتُ وَبِعْتُ ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي : رَهَنْتُ وَاشْتَرَيْتُ ، لِتَقَدُّمِ شِقَّيِ الرَّهْنِ عَلَى شِقَّيِ الْبَيْعِ ، فَالشَّرْطُ أَنْ يَقَعَ أَحَدُ شِقَّيِ الرَّهْنِ بَيْنَ شَقِّيِ الْبَيْعِ ، وَالْآخَرُ بَعْدَ شَقَّيِ الْبَيْعِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْنِي عَبْدَكَ بِكَذَا وَرَهَنْتُ بِهِ هَذَا الثَّوْبَ ، فَقَالَ : بِعْتُ وَارْتَهَنْتُ ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ . وَلَوْ قَالَ : بِعْنِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي دَارَكَ ، فَقَالَ اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ ، فَوَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا ، يَتِمُّ الْعَقْدُ بِمَا جَرَى . قَالَ فِي " التَّتِمَّةِ " هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ . وَالثَّانِي ، قَالَهُ الْقَاضِي : لَا يَتِمُّ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ : ارْتَهَنْتُ أَوْ قَبِلْتُ ؛ لِأَنَّ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ الشَّرْطُ إِيجَابُ الرَّهْنِ لَا اسْتِيجَابُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ : افْعَلْ كَذَا لِتَبِيعَنِي ، لَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبًا لِلْبَيْعِ ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُفَرَّقَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِالْتِمَاسِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ السَّبَبِ الدَّاعِي لَهُ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَهُنَا بَاعَ وَشَرَطَ الرَّهْنَ ، وَهُوَ يَشْتَمِلُ الِالْتِمَاسَ ، أَوْ أَبْلَغَ مِنْهُ .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ : كَوْنُهُ لَازِمًا . وَالدُّيُونُ الثَّابِتَةُ ضَرْبَانِ . أَحَدُهُمَا : مَا لَا يَصِيرُ لَازِمًا بِحَالٍ ، كَنُجُومِ الْكِتَابَةِ ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ ، وَالْآخَرُ غَيْرُهُ . وَهُوَ نَوْعَانِ . لَازِمٌ فِي حَالِ الرَّهْنِ ، وَغَيْرُ لَازِمٍ . فَالْأَوَّلُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ مَسْبُوقًا بِحَالَةِ الْجَوَازِ ، أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِرًّا ، كَالْقَرْضِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ ، وَثَمَنِ الْمَبِيعِ الْمُقْتَرَضِ ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ ، كَالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ ، وَالْأُجْرَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ وَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ .
وَأَمَّا الثَّانِي : فَيُنْظَرُ ، إِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي وَضْعِهِ اللُّزُومُ ، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، صَحَّ الرَّهْنُ بِهِ أَيْضًا ، لِقُرْبِهِ مِنَ اللُّزُومِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَارَ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِي الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ ، فَأَمَّا إِذَا جَعَلْنَاهُ مَانِعًا ، فَالظَّاهِرُ مَنْعُ الرَّهْنِ ، لِوُقُوعِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الدَّيْنِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ الْمَرْهُونُ فِي الثَّمَنِ مَا لَمْ 55 يَمْضِ مُدَّةُ الْخِيَارِ . أَمَّا مَا كَانَ أَصْلُ وَضْعِهِ عَلَى الْجَوَازِ ، كَالْجَعْلِ فِي الْجَعَالَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ، وَقَبْلَ تَمَامِهِ ، فَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْعَمَلِ ، صَحَّ قَطْعًا ، لِلُزُومِهِ . وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ ، وَعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُسْتَحِقِّ .
قُلْتُ : هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ هُوَ الصَّوَابُ ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ كَثِيرِينَ مِنَ الْأَصْحَابِ ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ ، إِجْرَاءُ الْوَجْهَيْنِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ ، لَا سِيَّمَا عِبَارَةُ الْوَسِيطِ وَتَعْلِيلُهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا الْمُسَابَقَةُ ، فَإِنْ جَعَلْنَاهَا كَالْإِجَارَةِ ، أَوْ كَالْجَعَالَةِ ، فَلَهَا حُكْمُهَا .
فَرْعٌ
يَصِحُّ الرَّهْنُ بِالْمَنَافِعِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْإِجَارَةِ إِنْ وَرَدَتْ عَلَى الذِّمَّةِ ، وَيُبَاعُ الْمَرْهُونُ عِنْدَ الْحَاجَةِ ، وَتَحْصُلُ الْمَنْفَعَةُ مِنْ ثَمَنِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةُ عَيْنٍ لَمْ يَصِحَّ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الْأَوَّلِ .
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْمِلَاكِ بِالزَّكَاةِ ، وَالْعَاقِلَةِ بِالدِّيَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ، لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الثَّانِي ، وَيَجُوزُ بَعْدَهُ .
فَرْعٌ
التَّوَثُّقُ بِالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ شَدِيدُ التَّقَارُبِ ، فَمَا جَازَ الرَّهْنُ بِهِ ، جَازَ ضَمَانُهُ ، 56 وَكَذَا عَكْسُهُ إِلَّا أَنَّ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ جَائِزٌ . وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَحُكِيَ وَجْهٌ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ . وَوَجْهٌ عَنِ الْقَفَّالِ : أَنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا .
قُلْتُ : كَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مَا صَحَّ ضَمَانُهُ ، صَحَّ الرَّهْنُ بِهِ إِلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْعُهْدَةِ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا ، أَنَّ ضَمَانَ رَدِّ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ ، صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ بِهَا ، بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَمِمَّنِ اسْتَثْنَاهَا الْغَزَالِيُّ فِي " الْبَسِيطِ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث