روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الأول
بَابٌ
إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ
النَّجِسُ ضَرْبَانِ : نَجِسُ الْعَيْنِ ، وَغَيْرُهُ ، فَنَجِسُ الْعَيْنِ : لَا يَطْهُرُ بِحَالٍ ، إِلَّا الْخَمْرَ ، فَتَطْهُرُ بِالتَّخَلُّلِ ، وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ . وَالْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ وَالدَّمَ الَّذِي هُوَ حَشْوُ الْبَيْضَةِ ، 28 إِذَا نَجَّسْنَا الثَّلَاثَةَ فَاسْتَحَالَتْ حَيَوَانَاتٍ . وَأَمَّا غَيْرُ نَجِسِ الْعَيْنِ ، فَضَرْبَانِ : نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ ، وَحُكْمِيَّةٌ ، فَالْحُكْمِيَّةُ : هِيَ الَّتِي تَيَقَّنَ وُجُودَهَا وَلَا تُحَسُّ ، كَالْبَوْلِ إِذَا جَفَّ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا أَثَرٌ ، فَيَكْفِي إِجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا مَرَّةً ، وَيُسَنُّ ثَانِيَةً ، وَثَالِثَةً . وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ : فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِزَالَةِ مَا وُجِدَ مِنْهَا مِنْ طَعْمٍ ، وَلَوْنٍ ، وَرِيحٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَبَقِيَ طَعْمٌ ، لَمْ يَطْهُرْ ، وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَحْدَهُ وَهُوَ سَهْلُ الْإِزَالَةِ ، لَمْ يَطْهُرْ . وَإِنْ كَانَ عُسْرُهَا ، كَدَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ، وَرُبَّمَا لَا يَزُولُ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْحَتِّ وَالْقَرْصِ ، طَهُرَ . وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ ، وَالْحَتُّ وَالْقَرْصُ لَيْسَا بِشَرْطٍ ، بَلْ مُسْتَحَبَّانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : هُمَا شَرْطٌ ، وَإِنْ بَقِيَتِ الرَّائِحَةُ وَحْدَهَا وَهِيَ عَسِرَةُ الْإِزَالَةِ ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ ، فَقَوْلَانِ . وَقِيلَ : وَجْهَانِ . أَظْهَرُهُمَا يَطْهُرُ . وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ مَعًا ، لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ ، ثُمَّ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ ، إِنَّ مَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ مَعَ بَقَاءِ لَوْنٍ أَوْ رَائِحَةٍ ، فَهُوَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ .
وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي ( التَّتِمَّةِ ) ثُمَّ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ يُسَنُّ غَسْلُهُ ، ثَانِيَةً ، وَثَالِثَةً ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الطَّهَارَةِ عَصْرُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَصَحِّ ، بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ الْغُسَالَةِ . وَإِنْ قُلْنَا بِالضَّعِيفِ : إِنَّ الْعَصْرَ شَرْطٌ ، قَامَ مَقَامَهُ الْجَفَافُ عَلَى الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي زَوَالِ الْمَاءِ .
فَرْعٌ
مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ بِالْعَصْرِ أَوْ دُونَهُ : هُوَ فِيمَا إِذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى الْمَحَلِّ ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ الْمَاءُ الْمَحَلَّ النَّجِسَ ، كَالثَّوْبِ يُغْمَسُ فِي إِجَّانَةٍ فِيهَا مَاءٌ وَيُغْسَلُ فِيهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ : لَا يَطْهُرُ ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَطْهُرُ ، وَلَوْ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِيهِ وَالْمَاءُ دُونَ قُلَّتَيْنِ ، نَجُسَ الْمَاءُ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ .
29 فَرْعٌ
إِذَا أَصَابَ الْأَرْضَ بَوْلٌ فَصُبَّ عَلَيْهَا مَاءٌ غَمَرَهُ وَاسْتُهْلِكَ فِيهِ ، طَهُرَتْ بَعْدَ نُضُوبِ الْمَاءِ ، وَقَبْلَهُ وَجْهَانِ . إِنْ قُلْنَا : الْعَصْرُ لَا يَجِبُ ، طَهُرَتْ . وَإِنْ قُلْنَا : وَاجِبٌ ، لَمْ يَطْهُرْ . فَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْجَفَافِ ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَغِيضَ الْمَاءُ كَالثَّوْبِ الْمَعْصُورِ .
وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الْمَصْبُوبُ غَامِرًا لِلنَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةَ أَضْعَافِ الْبَوْلِ ، وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْوَاحِدِ ذَنُوبٌ ، وَعَلَى بَوْلِ الِاثْنَيْنِ ذَنُوبَانِ ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا ، ثُمَّ الْخَمْرُ ، وَسَائِرُ النَّجَاسَاتِ الْمَائِعَةِ كَالْبَوْلِ ، يَطْهُرُ الْأَرْضُ عَنْهَا بِغَمْرِ الْمَاءِ بِلَا تَقْدِيرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ .
فَرْعٌ
اللَّبَنُ النَّجِسُ : ضَرْبَانِ . مُخْتَلِطٌ بِنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ ، كَالرَّوْثِ وَعِظَامِ الْمَيْتَةِ ، وَغَيْرُ مُخْتَلِطٍ .
فَالْأَوَّلُ : نَجِسٌ لَا طَرِيقَ إِلَى تَطْهِيرِهِ ، لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ . فَإِنْ طُبِخَ ، فَالْمَذْهَبُ - وَهُوَ الْجَدِيدُ - أَنَّهُ عَلَى نَجَاسَتِهِ . وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ : أَنَّ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ تَطْهُرُ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ ، بِالشَّمْسِ ، وَالرِّيحِ ، وَمُرُورِ الزَّمَنِ . فَخَرَّجَ أَبُو زَيْدٍ ، وَالْخُضَرِيُّ ، وَآخَرُونَ مِنْهُ قَوْلًا : إِنَّ النَّارَ تُؤَثِّرُ ، فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ بِالطَّبْخِ . فَعَلَى الْجَدِيدِ : لَوْ غُسِلَ ، لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالْقَفَّالُ : يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ .
30 وَأَمَّا غَيْرُ الْمُخْتَلِطِ ، كَالْمَعْجُونِ بِمَاءٍ نَجِسٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، وَيَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُنْقَعَ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ ، كَالْعَجِينِ بِمَائِعٍ نَجِسٍ . هَذَا إِنْ لَمْ يُطْبَخْ ، فَإِنْ طُبِخَ ، طَهُرَ - عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي زَيْدٍ - ظَاهِرُهُ ، وَكَذَا بَاطِنُهُ ، عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ ، فَهُوَ عَلَى نَجَاسَتِهِ ، وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُدَقَّ حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ، ثُمَّ يُفَاضُ الْمَاءُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الطَّبْخِ رَخْوًا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ ، فَهُوَ كَمَا قَبْلَ الطَّبْخِ .
قُلْتُ : إِذَا أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ شَيْئًا صَقِيلًا ، كَسَيْفٍ ، وَسِكِّينٍ ، وَمِرْآةٍ ، لَمْ يَطْهُرْ بِالْمَسْحِ عِنْدَنَا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا . وَلَوْ سُقِيَتْ سِكِّينٌ مَاءً نَجِسًا ، ثُمَّ غَسَلَهَا ، طَهُرَ ظَاهِرُهَا . وَهَلْ يَطْهُرُ بَاطِنُهَا بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ ، أَمْ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَسْقِيَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً بِمَاءٍ طَهُورٍ ؟ وَجْهَانِ .
وَلَوْ طُبِخَ لَحْمٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ ، صَارَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ نَجِسًا ، وَفِي كَيْفِيَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يُغْسَلُ ثُمَّ يُعْصَرُ ، كَالْبِسَاطِ . وَالثَّانِي : يُشْتَرَطُ أَنْ يُغْلَى بِمَاءٍ طَهُورٍ .
وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَالْمُتَوَلِّي ، فِي مَسْأَلَتَيِ السِّكِّينِ وَاللَّحْمِ : بِأَنَّهُ يَجِبُ سَقْيُهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَإِغْلَاؤُهُ . وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِالْغَسْلِ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ( الْأُمِّ ) فِي ( بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ) : لَوْ أَحَمَى حَدِيدَةً ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا سُمًّا نَجِسًا ، أَوْ غَمَسَهَا فِيهِ فَشَرِبَتْهُ ، ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ ; طَهُرَتْ ، لِأَنَّ الطَّهَارَاتِ كُلَّهَا إِنَّمَا جُعِلَتْ مَا يَظْهَرُ ، لَيْسَ عَلَى الْأَجْوَافِ . هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ .
قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَإِذَا شَرَطْنَا سَقْيَ السِّكِّينِ ، جَازَ أَنْ يُقْطَعَ بِهَا الْأَشْيَاءُ الرَّطْبَةُ قَبْلَ السَّقْيِ ، كَمَا يُقْطَعُ الْيَابِسَةُ . وَلَوْ أَصَابَتِ الزِّئْبَقَ نَجَاسَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَطَّعْ ; طَهُرَ 31 بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَقَطَّعْ ، كَالدُّهْنِ ، لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ . وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَمْ يَعْصِ بِالتَّلَطُّخِ بِهَا فِي بَدَنِهِ ، لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا . وَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ بِهَا .
قَالَ الْمُتَوَلِّي ، وَغَيْرُهُ : لِلْمَاءِ قُوَّةٌ عِنْدَ الْوُرُودِ عَلَى النَّجَاسَةِ ، فَلَا يَنْجُسُ بِمُلَاقَاتِهَا ، بَلْ يَبْقَى مُطَهَّرًا ، فَلَوْ صَبَّهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبٍ فَانْتَشَرَتِ الرُّطُوبَةُ فِي الثَّوْبِ ، لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَوْضِعِ الرُّطُوبَةِ ، وَلَوْ صُبَّ الْمَاءُ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ ، فَهُوَ طَهُورٌ . فَإِذَا أَدَارَهُ عَلَى جَوَانِبِهِ ، طَهُرَتِ الْجَوَانِبُ كُلُّهَا . قَالَ : وَلَوْ غُسِلَ ثَوْبٌ عَنْ نَجَاسَةٍ ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ عَقِبَ عَصْرِهِ . هَلْ يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الثَّوْبِ ، أَمْ يَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ ؟ وَجْهَانِ : الصَّحِيحُ : الثَّانِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
الْوَاجِبُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْغَسْلُ ، إِلَّا فِي بَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ ، وَلَمْ يَشْرَبْ سِوَى اللَّبَنِ ، فَيَكْفِي فِيهِ الرَّشُّ ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِصَابَةِ الْمَاءِ جَمِيعَ مَوْضِعِ الْبَوْلِ . ثُمَّ لَا يُرَادُّهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ ، الْأُولَى : النَّضْحُ الْمُجَرَّدُ . الثَّانِيَةُ : النَّضْحُ مَعَ الْغَلَبَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ . الثَّالِثَةُ : أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ السَّيَلَانُ ، فَلَا حَاجَةَ فِي الرَّشِّ إِلَى الثَّالِثَةِ قَطْعًا ، وَيَكْفِي الْأُولَى عَلَى وَجْهٍ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَلَا يَلْحَقُ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ ; بَوْلُ الصَّبِيَّةِ ؟ بَلْ يَتَعَيَّنُ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ .
قُلْتُ : وَفِي ( التَّتِمَّةِ ) وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّ الصَّبِيَّ ، كَالصَّبِيَّةِ ، فَيَجِبُ الْغَسْلُ .
قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَبَوْلُ الْخُنْثَى كَالْأُنْثَى مِنْ أَيِّ فَرْجَيْهِ خَرَجَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ
النَّجِسُ ضَرْبَانِ : نَجِسُ الْعَيْنِ ، وَغَيْرُهُ ، فَنَجِسُ الْعَيْنِ : لَا يَطْهُرُ بِحَالٍ ، إِلَّا الْخَمْرَ ، فَتَطْهُرُ بِالتَّخَلُّلِ ، وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ . وَالْعَلَقَةَ وَالْمُضْغَةَ وَالدَّمَ الَّذِي هُوَ حَشْوُ الْبَيْضَةِ ، 28 إِذَا نَجَّسْنَا الثَّلَاثَةَ فَاسْتَحَالَتْ حَيَوَانَاتٍ . وَأَمَّا غَيْرُ نَجِسِ الْعَيْنِ ، فَضَرْبَانِ : نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ ، وَحُكْمِيَّةٌ ، فَالْحُكْمِيَّةُ : هِيَ الَّتِي تَيَقَّنَ وُجُودَهَا وَلَا تُحَسُّ ، كَالْبَوْلِ إِذَا جَفَّ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ رَائِحَةٌ وَلَا أَثَرٌ ، فَيَكْفِي إِجْرَاءُ الْمَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا مَرَّةً ، وَيُسَنُّ ثَانِيَةً ، وَثَالِثَةً . وَأَمَّا الْعَيْنِيَّةُ : فَلَا بُدَّ مِنْ مُحَاوَلَةِ إِزَالَةِ مَا وُجِدَ مِنْهَا مِنْ طَعْمٍ ، وَلَوْنٍ ، وَرِيحٍ ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَبَقِيَ طَعْمٌ ، لَمْ يَطْهُرْ ، وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَحْدَهُ وَهُوَ سَهْلُ الْإِزَالَةِ ، لَمْ يَطْهُرْ . وَإِنْ كَانَ عُسْرُهَا ، كَدَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ، وَرُبَّمَا لَا يَزُولُ بَعْدَ الْمُبَالَغَةِ ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِالْحَتِّ وَالْقَرْصِ ، طَهُرَ . وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ ، وَالْحَتُّ وَالْقَرْصُ لَيْسَا بِشَرْطٍ ، بَلْ مُسْتَحَبَّانِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : هُمَا شَرْطٌ ، وَإِنْ بَقِيَتِ الرَّائِحَةُ وَحْدَهَا وَهِيَ عَسِرَةُ الْإِزَالَةِ ، كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ ، فَقَوْلَانِ . وَقِيلَ : وَجْهَانِ . أَظْهَرُهُمَا يَطْهُرُ . وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ مَعًا ، لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ ، ثُمَّ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ ، إِنَّ مَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ مَعَ بَقَاءِ لَوْنٍ أَوْ رَائِحَةٍ ، فَهُوَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ .
وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ فِي ( التَّتِمَّةِ ) ثُمَّ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ يُسَنُّ غَسْلُهُ ، ثَانِيَةً ، وَثَالِثَةً ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُصُولِ الطَّهَارَةِ عَصْرُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَصَحِّ ، بِنَاءً عَلَى طَهَارَةِ الْغُسَالَةِ . وَإِنْ قُلْنَا بِالضَّعِيفِ : إِنَّ الْعَصْرَ شَرْطٌ ، قَامَ مَقَامَهُ الْجَفَافُ عَلَى الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي زَوَالِ الْمَاءِ .
فَرْعٌ
مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ بِالْعَصْرِ أَوْ دُونَهُ : هُوَ فِيمَا إِذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى الْمَحَلِّ ، أَمَّا إِذَا وَرَدَ الْمَاءُ الْمَحَلَّ النَّجِسَ ، كَالثَّوْبِ يُغْمَسُ فِي إِجَّانَةٍ فِيهَا مَاءٌ وَيُغْسَلُ فِيهَا ، فَفِيهِ وَجْهَانِ : الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ : لَا يَطْهُرُ ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يَطْهُرُ ، وَلَوْ أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِيهِ وَالْمَاءُ دُونَ قُلَّتَيْنِ ، نَجُسَ الْمَاءُ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ .
29 فَرْعٌ
إِذَا أَصَابَ الْأَرْضَ بَوْلٌ فَصُبَّ عَلَيْهَا مَاءٌ غَمَرَهُ وَاسْتُهْلِكَ فِيهِ ، طَهُرَتْ بَعْدَ نُضُوبِ الْمَاءِ ، وَقَبْلَهُ وَجْهَانِ . إِنْ قُلْنَا : الْعَصْرُ لَا يَجِبُ ، طَهُرَتْ . وَإِنْ قُلْنَا : وَاجِبٌ ، لَمْ يَطْهُرْ . فَعَلَى هَذَا لَا يَتَوَقَّفُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْجَفَافِ ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَغِيضَ الْمَاءُ كَالثَّوْبِ الْمَعْصُورِ .
وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الْمَصْبُوبُ غَامِرًا لِلنَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ سَبْعَةَ أَضْعَافِ الْبَوْلِ ، وَقِيلَ : يُشْتَرَطُ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْوَاحِدِ ذَنُوبٌ ، وَعَلَى بَوْلِ الِاثْنَيْنِ ذَنُوبَانِ ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا ، ثُمَّ الْخَمْرُ ، وَسَائِرُ النَّجَاسَاتِ الْمَائِعَةِ كَالْبَوْلِ ، يَطْهُرُ الْأَرْضُ عَنْهَا بِغَمْرِ الْمَاءِ بِلَا تَقْدِيرٍ عَلَى الْمَذْهَبِ .
فَرْعٌ
اللَّبَنُ النَّجِسُ : ضَرْبَانِ . مُخْتَلِطٌ بِنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ ، كَالرَّوْثِ وَعِظَامِ الْمَيْتَةِ ، وَغَيْرُ مُخْتَلِطٍ .
فَالْأَوَّلُ : نَجِسٌ لَا طَرِيقَ إِلَى تَطْهِيرِهِ ، لِعَيْنِ النَّجَاسَةِ . فَإِنْ طُبِخَ ، فَالْمَذْهَبُ - وَهُوَ الْجَدِيدُ - أَنَّهُ عَلَى نَجَاسَتِهِ . وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلٌ : أَنَّ الْأَرْضَ النَّجِسَةَ تَطْهُرُ بِزَوَالِ النَّجَاسَةِ ، بِالشَّمْسِ ، وَالرِّيحِ ، وَمُرُورِ الزَّمَنِ . فَخَرَّجَ أَبُو زَيْدٍ ، وَالْخُضَرِيُّ ، وَآخَرُونَ مِنْهُ قَوْلًا : إِنَّ النَّارَ تُؤَثِّرُ ، فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ بِالطَّبْخِ . فَعَلَى الْجَدِيدِ : لَوْ غُسِلَ ، لَمْ يَطْهُرْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَالْقَفَّالُ : يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ .
30 وَأَمَّا غَيْرُ الْمُخْتَلِطِ ، كَالْمَعْجُونِ بِمَاءٍ نَجِسٍ ، أَوْ بَوْلٍ ، فَيَطْهُرُ ظَاهِرُهُ بِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، وَيَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُنْقَعَ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ ، كَالْعَجِينِ بِمَائِعٍ نَجِسٍ . هَذَا إِنْ لَمْ يُطْبَخْ ، فَإِنْ طُبِخَ ، طَهُرَ - عَلَى تَخْرِيجِ أَبِي زَيْدٍ - ظَاهِرُهُ ، وَكَذَا بَاطِنُهُ ، عَلَى الْأَظْهَرِ ، وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ ، فَهُوَ عَلَى نَجَاسَتِهِ ، وَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ ، وَإِنَّمَا يَطْهُرُ بَاطِنُهُ بِأَنْ يُدَقَّ حَتَّى يَصِيرَ تُرَابًا ، ثُمَّ يُفَاضُ الْمَاءُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الطَّبْخِ رَخْوًا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ ، فَهُوَ كَمَا قَبْلَ الطَّبْخِ .
قُلْتُ : إِذَا أَصَابَتِ النَّجَاسَةُ شَيْئًا صَقِيلًا ، كَسَيْفٍ ، وَسِكِّينٍ ، وَمِرْآةٍ ، لَمْ يَطْهُرْ بِالْمَسْحِ عِنْدَنَا ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهَا . وَلَوْ سُقِيَتْ سِكِّينٌ مَاءً نَجِسًا ، ثُمَّ غَسَلَهَا ، طَهُرَ ظَاهِرُهَا . وَهَلْ يَطْهُرُ بَاطِنُهَا بِمُجَرَّدِ الْغَسْلِ ، أَمْ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَسْقِيَهَا مَرَّةً ثَانِيَةً بِمَاءٍ طَهُورٍ ؟ وَجْهَانِ .
وَلَوْ طُبِخَ لَحْمٌ بِمَاءٍ نَجِسٍ ، صَارَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ نَجِسًا ، وَفِي كَيْفِيَّةِ طَهَارَتِهِ وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : يُغْسَلُ ثُمَّ يُعْصَرُ ، كَالْبِسَاطِ . وَالثَّانِي : يُشْتَرَطُ أَنْ يُغْلَى بِمَاءٍ طَهُورٍ .
وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَالْمُتَوَلِّي ، فِي مَسْأَلَتَيِ السِّكِّينِ وَاللَّحْمِ : بِأَنَّهُ يَجِبُ سَقْيُهَا مَرَّةً ثَانِيَةً وَإِغْلَاؤُهُ . وَاخْتَارَ الشَّاشِيُّ الِاكْتِفَاءَ بِالْغَسْلِ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي ( الْأُمِّ ) فِي ( بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ) : لَوْ أَحَمَى حَدِيدَةً ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا سُمًّا نَجِسًا ، أَوْ غَمَسَهَا فِيهِ فَشَرِبَتْهُ ، ثُمَّ غُسِلَتْ بِالْمَاءِ ; طَهُرَتْ ، لِأَنَّ الطَّهَارَاتِ كُلَّهَا إِنَّمَا جُعِلَتْ مَا يَظْهَرُ ، لَيْسَ عَلَى الْأَجْوَافِ . هَذَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ .
قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَإِذَا شَرَطْنَا سَقْيَ السِّكِّينِ ، جَازَ أَنْ يُقْطَعَ بِهَا الْأَشْيَاءُ الرَّطْبَةُ قَبْلَ السَّقْيِ ، كَمَا يُقْطَعُ الْيَابِسَةُ . وَلَوْ أَصَابَتِ الزِّئْبَقَ نَجَاسَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَطَّعْ ; طَهُرَ 31 بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ ، وَإِنْ تَقَطَّعْ ، كَالدُّهْنِ ، لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ . وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَمْ يَعْصِ بِالتَّلَطُّخِ بِهَا فِي بَدَنِهِ ، لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا . وَيُسْتَحَبُّ الْمُبَادَرَةُ بِهَا .
قَالَ الْمُتَوَلِّي ، وَغَيْرُهُ : لِلْمَاءِ قُوَّةٌ عِنْدَ الْوُرُودِ عَلَى النَّجَاسَةِ ، فَلَا يَنْجُسُ بِمُلَاقَاتِهَا ، بَلْ يَبْقَى مُطَهَّرًا ، فَلَوْ صَبَّهُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ مِنْ ثَوْبٍ فَانْتَشَرَتِ الرُّطُوبَةُ فِي الثَّوْبِ ، لَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَةِ مَوْضِعِ الرُّطُوبَةِ ، وَلَوْ صُبَّ الْمَاءُ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ ، فَهُوَ طَهُورٌ . فَإِذَا أَدَارَهُ عَلَى جَوَانِبِهِ ، طَهُرَتِ الْجَوَانِبُ كُلُّهَا . قَالَ : وَلَوْ غُسِلَ ثَوْبٌ عَنْ نَجَاسَةٍ ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ عَقِبَ عَصْرِهِ . هَلْ يَجِبُ غَسْلُ جَمِيعِ الثَّوْبِ ، أَمْ يَكْفِي غَسْلُ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ ؟ وَجْهَانِ : الصَّحِيحُ : الثَّانِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
الْوَاجِبُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْغَسْلُ ، إِلَّا فِي بَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ ، وَلَمْ يَشْرَبْ سِوَى اللَّبَنِ ، فَيَكْفِي فِيهِ الرَّشُّ ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إِصَابَةِ الْمَاءِ جَمِيعَ مَوْضِعِ الْبَوْلِ . ثُمَّ لَا يُرَادُّهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ ، الْأُولَى : النَّضْحُ الْمُجَرَّدُ . الثَّانِيَةُ : النَّضْحُ مَعَ الْغَلَبَةِ وَالْمُكَاثَرَةِ . الثَّالِثَةُ : أَنْ يَنْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ السَّيَلَانُ ، فَلَا حَاجَةَ فِي الرَّشِّ إِلَى الثَّالِثَةِ قَطْعًا ، وَيَكْفِي الْأُولَى عَلَى وَجْهٍ ، وَيَحْتَاجُ إِلَى الثَّانِيَةِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَلَا يَلْحَقُ بِبَوْلِ الصَّبِيِّ ; بَوْلُ الصَّبِيَّةِ ؟ بَلْ يَتَعَيَّنُ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ .
قُلْتُ : وَفِي ( التَّتِمَّةِ ) وَجْهٌ شَاذٌّ : أَنَّ الصَّبِيَّ ، كَالصَّبِيَّةِ ، فَيَجِبُ الْغَسْلُ .
قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَبَوْلُ الْخُنْثَى كَالْأُنْثَى مِنْ أَيِّ فَرْجَيْهِ خَرَجَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith