روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
الصفحة 858 · ص. المطبوع 331
الْحُكْمُ الرَّابِعُ : الْجَوَازُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَزْلُ . وَلِارْتِفَاعِهَا أَسْبَابٌ .
الْأَوَّلُ : أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ بِقَوْلِهِ : عَزَلْتُهُ ، أَوْ رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ ، أَوْ فَسَخْتُهَا ، أَوْ أَبْطَلْتُهَا ، أَوْ أَخْرَجْتُهُ عَنْهَا ، فَيَنْعَزِلُ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ تَوْكِيلَهُ ، أَوْ وَكَّلَهُ بِسُؤَالِ الْخَصْمِ ، بِأَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يُوَكِّلَ فِي الطَّلَاقِ ، أَوِ الْخُلْعِ ، أَوِ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يُوَكِّلَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ ، أَوْ سَأَلَهُ خَصْمُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ . وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِ الْعَزْلِ إِلَيْهِ ؟ قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : يَنْعَزِلُ . فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ ، فَالْمُعْتَبَرُ خَبَرُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ ، دُونَ الصَّبِيِّ وَالْفَاسِقِ . وَإِذَا قُلْنَا : يَنْعَزِلُ ، فَيَنْبَغِي لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْعَزْلِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ : كُنْتَ عَزَلْتَهُ ، لَا يُقْبَلُ .
الثَّانِي : إِذَا قَالَ الْوَكِيلُ : عَزَلْتُ نَفْسِي ، أَوْ أَخْرَجْتُهَا عَنِ الْوَكَالَةِ ، أَوْ رَدَدْتُهَا ، انْعَزَلَ قَطْعًا ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ . وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إِنْ كَانَتْ صِيغَةُ الْمُوَكِّلِ : بِعْ وَأَعْتِقْ وَنَحْوَهُمَا مِنْ صِيَغِ الْأَمْرِ ، لَمْ يَنْعَزِلْ بِرَدِّ الْوَكَالَةِ ، وَعَزْلِهِ نَفْسَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذْنٌ وَإِبَاحَةٌ ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَبَاحَهُ الطَّعَامَ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْمُبَاحِ لَهُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي انْعِزَالِهِ بِعَزْلِ نَفْسِهِ حُصُولُ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ .
الثَّالِثُ : يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِخُرُوجِهِ ، أَوْ خُرُوجِ الْمُوَكِّلِ عَنْ أَهْلِيَّةِ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ بِالْمَوْتِ أَوِ الْجُنُونِ . وَفِي وَجْهٍ : لَا يَنْعَزِلُ بِجُنُونٍ لَا يَمْتَدُّ ، بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ الْمُهِمَّاتُ . وَيَخْرُجُ إِلَى نَصْبِ قَوَّامٍ . وَالْإِغْمَاءِ ، كَالْجُنُونِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَالثَّانِي : لَا يَنْعَزِلُ بِهِ ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ ، وَالْغَزَالِيُّ فِي " الْوَسِيطِ " ؛ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَلْتَحِقُ بِمَنْ تُوُلِّيَ عَلَيْهِ . وَالْمُعْتَبَرُ فِي الِانْعِزَالِ الْتِحَاقُ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ بِمَنْ تُوُلِّيَ عَلَيْهِ . وَفِي مَعْنَى الْجُنُونِ ، الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ ، أَوْ فَلْسٍ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يَنْفُذُ مِنْهُمَا . وَكَذَا لَوْ طَرَأَ الرِّقُّ ، 331 بِأَنْ وَكَّلَ حَرْبِيًّا ، ثُمَّ اسْتَرَقَّ . وَإِذَا جُنَّ الْمُوَكِّلُ ، انْعَزَلَ الْوَكِيلُ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ قَطْعًا ، بِخِلَافِ الْعَزْلِ .
الرَّابِعُ : خُرُوجُ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ ، بِأَنْ بَاعَ الْمُوَكِّلُ مَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ . فَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِهِ . ثُمَّ آجَرَهُ ، قَالَ فِي " التَّتِمَّةِ " : يَنْعَزِلُ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إِنْ مَنَعَتِ الْبَيْعَ ، لَمْ يُبْقِ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ ، وَإِلَّا فَهِيَ عَلَامَةُ النَّدَمِ ؛ لِأَنَّ مَنْ يُرِيدُ الْبَيْعَ لَا يُؤَاجِرُ لِقِلَّةِ الرَّغَبَاتِ . وَتَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ عَزْلٌ . وَفِي طَحْنِ الْحِنْطَةِ وَجْهَانِ .
وَجْهُ الِانْعِزَالِ ، بُطْلَانُ اسْمِ الْحِنْطَةِ . وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ وَتَوْكِيلُ وَكِيلٍ آخَرَ ، فَلَيْسَ بِعَزْلٍ قَطْعًا .
الْخَامِسُ : لَوْ وَكَّلَ عَبْدَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ تَصَرُّفٍ آخَرَ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ ، فَفِي انْعِزَالِهِ أَوْجُهٌ . ثَالِثُهَا : أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ : وَكَّلْتُكَ ، بَقِيَ الْإِذْنُ . وَإِنْ كَانَتْ : بِعْ ، أَوْ نَحْوَهُ ، ارْتَفَعَ . وَالْكِتَابَةُ كَالْبَيْعِ . وَعَبْدُ غَيْرِهِ كَعَبْدِهِ . وَإِذَا حَكَمْنَا بِبَقَاءِ الْإِذْنِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ ، لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُ الْمُشْتَرِي ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ صَارَتْ لَهُ . فَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ ، نَفَذَ تَصَرُّفُهُ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ وَإِنْ عَصَى ، قَالَ الْإِمَامُ : وَفِيهِ احْتِمَالٌ .
قُلْتُ : لَمْ يُصَحِّحِ الرَّافِعِيُّ شَيْئًا مِنَ الْخِلَافُ فِي انْعِزَالِهِ ، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ الْجُمْهُورُ . وَقَدْ صَحَّحَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ انْعِزَالَهُ . وَقَطَعَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ . وَأَمَّا عَبْدُ غَيْرِهِ ، فَطَرَدَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ مُتَابَعَةً لِصَاحِبِ " التَّهْذِيبِ " . وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ ، وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ : الْقَطْعُ بِبَقَائِهِ . قَالَ صَاحِبُ " الْبَيَانِ " : وَالْخِلَافُ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ ، هُوَ فِيمَا إِذَا أَمَرَهُ السَّيِّدُ لِيَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ . فَأَمَّا إِنْ قَالَ : إِنْ شِئْتَ فَتَوَكَّلْ لِفُلَانٍ ، وَإِلَّا فَلَا تَتَوَكَّلْ ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ ، فَلَا يَنْعَزِلُ قَطْعًا كَالْأَجْنَبِيِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
السَّادِسُ : لَوْ جَحَدَ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَزْلًا ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ ، أَصَحُّهَا : ثَالِثُهَا : إِنْ كَانَ لِنِسْيَانٍ أَوْ غَرَضٍ فِي الْإِخْفَاءِ ، لَمْ يَكُنْ عَزْلًا ، وَإِنْ تَعَمَّدَ 332 وَلَا عَرْضَ فِي الْإِخْفَاءِ ، انْعَزَلَ . وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُوَكَّلُ التَّوْكِيلَ ، فَفِي انْعِزَالِهِ الْأَوْجُهُ .
قُلْتُ : وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ ، لَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ ، فَعَزَلَ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنَهِ ، فَوَجْهَانِ فِي " الْحَاوِي " " وَالْمُسْتَظْهِرِيِّ " ، أَصَحُّهُمَا : لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُمَيِّزَ ، لِلشَّكِّ فِي أَهْلِيَّتِهِ . وَالثَّانِي : لِكُلٍّ التَّصَرُّفُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ تَصَرُّفِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
مَتَى قُلْنَا : الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ ، أَرَدْنَا الْخَالِيَةَ عَنِ الْجَعْلِ . فَأَمَّا إِذَا شُرِطَ فِيهَا جَعْلٌ مَعْلُومٌ ، وَاجْتَمَعَتْ شَرَائِطُ الْإِجَارَةِ ، وَعُقِدَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ ، فَهِيَ لَازِمَةٌ . وَإِنَّ عُقِدَ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ ، أَمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِصِيَغِ الْعُقُودِ ، أَمْ بِمَعَانِيهَا ؟
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث