روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
page 891 · printed p. 371
371 الْبَابُ الثَّانِي فِي الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ
يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمُجْمَلِ ، وَهُوَ الْمَجْهُولُ لِلْحَاجَةِ . وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً ، أَوْ جَوَابًا عَنْ دَعْوَى مَعْلُومَةٍ ، بِأَنْ قَالَ : لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ ، فَقَالَ : لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ . وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا الْجَهَالَةُ لَا تَنْحَصِرُ . وَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ ، لِيُعْرَفَ وَيُقَاسَ عَلَيهِ غَيْرُهُ ، وَأَلْفَاظُ الْبَابِ سَبْعَةُ أَضْرُبٍ .
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ : شَيْءٌ . فَإِذَا قَالَ : لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ ، طَلَبْنَا تَفْسِيرَهُ . فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يُتَمَوَّلُ ، قُبِلَ ، كَثُرَ أَمْ قَلَّ ، كَرَغِيفٍ ، وَفِلْسٍ ، وَتَمْرَةٍ حَيْثُ يَكُونُ لَهَا قِيمَةٌ . وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ ، لَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَمَوَّلُ ، كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ ، أَوْ شَعِيرٍ ، أَوْ قُمْعِ بَاذِنْجَانَةٍ ، فَوَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ ، كَمَا لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِهِ . وَأَصَحُّهُمَا : الْقَبُولُ ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَحْرُمُ أَخْذُهُ ، وَيَجِبُ عَلَى آخِذِهِ رَدُّهُ ، وَقَوْلُهُمْ : لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِهِ ، مَمْنُوعٌ . وَالتَّمْرَةُ أَوِ الزَّبِيبَةُ حَيْثُ لَا قِيمَةَ لَهَا ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ . وَقِيلَ : يُقْبَلُ قَطْعًا . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَمَوَّلُ ، فَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ اقْتِنَاؤُهُ لِمَنْفَعَتِهِ ، وَإِمَّا لَا . فَالْأَوَّلُ : كَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ ، وَالسَّرْجَيْنِ ، وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْقَابِلِ لِلدِّبَاغِ ، وَالْكَلْبِ الْقَابِلِ لِلتَّعْلِيمِ ، وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ ، فَيُقْبَلُ التَّفْسِيرُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَأَمَّا الثَّانِي : فَكَالْخِنْزِيرِ ، وَجِلْدِ الْكَلْبِ ، وَالْكَلْبِ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ ، وَالْخَمْرِ غَيْرِ الْمُحْتَرَمَةِ ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَلَوْ فَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ ، قُبِلَ عَلَى الصَّحِيحِ ؛ لِأَنَّ عَلَيهِ رَدَّهَا عِنْدَ الطَّلَبِ ، وَقَدْ يَتَعَدَّى فَتَصِيرُ مَضْمُونَةً ، وَقِيلَ : لَا ، لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ ، 372 لَا عَلَيهِ . وَلَوْ فَسَّرَ بِحَقِّ الشُّفْعَةِ ، قُبِلَ . وَلَوْ فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ وَالْعِيَادَةِ ، لَمْ يُقْبَلْ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَلَوْ قَالَ : لَهُ حَقٌّ ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِهِمَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ .
قُلْتُ : وَلَوْ فَسَّرَ الشَّيْءَ بِحَدِّ قَذْفٍ ، قُبِلَ عَلَى الْأَصَحِّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ : غَصَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ مَا يُقْبَلُ فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ إِذَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ ، احْتِرَازًا مِنَ الْوَدِيعَةِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ ، وَيُقْبَلُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ، نَصَّ عَلَيهِ فِي " الْأُمِّ " ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يُشْعِرُ بِالْتِزَامٍ وَثُبُوتِ مَالٍ ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْأَخْذَ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : عَلَيَّ . وَلَوْ قَالَ : لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ ، وَفَسَّرَ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ ، قُبِلَ عَلَى الصَّحِيحِ .
قُلْتُ : قَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ قَالَ : غَصَبْتُكَ ، أَوْ غَصَبْتُكَ مَا تَعْلَمُ ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ ، فَيَحْبِسُهُ . وَلَوْ قَالَ : غَصَبْتُكَ شَيْئًا ، ثُمَّ قَالَ : أَرَدْتُ نَفْسَكَ ، لَمْ يُقْبَلْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith