روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
فَصْلٌ
إِعَارَةُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ ، ضَرْبَانِ : مُطْلَقَةٌ لَمْ يُبَيِّنْ لَهَا مُدَّةً ، وَمُقَيَّدَةٌ بِمُدَّةٍ .
الْأَوَّلُ : الْمُطْلَقَةُ ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ فِيهَا أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ مَا لَمْ يَرْجِعِ الْمُعِيرُ ، فَإِذَا رَجَعَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ . وَلَوْ فَعَلَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالرُّجُوعِ ، قَلَعَ مَجَّانًا ، وَكَلَّفَ تَسْوِيَةَ الْأَرْضِ كَالْغَاصِبِ . وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا ، فَوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا حَمَلَ السَّيْلُ نَوَاةً إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَتْ . وَأَمَّا مَا بُنِيَ وَغُرِسَ قَبْلَ الرُّجُوعِ ، فَإِنْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ يَدْخُلُهُ ، رُفِعَ ، وَإِلَّا فَيُنْظَرُ ، إِنْ شَرَطَ عَلَيهِ الْقَلْعَ مَجَّانًا عِنْدَ رُجُوعِهِ ، وَتَسْوِيَةَ الْحَفْرِ ، لَزِمَهُ ، فَإِنِ امْتَنَعَ ، قَلَعَهُ الْمُعِيرُ مَجَّانًا ، وَإِنْ شَرَطَ الْقَلْعَ دُونَ التَّسْوِيَةِ ، 438 لَمْ تَلْزَمْهُ التَّسْوِيَةُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقَلْعِ رِضًى بِالْحَفْرِ . وَإِنْ لَمْ يَشْرُطِ الْقَلْعَ ، نُظِرَ ، إِنْ أَرَادَهُ الْمُسْتَعِيرُ ، مُكِّنَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَيَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ عَلَى الْأَصَحِّ .
قُلْتُ : كَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ : أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ هُنَا ، مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الِانْتِصَارِ وَغَيْرُهُمَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ . وَلَا يَغْتَرُّ بِتَصْحِيحِ الرَّافِعِيِّ فِي " الْمُحَرَّرِ " : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ ، نَبَّهْتُ عَلَيهِ فِي مُخْتَصَرِ " الْمُحَرَّرِ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ قَلْعُهُ مَجَّانًا ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ ، وَلَكِنْ يَتَخَيَّرُ الْمُعِيرُ . وَفِيمَا يَتَخَيَّرُ ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ . أَحَدُهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ ، وَالْغَزَالِيُّ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ . إِحْدَاهَا : أَنْ يُبْقِيَهِ بِأُجْرَةٍ يَأْخُذُهَا .
وَالثَّانِيَةُ : أَنْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ ، وَهُوَ قَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ قِيمَتِهِ نَابِتًا وَمَقْلُوعًا .
وَالثَّالِثَةُ : أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ ، فَإِنِ اخْتَارَ خَصْلَةً ، أَجْبَرَ عَلَيْهَا الْمُسْتَعِيرَ .
وَالثَّانِي ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ : لَا بُدَّ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ مِنْ رِضَا الْمُسْتَعِيرِ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى إِجَارَةٌ وَالثَّالِثَةَ بَيْعٌ .
وَالثَّالِثُ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ : الْقَلْعِ وَضَمَانِ الْأَرْشِ ، وَالتَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ ، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ . فَعَلَى هَذَا ، لَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ ، وَبَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الْأُجْرَةَ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ الْقَلْعُ مَجَّانًا . وَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ إِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا جَمِيعًا . وَمَا الَّذِي يَفْعَلُ فِيهِ ؟ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ : يَبِيعُ الْحَاكِمُ الْأَرْضَ مَعَ الْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ ، مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ : يُعْرِضُ الْحَاكِمُ عَنْهُمَا إِلَى أَنْ يَخْتَارَا شَيْئًا ، وَيَجُوزُ لِلْمُعِيرِ دُخُولُ الْأَرْضِ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا ، وَالِاسْتِظْلَالُ بِالْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ؛ لِأَنَّهُ جَالِسٌ فِي مِلْكِهِ ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُعِيرِ ، وَيَجُوزُ لِسَقْيِ الْأَشْجَارِ وَإِصْلَاحِ الْجِدَارِ عَلَى الْأَصَحِّ ، صِيَانَةً لِمِلْكِهِ عَنِ 439 الضَّيَاعِ . وَوَجْهُ الْمَنْعِ : أَنَّهُ يَشْغَلُ مِلْكَ غَيْرِهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مِلْكِهِ . وَعَلَى الْأَوَّلِ : لَوْ تَعَطَّلَتِ الْمَنْفَعَةُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ بِدُخُولِهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْأُجْرَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ مِلْكِهِ لِلْآخَرِ ، وَلِلْمُعِيرِ بَيْعُ مِلْكِهِ لِثَالِثٍ ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي تَخَيُّرَ الْمُعِيرِ ، وَهَلْ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ لِثَالِثٍ ؟ وَجْهَانِ .
أَصَحُّهُمَا : الْجَوَازُ . فَعَلَى هَذَا ، يَتَنَزَّلُ الْمُشْتَرِي مَنْزِلَةَ الْمُسْتَعِيرِ ، وَلِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ كَمَا سَبَقَ ، وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ إِنْ جَهِلَ الْحَالَ . وَلَوِ اتَّفَقَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ عَلَى بَيْعِ الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، فَقَدْ قِيلَ : هُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لِهَذَا عَبْدٌ ، وَلِهَذَا عَبْدٌ ، فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَالْمَذْهَبُ : الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِلْحَاجَةِ . ثُمَّ كَيْفَ يُوَزِّعُ الثَّمَنَ هُنَا ، وَفِيمَا إِذَا بَاعَهُمَا الْحَاكِمُ عَلَى أَحَدِ الَوَجْهَيْنِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي : هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا غَرَسَ الرَّاهِنُ الْأَرْضَ الْمَرْهُونَةَ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : يُوَزِّعُ عَلَى الْأَرْضِ مَشْغُولَةً بِالْغِرَاسِ أَوِ الْبِنَاءِ ، وَعَلَى مَا فِيهَا وَحْدَهُ ، فَحِصَّةُ الْأَرْضِ لِلْمُعِيرِ ، وَحِصَّةُ مَا فِيهَا لِلْمُسْتَعِيرِ ، وَحُكْمُ الدُّخُولِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ابْتِدَاءِ الرُّجُوعِ إِلَى الِاخْتِيَارِ ، وَفِيمَا إِذَا امْتَنَعَا مِنَ الِاخْتِيَارِ وَأَعْرَضَ الْقَاضِي عَنْهُمَا - سَوَاءٌ .
الضَّرْبُ الثَّانِي : الْمُقَيَّدَةُ بِمُدَّةٍ . وَلِلْمُسْتَعِيرِ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ فِي الْمُدَّةِ ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْمُعِيرُ ، وَلَهُ أَنْ يُجَدِّدَ كُلَّ يَوْمٍ غَرْسًا ، وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَيْسَ لَهُ إِحْدَاثُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ . وَإِذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ رَجَعَ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ ، لَكِنْ هُنَا وَجْهٌ : أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْمُدَّةِ ، وَقَوْلٌ : أَنَّهُ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، فَلَهُ الْقَلْعُ مَجَّانًا ، نَقَلَهُ السَّاجِيُّ ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ .
وَالْمَذْهَبُ : الْأَوَّلُ .
إِعَارَةُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ ، ضَرْبَانِ : مُطْلَقَةٌ لَمْ يُبَيِّنْ لَهَا مُدَّةً ، وَمُقَيَّدَةٌ بِمُدَّةٍ .
الْأَوَّلُ : الْمُطْلَقَةُ ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ فِيهَا أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ مَا لَمْ يَرْجِعِ الْمُعِيرُ ، فَإِذَا رَجَعَ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ . وَلَوْ فَعَلَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالرُّجُوعِ ، قَلَعَ مَجَّانًا ، وَكَلَّفَ تَسْوِيَةَ الْأَرْضِ كَالْغَاصِبِ . وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا ، فَوَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا حَمَلَ السَّيْلُ نَوَاةً إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَتْ . وَأَمَّا مَا بُنِيَ وَغُرِسَ قَبْلَ الرُّجُوعِ ، فَإِنْ أَمْكَنَ رَفْعُهُ مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ يَدْخُلُهُ ، رُفِعَ ، وَإِلَّا فَيُنْظَرُ ، إِنْ شَرَطَ عَلَيهِ الْقَلْعَ مَجَّانًا عِنْدَ رُجُوعِهِ ، وَتَسْوِيَةَ الْحَفْرِ ، لَزِمَهُ ، فَإِنِ امْتَنَعَ ، قَلَعَهُ الْمُعِيرُ مَجَّانًا ، وَإِنْ شَرَطَ الْقَلْعَ دُونَ التَّسْوِيَةِ ، 438 لَمْ تَلْزَمْهُ التَّسْوِيَةُ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْقَلْعِ رِضًى بِالْحَفْرِ . وَإِنْ لَمْ يَشْرُطِ الْقَلْعَ ، نُظِرَ ، إِنْ أَرَادَهُ الْمُسْتَعِيرُ ، مُكِّنَ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَيَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ عَلَى الْأَصَحِّ .
قُلْتُ : كَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ : أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ هُنَا ، مِنْهُمُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبُ الِانْتِصَارِ وَغَيْرُهُمَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ . وَلَا يَغْتَرُّ بِتَصْحِيحِ الرَّافِعِيِّ فِي " الْمُحَرَّرِ " : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ، فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ ، نَبَّهْتُ عَلَيهِ فِي مُخْتَصَرِ " الْمُحَرَّرِ " . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ قَلْعُهُ مَجَّانًا ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَرَمٌ ، وَلَكِنْ يَتَخَيَّرُ الْمُعِيرُ . وَفِيمَا يَتَخَيَّرُ ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ . أَحَدُهَا ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ ، وَالْغَزَالِيُّ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ . إِحْدَاهَا : أَنْ يُبْقِيَهِ بِأُجْرَةٍ يَأْخُذُهَا .
وَالثَّانِيَةُ : أَنْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ ، وَهُوَ قَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ قِيمَتِهِ نَابِتًا وَمَقْلُوعًا .
وَالثَّالِثَةُ : أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ ، فَإِنِ اخْتَارَ خَصْلَةً ، أَجْبَرَ عَلَيْهَا الْمُسْتَعِيرَ .
وَالثَّانِي ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ : لَا بُدَّ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ مِنْ رِضَا الْمُسْتَعِيرِ ؛ لِأَنَّ الْأُولَى إِجَارَةٌ وَالثَّالِثَةَ بَيْعٌ .
وَالثَّالِثُ : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ خَصْلَتَيْنِ : الْقَلْعِ وَضَمَانِ الْأَرْشِ ، وَالتَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ ، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ وَأَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ ، وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ . فَعَلَى هَذَا ، لَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ ، وَبَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الْأُجْرَةَ ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُعِيرِ الْقَلْعُ مَجَّانًا . وَإِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُخَيَّرُونَ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ إِذَا امْتَنَعَ مِنْهَا جَمِيعًا . وَمَا الَّذِي يَفْعَلُ فِيهِ ؟ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ : يَبِيعُ الْحَاكِمُ الْأَرْضَ مَعَ الْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ لِفَصْلِ الْخُصُومَةِ . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ ، مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ : يُعْرِضُ الْحَاكِمُ عَنْهُمَا إِلَى أَنْ يَخْتَارَا شَيْئًا ، وَيَجُوزُ لِلْمُعِيرِ دُخُولُ الْأَرْضِ ، وَالِانْتِفَاعُ بِهَا ، وَالِاسْتِظْلَالُ بِالْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ ؛ لِأَنَّهُ جَالِسٌ فِي مِلْكِهِ ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُعِيرِ ، وَيَجُوزُ لِسَقْيِ الْأَشْجَارِ وَإِصْلَاحِ الْجِدَارِ عَلَى الْأَصَحِّ ، صِيَانَةً لِمِلْكِهِ عَنِ 439 الضَّيَاعِ . وَوَجْهُ الْمَنْعِ : أَنَّهُ يَشْغَلُ مِلْكَ غَيْرِهِ إِلَى أَنْ يَصِلَ إِلَى مِلْكِهِ . وَعَلَى الْأَوَّلِ : لَوْ تَعَطَّلَتِ الْمَنْفَعَةُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ بِدُخُولِهِ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْأُجْرَةِ ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ مِلْكِهِ لِلْآخَرِ ، وَلِلْمُعِيرِ بَيْعُ مِلْكِهِ لِثَالِثٍ ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي تَخَيُّرَ الْمُعِيرِ ، وَهَلْ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ لِثَالِثٍ ؟ وَجْهَانِ .
أَصَحُّهُمَا : الْجَوَازُ . فَعَلَى هَذَا ، يَتَنَزَّلُ الْمُشْتَرِي مَنْزِلَةَ الْمُسْتَعِيرِ ، وَلِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ كَمَا سَبَقَ ، وَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ إِنْ جَهِلَ الْحَالَ . وَلَوِ اتَّفَقَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ عَلَى بَيْعِ الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، فَقَدْ قِيلَ : هُوَ كَمَا لَوْ كَانَ لِهَذَا عَبْدٌ ، وَلِهَذَا عَبْدٌ ، فَبَاعَاهُمَا بِثَمَنٍ وَاحِدٍ ، وَالْمَذْهَبُ : الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ لِلْحَاجَةِ . ثُمَّ كَيْفَ يُوَزِّعُ الثَّمَنَ هُنَا ، وَفِيمَا إِذَا بَاعَهُمَا الْحَاكِمُ عَلَى أَحَدِ الَوَجْهَيْنِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي : هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا غَرَسَ الرَّاهِنُ الْأَرْضَ الْمَرْهُونَةَ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : يُوَزِّعُ عَلَى الْأَرْضِ مَشْغُولَةً بِالْغِرَاسِ أَوِ الْبِنَاءِ ، وَعَلَى مَا فِيهَا وَحْدَهُ ، فَحِصَّةُ الْأَرْضِ لِلْمُعِيرِ ، وَحِصَّةُ مَا فِيهَا لِلْمُسْتَعِيرِ ، وَحُكْمُ الدُّخُولِ وَالِانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي ابْتِدَاءِ الرُّجُوعِ إِلَى الِاخْتِيَارِ ، وَفِيمَا إِذَا امْتَنَعَا مِنَ الِاخْتِيَارِ وَأَعْرَضَ الْقَاضِي عَنْهُمَا - سَوَاءٌ .
الضَّرْبُ الثَّانِي : الْمُقَيَّدَةُ بِمُدَّةٍ . وَلِلْمُسْتَعِيرِ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ فِي الْمُدَّةِ ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْمُعِيرُ ، وَلَهُ أَنْ يُجَدِّدَ كُلَّ يَوْمٍ غَرْسًا ، وَبَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لَيْسَ لَهُ إِحْدَاثُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ . وَإِذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ الْمُدَّةِ أَوْ بَعْدَهُ ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ رَجَعَ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ ، لَكِنْ هُنَا وَجْهٌ : أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْمُدَّةِ ، وَقَوْلٌ : أَنَّهُ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْمُدَّةِ ، فَلَهُ الْقَلْعُ مَجَّانًا ، نَقَلَهُ السَّاجِيُّ ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ .
وَالْمَذْهَبُ : الْأَوَّلُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث