روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الخامس
الصفحة 950 · ص. المطبوع 33
فَصْلٌ
النَّقْصُ الْحَادِثُ فِي الْمَغْصُوبِ ، ضَرْبَانِ :
أَحَدُهُمَا : مَا لَا سِرَايَةَ لَهُ ، فَعَلَى الْغَاصِبِ أَرْشُهُ وَرَدُّ الْبَاقِي ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَرْشُ قَدْرَ الْقِيمَةِ كَقَطْعِ يَدَيِ الْعَبْدِ أَوْ دُونَهَا وَلَا بَيْنَ أَنْ تَفُوتَ مُعْظَمُ مَنَافِعِهِ أَوْ لَا تَفُوتَ ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَبْطُلَ بِالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْأَوَّلُ كَذَبْحِ الشَّاةِ 33 وَطَحْنِ الْحِنْطَةِ ، وَتَمْزِيقِ الثَّوْبِ ، أَوْ لَا يَبْطُلَ . فَلَوْ أَرَادَ الْمَالِكُ تَرْكَ النَّاقِصِ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَتَغْرِيمَهُ بَدَلَهُ ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكِهِ . وَفِي وَجْهٍ : إِذَا طَحَنَ الطَّعَامَ ، فَلَهُ تَرْكُهُ وَطَلَبُ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى حَقِّهِ مِنَ الدَّقِيقِ .
الضَّرْبُ الثَّانِي : مَا لَهُ سِرَايَةٌ ، لَا يَزَالُ يَسْرِي إِلَى الْهَلَاكِ الْكُلِّيِّ ، كَمَا لَوْ بَلَّ الْحِنْطَةَ وَتَمَكَّنَ فِيهَا الْعَفَنُ السَّارِي ، أَوِ اتَّخَذَ مِنْهَا هَرِيسَةً ، أَوْ غَصَبَ سَمْنًا وَتَمْرًا وَدَقِيقًا وَعَمِلَهُ عَصِيدَةً ، وَفِيهِ نُصُوصٌ وَطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ تَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ مَنْصُوصَةٍ . أَظْهَرُهَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ : يُجْعَلُ كَالْهَالِكِ وَيَغْرَمُ بَدَلَ كُلِّ مَغْصُوبٍ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ . وَالثَّانِي : يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ إِلَّا ذَلِكَ ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ . وَالثَّالِثُ : يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ بَيْنَ مُوجَبِ الْقَوْلَيْنِ ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ ، وَالْمَسْعُودِيُّ . وَالرَّابِعُ : يَتَخَيَّرُ الْغَاصِبُ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهُ وَيَغْرَمَهُ ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ .
قُلْتُ : رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ الْأَوَّلَ أَيْضًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَعَلَى الْأَوَّلِ : لِمَنْ تَكُونُ الْحِنْطَةُ الْمَبْلُولَةُ ؟ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الْمُتَوَلِّي . أَحَدُهُمَا : تَبْقَى لِلْمَالِكِ كَمَا لَوْ نَجَّسَ زَيْتَهُ وَقُلْنَا : لَا يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ، فَإِنَّ الْمَالِكَ أَوْلَى بِهِ . وَالثَّانِي : يَصِيرُ لِلْغَاصِبِ . وَإِذَا حَكَمْنَا بِالْأَرْشِ مَعَ الرَّدِّ ، غَرِمَ أَرْشَ عَيْبٍ سَارٍ . قَالَ الْمُتَوَلِّي : فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يُسَلِّمَ الْجَمِيعَ إِلَيْهِ فَعَلَ ، وَإِنْ رَأَى يُسَلِّمُ أَرْشَ النَّقْصِ الْمُتَحَقَّقِ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ وَوَقْفَ الزِّيَادَةِ إِلَى أَنْ تَتَيَقَّنَ نِهَايَتُهُ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ أَرْشِ الْعَيْبِ السَّارِي أَرْشُ عَيْبٍ شَأْنُهُ السِّرَايَةُ ، وَهُوَ حَاصِلٌ 34 فِي الْحَالِ . أَمَّا الْمُتَوَلَّدُ مِنْهُ ، فَيَجِبُ قَطْعُ النَّظَرِ عَنْهُ ، إِذِ الْكَلَامُ فِي نَقْصٍ لَا تَقِفُ سِرَايَتُهُ إِلَى الْهَلَاكِ . فَلَوْ نَظَرْنَا إِلَى الْمُتَوَلَّدِ مِنْهُ ، لَانْجَرَّ إِلَى تَمَامِ الْقِيمَةِ ، وَهُوَ عَوْدٌ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ بَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ أَبُو خَلَفٍ السُّلَمِيُّ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ فَقَالَ فِي قَوْلِ التَّخْيِيرِ : إِنْ شَاءَ الْمَالِكُ غَرَّمَهُ مَا نَقَصَ إِلَى الْآنَ ، ثُمَّ لَا شَيْءَ لَهُ فِي زِيَادَةِ فَسَادٍ حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ لَهُ وَطَالَبَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَلِ .
فَرْعٌ
مِنْ صُوَرِ هَذَا الضَّرْبِ مَا إِذَا صَبَّ الْمَاءَ فِي الزَّيْتِ وَتَعَذَّرَ تَخْلِيصُهُ مِنْهُ ، فَأَشْرَفَ عَلَى الْفَسَادِ . وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ تَرَدُّدٌ فِي مَرَضِ الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ إِذَا كَانَ سَارِيًا عَسِرَ الْعِلَاجُ ، كَالسُّلِّ وَالِاسْتِسْقَاءِ ، وَلَمْ يَرْضَهُ الْإِمَامُ ، لِأَنَّ الْمَرِيضَ الْمَأْيُوسَ مِنْهُ قَدْ يَبْرَأُ ، وَالْعَفَنُ الْمَفْرُوضُ فِي الْحِنْطَةِ يُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ قَطْعًا .
قُلْتُ : وَلَوْ عَفِنَ الطَّعَامُ فِي يَدِهِ لِطُولِ الْمُكْثِ ، فَطَرِيقَانِ . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : هُوَ كَبَلِّ الْحِنْطَةِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : يَتَعَيَّنُ أَخْذُهُ مَعَ الْأَرْشِ قَطْعًا ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث