المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1023 · ص. المطبوع 156 · الشرح
( وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلًا عَلَيْهِ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ ) لَمْ يَضْمَنْهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَآدَمِيٍّ ، وَكَجَمَلٍ صَائِلٍ مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ أَذِنَ فِي قَتْلِ الْفَوَاسِقِ لِدَفْعِ أَذًى مُتَوَهَّمٍ فَالْمُتَحَقَّقُ أَوْلَى ، وَسَوَاءٌ خَشِيَ مِنْهُ تَلَفًا أَوْ مَضَرَّةً أَوْ عَلَى بَعْضِ مَا لَهُ ( أَوْ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ ) أَوْ أَخَذَهُ لِيُخَلِّصَ مِنْ رِجْلِهِ خَيْطًا وَنَحْوِهِ ( لِيُطْلِقَهُ ) فَتَلِفَ 156 قَبْلَ إِرْسَالِهِ ( لَمْ يَضْمَنْهُ ) عَلَى الْأَشْهَرِ ; لِأَنَّهُ فِعْلٌ أُبِيحَ لِحَاجَةِ الْحَيَوَانِ ، فَلَمْ يَضْمَنْهُ كَمُدَاوَاةِ الْوَلِيِّ مُوَلِّيهِ ، ( وَقِيلَ : يَضْمَنْهُ فِيهِمَا ) أَمَّا أَوَّلًا فَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَقَتْلِهِ لِحَاجَةِ أَكْلِهِ فِي الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ عُدِمَ فِيهِ الْقَصْدُ أَشْبَهَ قَتْلَ الْخَطَأِ .
مَسْأَلَةٌ : إِذَا أَخَذَهُ لِيُدَاوِيَهِ ، فَوَدِيعَةٌ ، فَلَوْ تَأَكَّلَتْ يَدُهُ ، فَلَهُ إِزَالَتُهَا ، وَإِنْ أَزْمَنَهُ فَجَزَاؤُهُ ، وَلِأَنَّهُ كَتَالِفٍ ، وَكَجُرْحٍ تَيَقَّنَ بِهِ مَوْتَهُ ، وَقِيلَ : مَا نَقَصَ ( وَلَا تَأْثِيرَ لِلْمُحْرِمِ ، وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانٍ إِنْسِيٍّ ) أَيْ : أَهْلِيٍّ مُبَاحٍ إِجْمَاعًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ ، وَالْمُحَرَّمُ إِنَّمَا هُوَ الصَّيْدُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِذَبْحِ ذَلِكَ فِي إِحْرَامِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ : ۝ " أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ " ( وَلَا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ ) إِلَّا الْمُتَوَلِّدَ كَالْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ الَّتِي أَبَاحَ الشَّارِعُ قَتْلَهَا مُطْلَقًا ، وَصَرَّحَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَتْلُ كُلُّ مُؤْذٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَطَيْرٍ ، وَهُوَ مُرَادُ مَنْ أَبَاحَهُ ، وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ غُرَابُ الْبَيْنِ ; لِأَنَّهُ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ ، وَيَعْدُو عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ . وَظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا ، فَإِنَّهُ مُثِّلَ بِالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ فَقَطْ لِلْخَبَرِ الْخَاصِّ فِيهِ ، وَرُدَّ بِأَنَّ غَيْرَهُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ وَيَدْخُلُ فِي الْإِبَاحَةِ الْبَازِي وَالصَّقْرُ وَالذُّبَابُ وَالْبَعُوضُ وَالْبَقُّ ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ ، فَأَمَّا مَا لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ كَالرَّخَمِ ، فَكَذَلِكَ ، وَلِإِحْرَامِهِ وَيَجُوزُ قَتْلُهُ ، وَقِيلَ : يُكْرَهُ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : يَحْرُمُ ، وَلِأَصْحَابِنَا فِي النَّمْلِ وَجْهَانِ نَقَلَ حَنْبَلٌ : لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الذَّرِّ ، وَنَقَلَ مُهَنَّا : يَقْتُلُ النَّمْلَةَ إِذَا عَضَّتْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : فِيهَا لُقْمَةٌ أَوْ تَمْرَةٌ إِذَا لَمْ تُؤْذِهِ قَالَ فِي 157 " الشَّرْحِ " : وَيَتَخَرَّجُ فِي النَّحْلَةِ كَذَلِكَ ، وَلَا شَيْءَ فِي ضِفْدَعٍ ، وَجَعَلَ فِيهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى حُكُومَةً ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَمَا أَنَّ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ مُبَاحٌ قَتْلُهُ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ( إِلَّا الْقَمْلَ ) عَلَى الْمُحْرِمِ ( فِي رِوَايَةٍ ) فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ فَحَرُمَ كَقَطْعِ الشَّعْرِ ، ( وَأَيُّ شَيْءٍ تُصُدِّقَ بِهِ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ أَثَرٌ ، وَعَنْهُ : لَا شَيْءَ فِيهِ ، لِخَبَرِ كَعْبٍ ، وَلِأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ كَسَائِرِ الْمُحَرَّمِ الْمُؤْذِي . وَالثَّانِيَةُ : لَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ ; لِأَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ ، وَيُؤْذِي أَشْبَهُ الْبَرَاغِيثِ . وَظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يُبَاحُ فِي الْحَرَمِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ قَتْلُهُ ، وَهُوَ بِغَيْرِ خِلَافٍ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّرَفُّهِ فَأُبِيحَ فِيهِ لِغَيْرِهِ .
تَكْمِلَةٌ : الصِّئْبَانُ كَالْقَمْلِ ; لِأَنَّهُ بَيْضُهُ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِهِ ، وَرَمْيِهِ لِحُصُولِ الرَّفَهِ بِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ : الرِّوَايَتَانِ فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ وَبَدَنِهِ ، وَبَاطِنِ ثَوْبِهِ ، وَيَجُوزُ فِي ظَاهِرِهِ ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُمَا فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْبَرَاغِيثَ كَالْقَمْلِ ، وَلَهُ قَتْلُ الْقَرَادِ عَنْ بَعِيرِهِ ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ كَسَائِرِ الْمُؤْذِي ، ( وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى الْمُحْرِمِ ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [ الْمَائِدَةِ : 96 ] وَالْبَحْرُ الْمِلْحُ ، وَالْعَذْبُ ، وَالْأَنْهَارُ ، وَالْعُيُونُ سَوَاءٌ ، وَصَيْدُهُ مَا يَعِيشُ فِيهِ كَالسَّمَكِ فَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فِيهِمَا كَسُلَحْفَاةٍ ، وَسَرَطَانٍ فَكَذَلِكَ نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ فِيهِ الْجَزَاءَ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَهُ حُكْمُهُ ، وَمَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ لَهُ حُكْمُهُ كَالْبَقَرِ أَهْلِيٌّ وَوَحْشِيٌّ ، فَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ فَبَرِّيٌّ ; لِأَنَّهُ يُفْرِخُ ، وَيَبِيضُ فِيهِ ، ( وَفِي إِبَاحَتِهِ فِي الْحَرَمِ ) كَصَيْدِهِ مِنْ آبَارِ 158 الْحَرَمِ ( رِوَايَتَانِ ) إِحْدَاهُمَا : الْمَنْعُ صَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ حَرَمِيٌّ أَشَبَهَ صَيْدَ الْحَرَمِ ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ لِلْمَكَانِ فَلَا فَرْقَ ، وَالثَّانِيَةُ ، وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " : يَحِلُّ لِإِطْلَاقِ حِلِّهِ فِي الْآيَةِ ، وَلِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُحَرِّمُهُ كَحَيَوَانٍ أَهْلِيٍ وَسَبُعٍ ( وَيَضْمَنُ الْجَرَادَ ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ طَيْرٌ فِي الْبَرِّ يُتْلِفُهُ الْمَاءُ كَالْعَصَافِيرِ ( بِقِيمَتِهِ ) ; لِأَنَّهُ مُتْلَفٌ غَيْرُ مِثْلِيٍّ ، وَعَنْهُ : يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ عَنْ جَرَادَةٍ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ( فَإِنِ انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ فَقَتَلَهُ ) أَوْ أَتْلَفَ بَيْضَ طَيْرٍ ( بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ ) أَحَدُهُمَا : فِيهِ الْجَزَاءُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ لِمَنْفَعَتِهِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِهِ ، وَالثَّانِي : لَا ; لِأَنَّهُ اضْطَرَّهُ إِلَى إِتْلَافِهِ كَصَائِلٍ ، ( وَعَنْهُ : لَا ضَمَانَ فِي الْجَرَادِ ) رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ; لِأَنَّ كَعْبًا أَفْتَى بِأَخْذِهِ وَأَكْلِهِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا حَمَلَكَ أَنْ تُفْتِيَهُمْ بِهِ ؛ قَالَ : هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ قَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ ؛ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ هُوَ إِلَّا نَثْرَةُ حُوتٍ تُنْثَرُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ . رَوَاهُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، وَقَالَ : الْحَدِيثَانِ وَهْمٌ .
( وَمَنِ اضْطُرَّ إِلَى أَكْلِ الصَّيْدِ ) أُبِيحَ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ الْبَقَرَةِ : 195 ] فَإِذَا ذَبَحَهُ كَانَ مَيْتَةً ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ : كَلُّ مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ أَوْ قَتَلَهُ فَإِنَّمَا هُوَ قَتْلٌ قَتَلَهُ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ حِلُّهُ لِحِلِّ فِعْلِهِ ( أَوِ احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ فَلَهُ فِعْلُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ) ; لِأَنَّ كَعْبًا لَمَّا احْتَاجَ إِلَى الْحَلْقِ أَبَاحَهُ الشَّارِعُ لَهُ ، وَأَوْجَبَ 159 عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ ، وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُ ، وَلِأَنَّ أَكْلَ الصَّيْدِ إِتْلَافٌ فَوَجَبَ ضَمَانُهُ ، كَمَا لَوِ اضْطُرَّ إِلَى طَعَامِ غَيْرِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث