المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
( ثُمَّ يَبْتَدِئُ ) بِالطَّوَافِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ تَوَضَّأَ ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ ، وَلِأَنَّهُ تَحِيَّةٌ ، فَاسْتُحِبَّ كَتَحِيَّةِ غَيْرِهِ بِالرَّكْعَتَيْنِ ، وَمَحَلُّهُ : مَا لَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ فَرْضٍ أَوْ فَائِتَةٍ ، أَوْ تُقَامُ الْمَكْتُوبَةُ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُهَا عَلَيْهِ ، وَكَذَا إِنْ خَافَ فَوْتَ رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ أَوِ الْوَتْرِ ، أَوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ ( بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا ) ; لِأَنَّ الَّذِي أَمَرَهُمْ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِفَسْخِ نُسُكِهِمْ إِلَيْهَا أَمْرَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا لِلْعُمْرَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالْحِلِّ ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى طَوَافِ قُدُومٍ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّحِيَّةُ ، وَقَدْ حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ ( أَوْ طَوَافُ الْقُدُومِ ) وَيُسَمَّى الْوُرُودَ ( إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا ) لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا كَذَلِكَ ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي " الْفُصُولِ " وَ " التَّرْغِيبِ " وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ . نَقَلَ حَنْبَلٌ : يُرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ ، وَالطَّوَافُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَهِيَ بَعْدَهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ : الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ ، وَذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ السَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتَقْدِيمِ حَقِّ اللَّهِ عَلَى حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا .
( وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ ) فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ مُضْطَبِعًا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةٌ فِي رَمْلِهِ ( فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةَ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى 214 عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ سَوَّى رِدَاءَهُ ; لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ : يُزِيلُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّمَلِ ( ثُمَّ يَبْتَدِئُ ) أَيْ : بِالطَّوَافِ ( مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهِ ( فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ) لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا حَاذَاهُ بِبَعْضِهِ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْإِجْزَاءُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ فَأَجْزَأَ بَعْضُهُ كَالْحَدِّ . فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلَهُ ( ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ ) أَيْ : يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ ، وَهُوَ التَّحِيَّةُ ، وَلِذَلِكَ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْيَمَنِ : الْمُحَيَّا ; لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ ، ( وَيُقَبِّلُهُ ) لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا فَقَالَ : يَا عُمَرُ هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ أَسْلَمَ قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ ، وَقَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ يَسْجُدُ عَلَيْهِ ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ( وَإِنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ الْيَدِ فَظَاهِرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَالَهُ الْقَاضِي ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " : هَلْ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ ؛ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، ( وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ إِلَيْهِ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَكَبَّرَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالْإِشَارَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا . وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْمُسْتَحَبُّ أَوَّلًا : تَقْبِيلُهُ فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ ، وَقَبَّلَهُ فَإِنْ لَمْ 215 يُمْكِنْهُ أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَزَادَا : مَعَ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ .
قَالَ : الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هُوَ السُّنَّةُ ، وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ ، قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ : إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي وَجْهٍ .
فَائِدَةٌ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِنْ كَانَ ؛ لِأَنَّ فِي زَمَنِهِ أَخَذَتْهُ الْقَرَامِطَةُ ، وَاسْتَمَرَّ بِأَيْدِيهِمْ مُدَّةً ، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ بِعَوْدِهِ ، فَلَوْ قُدِّرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - عَدَمُهُ فِي مَحَلِّهِ وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ كَمَا فِي الْقِرَانِ .
( وَيَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ إِيمَانًا بِكَ ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ ( ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ كَذَلِكَ ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَيُقَرِّبُ جَانِبَهُ الْأَيْسَرُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الدَّوْرِيَّةَ تَعْتَمِدُ فِيهَا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، فَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَامُ فِي ذَلِكَ لِلْخَارِجِ ، جَعَلَ لِلْيُمْنَى ، فَأَوَّلُ رُكْنٍ بِهِ يُسَمَّى الشَّامِيَّ ، وَالْعِرَاقِيَّ وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةَ الْيَمَنِ ، وَهُوَ آخِرُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْكَانِ ; لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ قِبْلَةُ أَهْلِ خُرَاسَانَ .
216 ( فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا تَرَكَتُ اسْتِلَامَهُمَا مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَسَنَّ اسْتِلَامَهُ كَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ ، ( وَقَبَّلَ يَدَهُ ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " قَوْلًا كَمَا يَفْعَلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ ، وَجَزَمَ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الْإِرْشَادِ " بِخِلَافِهِ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَلَمَهُ قَبَّلَهُ ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا لَا يُعْرَفُ ، وَإِنَّمَا التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ .
( وَيَضْطَبِعُ بِرِدَائِهِ ) فِي جَمِيعِ طَوَافِهِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ مُضْطَبِعًا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَكَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " رِوَايَةٌ فِي رَمْلِهِ ( فَيَجْعَلُ وَسَطَهُ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرَانَةَ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى 214 عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ سَوَّى رِدَاءَهُ ; لِأَنَّ الِاضْطِبَاعَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ فِي الصَّلَاةِ ، وَقَالَ الْأَثْرَمُ : يُزِيلُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الرَّمَلِ ( ثُمَّ يَبْتَدِئُ ) أَيْ : بِالطَّوَافِ ( مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهِ ( فَيُحَاذِيهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ ) لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا حَاذَاهُ بِبَعْضِهِ ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ؛ لِأَنَّ مَا لَزِمَ اسْتِقْبَالُهُ لَزِمَهُ بِجَمِيعِ الْبَدَنِ كَالْقِبْلَةِ ، وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ الْإِجْزَاءُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ فَأَجْزَأَ بَعْضُهُ كَالْحَدِّ . فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَيَصِيرُ الثَّانِي أَوَّلَهُ ( ثُمَّ يَسْتَلِمُهُ ) أَيْ : يَمْسَحُهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ افْتِعَالٌ مِنَ السَّلَامِ ، وَهُوَ التَّحِيَّةُ ، وَلِذَلِكَ يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْيَمَنِ : الْمُحَيَّا ; لِأَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ ، ( وَيُقَبِّلُهُ ) لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْحَجَرَ ، وَوَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا فَقَالَ : يَا عُمَرُ هَهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ أَسْلَمَ قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَبَّلَ الْحَجَرَ ، وَقَالَ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ يَسْجُدُ عَلَيْهِ ، وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ( وَإِنْ شَاءَ اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَ يَدَهُ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : لَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ الْيَدِ فَظَاهِرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَالَهُ الْقَاضِي ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " : هَلْ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ يَدَهُ ؛ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، ( وَإِنْ شَاءَ أَشَارَ إِلَيْهِ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمَّا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَكَبَّرَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالْإِشَارَةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهَا . وَظَاهِرُهُ اسْتِوَاءُ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْمُسْتَحَبُّ أَوَّلًا : تَقْبِيلُهُ فَإِنْ شَقَّ اسْتَلَمَهُ بِشَيْءٍ ، وَقَبَّلَهُ فَإِنْ لَمْ 215 يُمْكِنْهُ أَشَارَ إِلَيْهِ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَزَادَا : مَعَ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ .
قَالَ : الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ هُوَ السُّنَّةُ ، وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ ، قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَرَ : إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لَا تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ ، وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقْبِلُهُ بِوَجْهِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي وَجْهٍ .
فَائِدَةٌ : قَوْلُ الْخِرَقِيِّ : ثُمَّ أَتَى الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ إِنْ كَانَ ؛ لِأَنَّ فِي زَمَنِهِ أَخَذَتْهُ الْقَرَامِطَةُ ، وَاسْتَمَرَّ بِأَيْدِيهِمْ مُدَّةً ، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ بِعَوْدِهِ ، فَلَوْ قُدِّرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - عَدَمُهُ فِي مَحَلِّهِ وَقَفَ مُقَابِلًا لِمَكَانِهِ ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَالَ الْأَصْحَابُ : لَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ كَمَا فِي الْقِرَانِ .
( وَيَقُولُ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ إِيمَانًا بِكَ ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ ( ثُمَّ يَأْخُذُ عَلَى يَمِينِهِ ، وَيَجْعَلُ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ كَذَلِكَ ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَيُقَرِّبُ جَانِبَهُ الْأَيْسَرُ إِلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الدَّوْرِيَّةَ تَعْتَمِدُ فِيهَا الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى ، فَلَمَّا كَانَ الْإِكْرَامُ فِي ذَلِكَ لِلْخَارِجِ ، جَعَلَ لِلْيُمْنَى ، فَأَوَّلُ رُكْنٍ بِهِ يُسَمَّى الشَّامِيَّ ، وَالْعِرَاقِيَّ وَهُوَ جِهَةُ الشَّامِ ، ثُمَّ يَلِيهِ الرُّكْنُ الْغَرْبِيُّ وَالشَّامِيُّ ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ الْيَمَانِيُّ جِهَةَ الْيَمَنِ ، وَهُوَ آخِرُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَرْكَانِ ; لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالرُّكْنِ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ، وَهُوَ قِبْلَةُ أَهْلِ خُرَاسَانَ .
216 ( فَإِذَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ اسْتَلَمَهُ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَسْتَلِمُ إِلَّا الْحَجَرَ ، وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا تَرَكَتُ اسْتِلَامَهُمَا مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُهُمَا فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فَسَنَّ اسْتِلَامَهُ كَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ ، ( وَقَبَّلَ يَدَهُ ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " قَوْلًا كَمَا يَفْعَلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُقَبِّلُهُ ، وَجَزَمَ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الْإِرْشَادِ " بِخِلَافِهِ لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اسْتَلَمَهُ قَبَّلَهُ ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَيْهِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا لَا يُعْرَفُ ، وَإِنَّمَا التَّقْبِيلُ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتِمَّا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث