المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
( وَيَطُوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مِنْهَا ) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي سُنِّيَّتِهِ ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - طَافَ سَبْعًا رَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ ، وَمَشَى أَرْبَعًا . رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنَا عَبَّاسٍ وَعُمَرُ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا ، وَهَذَا كَانَ لِسَبَبٍ زَالَ ، وَبَقِيَ الْمُسَبَّبُ ، وَيَكُونُ الرَّمَلُ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ( وَهُوَ إِسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا وَلَا يَثِبُ وَثْبًا ) ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْيٍ فَإِذَا فَعَلَهُ لَمْ يَكُنْ إِتْيَانًا بِالرَّمَلِ الْمَشْرُوعِ فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ فِي حَاشِيَةِ النَّاسِ لِلِازْدِحَامِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الدُّنُوِّ مِنَ الْبَيْتِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ أَوْ يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ فَالدُّنُوُّ أَوْلَى مِنَ التَّأْخِيرِ ، وَفِي " الْفُصُولِ " : لَا يَنْتَظِرُ لِلرَّمَلِ كَمَا لَا يَتْرُكُ الصَّفَّ الْأَوَّلَ لِتَعَذُّرِ التَّجَافِي فِي الصَّلَاةِ ، وَبِالْجُمْلَةِ يَطُوفُ كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَسَوَاءٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ قُبَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا ، فَإِنْ تَرَكَ الرَّمَلَ لَمْ يَقْضِهِ ، وَلَا بَعْضَهُ فِي غَيْرِهَا بَلْ إِنْ تَرَكَهُ فِي شَوْطٍ أَتَى بِهِ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ ، وَفِي 217 اثْنَيْنِ أَتَى بِهِ فِي الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّهُ هَيْئَةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا فَسَقَطَ كَالْجَهْرِ فِي الصَّلَاةِ ، ( وَيَمْشِي أَرْبَعًا ) لِمَا سَبَقَ ، ( وَكُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ ) وَنَصَّ عَلَيْهِ ، فِي " الْمُحَرَّرِ " فِي رَمْلِهِ كَبَّرَ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ وَهَلَّلَ ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ : وَرَفَعَ يَدَيْهِ ( وَالرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ اسْتَلَمَهُمَا ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ ، وَالْحَجَرَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ .
( أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُمَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ( وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ ) الْأَسْوَدَ ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَلَا فَاسْتَقْبِلْ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ ( وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ) أَيِ : الْيَمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ ، وَكَّلَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ لِمَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ ، وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا آمِينَ ( وَفِي سَائِرِ الطَّوَافِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا ، وَسَعْيًا مَشْكُورًا ، وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوُزْ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ ) ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ فَاسْتُحِبَّ ذِكْرُهُ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ اللَّائِقَةِ بِمِحَالِّهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، وَفِي " الْفُرُوعِ " : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي سَعْيِهِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ خِلَافًا " لِلْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ 218 وَفِيهِ يَقِفُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ ، عِنْدَ الْمِيزَابِ وَالْمُلْتَزَمِ وَكُلِّ رُكْنٍ ( وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ ) مِنَ الْحَوَائِجِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ؛ لِتَغْلِيطِهِ الْمُصَلِّينَ ، وَالْمَذْهَبُ لَهُ الْقِرَاءَةُ ، فَيُسْتَحَبُّ ، قَالَهُ الْآجُرِّيُّ ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَاسْتَحَبَّهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِلَا جَهْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : لِأَنَّهُ صَلَاةٌ ، وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ ، فَيَجِبُ كَوْنُهَا مِثْلَهَا .
( وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ، وَلَا أَهْلِ مَكَّةَ ) وَلَا حَامِلٍ مَعْذُورٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا فِي النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُرِعَ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ ، وَلَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْهُنَّ ، بَلْ إِنَّمَا يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرَ ، وَكَذَا أَهْلُ مَكَّةَ لَا رَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ؛ لِأَنَّ إِظْهَارَ الْجَلَدِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ ، وَحُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ مِنْهَا حُكْمُ أَهْلِهَا ، وَلَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، وَلَوْ عَبَّرَ بُقُولِهِ : وَلَا مُحْرِمَ فِي مَكَّةَ لَعَمَّ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الرَّمَلُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الِاضْطِبَاعُ ، وَكَذَا إِنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ ، فَلَا رَمَلَ فِيهِ ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ يَرْمُلُ بِالْمَحْمُولِ ( وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ ) ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " : إِذَا تَرَكَهُمَا بِهِ ، أَوْ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَتَى بِهِمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّ الرَّمَلَ وَ الِاضْطِبَاعَ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ ، وَنَفَاهُمَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ ( وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَجْزَأَهُ ، وَعَنْهُ : لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ ) أَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَيُجْزِئُ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ . وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي 219 أَشْتَكِي ، قَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، أَجْزَأَ فِي رِوَايَةٍ قَدَّمَهَا الْمُؤَلِّفُ وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ حَامِدٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا ، وَلِطَوَافِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَاكِبًا ، لَكِنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ فِي الْمَحْمُولِ بِنِيَّتِهِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَالثَّانِيَةُ : عَدَمُ الْإِجْزَاءِ ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَخِيرًا ، وَالشَّرِيفُ ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ ، وَهِيَ لَا تَفْعَلُ كَذَلِكَ إِلَّا لِعُذْرٍ فَكَذَا هُوَ ، وَأَجَابُوا عَنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، أَوْ لِيَرَاهُ النَّاسُ . قَالَهُ أَحْمَدُ أَوْ لِيَشْرُفَ لِيَسْأَلُوهُ ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ ، وَأَخَذَ جَمَاعَةٌ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِيَرَاهُ الْجُهَّالُ ، وَعَنْهُ : يَجْبُرُهُ بِدَمٍ حَكَاهَا الْمُؤَلِّفُ . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ . وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ .
( وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ ) ; لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أُدِّيَ بِهِ فَرْضُ غَيْرِه فَلَمْ يَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الْحَامِلَ آلَةٌ لِلْمَحْمُولِ فَكَانَ كَالرَّاكِبِ بِخِلَافِ حَمْلِهِ بِعَرَفَةَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْكَوْنُ فِيهَا ، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُمَا ، وَلَهُ أَحْوَالٌ : مِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْمَحْمُولِ ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ دُونَ الْحَامِلِ ، فَيُجْزِئُ عَنِ الْمَحْمُولِ لَا الْحَامِلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْحَامِلِ ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ فَقَطْ فَيَصِحُّ لَهُ وَحْدَهُ .
وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ الْمَحْمُولُ دُونَ حَامِلِهِ جَعْلًا لَهُ كَالْآلَةِ ، وَحَسَّنَ الْمُؤَلَّفُ صِحَّتَهُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَائِفٌ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، كَالْعَمَلِ بِعَرَفَاتٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ ذَلِكَ احْتِمَالًا ، وَفِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : 220 لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ ، وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يَقَعُ عَنِ اثْنَيْنِ ، وَمِنْهَا لَمْ يَنْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ ، فَلَا يَصْحُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا .
مَسْأَلَةٌ : إِذَا سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا ، أَجْزَأَهُ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ الطَّوَافَ غَيْرُ مَوْجُودٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ : لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الدَّوَابِّ لِضَرُورَةٍ . وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " حُكْمُهُ كَالطَّوَافِ ( وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا ) يَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْكَافِ ، وَفَتْحُهَا فَعَلَيْهِ يَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ : طَافَ طَوَافًا مُنَكَّسًا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ " طَافَ " وَالْمُرَادُ بِهِ : جَعْلُ الْبَيْتِ عَلَى يَمِينِهِ ( أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ ) وَهُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَإِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ ، وَسُكُونِ الْجِيمِ ( أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ ) هُوَ الْقَدْرُ الْخَارِجُ عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ قَدْرُ ثُلْثَيْ ذِرَاعٍ ( أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ ، وَإِنْ قَلَّ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ ) أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَقَعَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلْيَطَّوَّفُوا ) [ الْحَجِّ : 29 ] وَمِثْلُهُ يَتَعَيَّنُ ، وَلِقَوْلِهِ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَكَانَ ، وَاجِبًا كَالصَّلَاةِ ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبَيْتِ ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ : إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ قَالَ : صَلِّ فِي الْحِجْرِ فَإِنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ فَإِذَا لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ ، وَالْحَالُ أَنَّ الطَّوَافَ بِجَمِيعِهِ ، وَاجِبٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَطَافَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - 221 بِجَمِيعِهِ ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ .
وَأَمَا ثَالِثًا ، فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - .
وَأَمَا رَابِعًا ، فَلِقَوْلِهِ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، فَاشْتَرَطَ لَهُ النِّيَّةَ كَالصَّلَاةِ ، وَنَوَّهَ كَلَامَهُ أَنَّهُ إِذَا طَافَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ ، وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِهِ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ لِصِلَاتِهِ إِلَيْهَا ، وَكَذَا إِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا ، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً ، وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ .
( أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ اسْتِلَامُهُمَا أَشَارَ إِلَيْهِمَا ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ ( وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الْحَجَرَ ) الْأَسْوَدَ ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُمَرَ أَلَا فَاسْتَقْبِلْ وَهَلِّلْ وَكَبِّرْ ( وَبَيْنَ الرُّكْنَيْنِ ) أَيِ : الْيَمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : إِنَّ اللَّهَ ، وَكَّلَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ لِمَنْ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ ، وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا آمِينَ ( وَفِي سَائِرِ الطَّوَافِ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا ، وَسَعْيًا مَشْكُورًا ، وَذَنْبًا مَغْفُورًا رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوُزْ عَمَّا تَعْلَمُ وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ ) ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ فَاسْتُحِبَّ ذِكْرُهُ كَسَائِرِ الْأَدْعِيَةِ اللَّائِقَةِ بِمِحَالِّهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا ، وَفِي " الْفُرُوعِ " : رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الْأَقْوَمَ وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي سَعْيِهِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ خِلَافًا " لِلْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ 218 وَفِيهِ يَقِفُ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ ، عِنْدَ الْمِيزَابِ وَالْمُلْتَزَمِ وَكُلِّ رُكْنٍ ( وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ ) مِنَ الْحَوَائِجِ ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُسْتَجَابُ فِيهِ الدُّعَاءُ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : رَبِّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَقْرَأُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ؛ لِتَغْلِيطِهِ الْمُصَلِّينَ ، وَالْمَذْهَبُ لَهُ الْقِرَاءَةُ ، فَيُسْتَحَبُّ ، قَالَهُ الْآجُرِّيُّ ، وَسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَاسْتَحَبَّهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِلَا جَهْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ : لِأَنَّهُ صَلَاةٌ ، وَفِيهَا قِرَاءَةٌ وَدُعَاءٌ ، فَيَجِبُ كَوْنُهَا مِثْلَهَا .
( وَلَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ ، وَلَا أَهْلِ مَكَّةَ ) وَلَا حَامِلٍ مَعْذُورٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا فِي النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شُرِعَ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ ، وَلَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْهُنَّ ، بَلْ إِنَّمَا يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرَ ، وَكَذَا أَهْلُ مَكَّةَ لَا رَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ؛ لِأَنَّ إِظْهَارَ الْجَلَدِ مَعْدُومٌ فِي حَقِّهِمْ ، وَحُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ مِنْهَا حُكْمُ أَهْلِهَا ، وَلَوْ كَانَ مُتَمَتِّعًا ، وَلَوْ عَبَّرَ بُقُولِهِ : وَلَا مُحْرِمَ فِي مَكَّةَ لَعَمَّ ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الرَّمَلُ لَا يُشْرَعُ لَهُ الِاضْطِبَاعُ ، وَكَذَا إِنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ ، فَلَا رَمَلَ فِيهِ ، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ يَرْمُلُ بِالْمَحْمُولِ ( وَلَيْسَ فِي غَيْرِ هَذَا الطَّوَافِ رَمَلٌ وَلَا اضْطِبَاعٌ ) ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَصْحَابَهُ إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ الْأَوَّلِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " : إِذَا تَرَكَهُمَا بِهِ ، أَوْ لَمْ يَسْعَ عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ أَتَى بِهِمَا فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ أَنَّ الرَّمَلَ وَ الِاضْطِبَاعَ فِي طَوَافِ الزِّيَارَةِ ، وَنَفَاهُمَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ ( وَمَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَجْزَأَهُ ، وَعَنْهُ : لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا لِعُذْرٍ ) أَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَيُجْزِئُ بِغَيْرِ خِلَافٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ طَافَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ . وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : شَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي 219 أَشْتَكِي ، قَالَ : طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، أَجْزَأَ فِي رِوَايَةٍ قَدَّمَهَا الْمُؤَلِّفُ وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ حَامِدٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ مِنَ الرَّاكِبِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا ، وَلِطَوَافِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَاكِبًا ، لَكِنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ فِي الْمَحْمُولِ بِنِيَّتِهِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الطَّوَافَ رَاجِلًا أَفْضَلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَالثَّانِيَةُ : عَدَمُ الْإِجْزَاءِ ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ ، وَاخْتَارَهَا الْقَاضِي أَخِيرًا ، وَالشَّرِيفُ ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَبَّهَ الطَّوَافَ بِالصَّلَاةِ ، وَهِيَ لَا تَفْعَلُ كَذَلِكَ إِلَّا لِعُذْرٍ فَكَذَا هُوَ ، وَأَجَابُوا عَنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِأَنَّهُ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، أَوْ لِيَرَاهُ النَّاسُ . قَالَهُ أَحْمَدُ أَوْ لِيَشْرُفَ لِيَسْأَلُوهُ ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ ، وَأَخَذَ جَمَاعَةٌ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِيَرَاهُ الْجُهَّالُ ، وَعَنْهُ : يَجْبُرُهُ بِدَمٍ حَكَاهَا الْمُؤَلِّفُ . قَالَ الزَّرْكَشِيُّ . وَلَمْ أَرَهَا لِغَيْرِهِ .
( وَلَا يُجْزِئُ عَنِ الْحَامِلِ ) ; لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ أُدِّيَ بِهِ فَرْضُ غَيْرِه فَلَمْ يَقَعْ عَنْ فَرْضِهِ ، كَالصَّلَاةِ ، وَلِأَنَّ الْحَامِلَ آلَةٌ لِلْمَحْمُولِ فَكَانَ كَالرَّاكِبِ بِخِلَافِ حَمْلِهِ بِعَرَفَةَ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْكَوْنُ فِيهَا ، وَهُوَ حَاصِلٌ لَهُمَا ، وَلَهُ أَحْوَالٌ : مِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْمَحْمُولِ ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ دُونَ الْحَامِلِ ، فَيُجْزِئُ عَنِ الْمَحْمُولِ لَا الْحَامِلِ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَا جَمِيعًا عَنِ الْحَامِلِ ، أَوْ يَنْوِيَ هُوَ فَقَطْ فَيَصِحُّ لَهُ وَحْدَهُ .
وَمِنْهَا أَنْ يَنْوِيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ نَفْسِهِ فَيَصِحُّ الْمَحْمُولُ دُونَ حَامِلِهِ جَعْلًا لَهُ كَالْآلَةِ ، وَحَسَّنَ الْمُؤَلَّفُ صِحَّتَهُ لَهُمَا ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَائِفٌ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ ، كَالْعَمَلِ بِعَرَفَاتٍ ، وَذَكَرَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ ذَلِكَ احْتِمَالًا ، وَفِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا ، وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ : 220 لَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا أَوْلَوِيَّةَ ، وَالْفِعْلُ الْوَاحِدُ لَا يَقَعُ عَنِ اثْنَيْنِ ، وَمِنْهَا لَمْ يَنْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ ، فَلَا يَصْحُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا .
مَسْأَلَةٌ : إِذَا سَعَى رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا ، أَجْزَأَهُ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مَنَعَ الطَّوَافَ غَيْرُ مَوْجُودٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ : لَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الدَّوَابِّ لِضَرُورَةٍ . وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " حُكْمُهُ كَالطَّوَافِ ( وَإِنْ طَافَ مُنَكَّسًا ) يَجُوزُ فِيهِ كَسْرُ الْكَافِ ، وَفَتْحُهَا فَعَلَيْهِ يَكُونُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أَيْ : طَافَ طَوَافًا مُنَكَّسًا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ حَالًا مِنْ فَاعِلِ " طَافَ " وَالْمُرَادُ بِهِ : جَعْلُ الْبَيْتِ عَلَى يَمِينِهِ ( أَوْ عَلَى جِدَارِ الْحِجْرِ ) وَهُوَ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ وَإِلَى جَانِبِ الْبَيْتِ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْحَاءِ ، وَسُكُونِ الْجِيمِ ( أَوْ شَاذَرْوَانِ الْكَعْبَةِ ) هُوَ الْقَدْرُ الْخَارِجُ عَنْ عَرْضِ الْجِدَارِ مُرْتَفِعًا عَنِ الْأَرْضِ قَدْرُ ثُلْثَيْ ذِرَاعٍ ( أَوْ تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الطَّوَافِ ، وَإِنْ قَلَّ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ ) أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ، وَقَعَ بَيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( وَلْيَطَّوَّفُوا ) [ الْحَجِّ : 29 ] وَمِثْلُهُ يَتَعَيَّنُ ، وَلِقَوْلِهِ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَكَانَ ، وَاجِبًا كَالصَّلَاةِ ، وَأَمَا ثَانِيًا فَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبَيْتِ ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ : إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ قَالَ : صَلِّ فِي الْحِجْرِ فَإِنَّ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ فَإِذَا لَمْ يَطُفْ بِهِ لَمْ يَطُفْ بِكُلِّ الْبَيْتِ ، وَالْحَالُ أَنَّ الطَّوَافَ بِجَمِيعِهِ ، وَاجِبٌ لِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَطَافَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - 221 بِجَمِيعِهِ ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : الشَّاذَرْوَانُ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا جُعِلَ عِمَادًا لِلْبَيْتِ .
وَأَمَا ثَالِثًا ، فَلِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - .
وَأَمَا رَابِعًا ، فَلِقَوْلِهِ إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ ، وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ ، فَاشْتَرَطَ لَهُ النِّيَّةَ كَالصَّلَاةِ ، وَنَوَّهَ كَلَامَهُ أَنَّهُ إِذَا طَافَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ ، وَإِنْ طَافَ عَلَى سَطْحِهِ تَوَجَّهَ الْإِجْزَاءُ لِصِلَاتِهِ إِلَيْهَا ، وَكَذَا إِنْ قَصَدَ فِي طَوَافِهِ غَرِيمًا ، وَقَصَدَ مَعَهُ طَوَافًا بِنِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَا حُكْمِيَّةٍ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ كَعَاطِسٍ قَصَدَ بِحَمْدِهِ قِرَاءَةً ، وَفِي الْإِجْزَاءِ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث