المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1075 · ص. المطبوع 236 · الشرح
( ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ ) سُمِّيَتْ بِهِ مِنَ الزَّلَفِ ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ ؛ لِأَنَّ الْحَاجَّ إِذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إِلَيْهَا أَيْ : تَقَرَّبُوا ، وَمَضَوْا إِلَيْهَا ، وَتُسَمَّى جَمْعًا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا ، ( وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ ) قَالَ : أَبُو حَكِيمٍ مُسْتَغْفِرًا ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ : يَكُونُ فِي طَرِيقِهِ مُلَبِّيًا ، وَيَذْكُرُ اللَّهَ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ، ۝ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ بِالزِّمَامِ ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ ، وَفِيهِ أَرْدَفَ الْفَضْلُ ، وَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ( فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً أَسْرَعَ ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ ۝ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسِيرُ الْعَنَقَ ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ أَيْ : أَسْرَعَ قَالَ : هِشَامٌ النَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . ( فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - . رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ ، وَأُسَامَةُ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بِغَيْرِ أَذَانٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِإِقَامَتَيْنِ فَقَطْ ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِقَامَةٍ لِلْأُولَى فَلَا بَأْسَ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَمَعَ بَيْنِهِمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَإِنْ أَذَّنَ لِلْأُولَى ، وَأَقَامَ لِلثَّانِيَةِ ، فَحَسَنٌ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرٍ ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِزِيَادَةِ ، وَكَسَائِرِ الْفَوَائِتِ ، وَالْمَجْمُوعَاتِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ " : 236 وَاخْتَارَ الْخِرَقِيُّ الْأَوَّلُ ، وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ أُسَامَةَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْأُولَى ; لِأَنَّهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا بِخِلَافِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَتَطَوَّعَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ ( فَإِنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الطَّرِيقِ تَرَكَ السُّنَّةَ ) الْمَأْثُورَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ( وَأَجْزَأَهُ ) ; لِأَنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جَازَ التَّفْرِيقُ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ ، ( وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ مَعَ الْإِمَامِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ بِعَرَفَةَ جَمَعَ وَحْدَهُ ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ فِي الْأُولَى إِجْمَاعٌ ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا تُصَلَّى فِي وَقْتِهَا ، وَلِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ جَازَ مَعَ الْإِمَامِ جَازَ مُنْفَرِدًا كَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ ، ( ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا ) وَهُوَ ، وَاجِبٌ ؛ ۝ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَاتَ بِهَا ، وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ ، وَسَمَّاهَا مَوْقِفًا ( فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ ) ; لِأَنَّ مَبِيتَ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْ أَكْثَرِهِ بِهَا وَاجِبٌ ، وَلَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ فَيَجِبُ الدَّمُ إِذَا لَمْ يَعُدْ لَيْلًا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ : لَا يَجُبْ كَرُعَاةٍ وَسُقَاةٍ ، قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالسَّاهِي ، وَالْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ لِتَرْكِهِ النُّسُكَ .
( وَإِنْ دَفَعَ بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ : ۝ أَرْسَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلِأَنَّهُ فَاتَ مُعْظَمُ اللَّيْلِ ، وَالْمُعْظَمُ كَالْكُلِّ فَلَمْ يَكُنْ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ ( وَإِنْ وَافَاهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ) ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنَ النِّصْفِ الْأَوَّلِ ، فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ ، كَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ لَيْلًا ، ( وَإِنْ جَاءَ بَعْدَ الْفَجْرِ ) أَيْ : طُلُوعِهِ ( فَعَلَيْهِ دَمٌ ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ ، وَهُوَ الْمَبِيتُ بِهَا ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِ ۝ ابْنِ 237 عَبَّاسٍ : كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلَى مِنًى . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّفْقِ بِهِمْ ، وَدَفْعِ الْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ ( وَحَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ : مَا بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ ) أَيْ : مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ ، وَهُمَا جَبَلَانِ ، ( وَوَادِي مُحَسِّرٍ ) وَمَا عَلَى يَمِينِ ذَلِكَ ، وَشِمَالِهِ مِنَ الشِّعَابِ ، وَنَبَّهَ الْمُؤَلِّفُ عَلَى ذَلِكَ لِيُعَلِّمَكَ أَنَّ أَيَّ مَوْضِعٍ وَقَفَ مِنْهَا ، أَجْزَأَهُ ; ۝ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَفَ بِجَمْعٍ ، وَقَالَ : ارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ ( فَإِذَا أَصْبَحَ صَلَّى الصُّبْحَ ) بِأَذَانٍ ، وَإِقَامَةٍ ( بِغَلَسٍ ) ۝ لِقَوْلِ جَابِرٍ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الصُّبْحَ بِهَا حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، وَلِيَتَتَبَّعَ وَقْتَ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث