المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1077 · ص. المطبوع 240 · الشرح
( فَإِذَا وَصَلَ إِلَى مِنًى ) سُمِّيَتْ بِهِ ; لِأَنَّهُ قُدِّرَ فِيهَا مَوْتُ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا ( وَحَدُّهَا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إِلَى الْعَقَبَةِ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ مِنًى ; لِأَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ ، وَيُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْوُسْطَى الَّتِي يَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى ، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ( بَدَأَ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ) هِيَ آخِرُ الْجَمَرَاتِ مِمَّا يَلِي مِنًى وَأَوَّلُهَا مِمَّا يَلِي مَكَّةَ ، وَهِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ وَبِهَا سُمِّيَتْ فَصَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَدَأَ بِهَا ، وَلِأَنَّهَا تَحِيَّةٌ ، فَلَمْ يَتَقَدَّمْهَا شَيْءٌ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ ( فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ) رَاكِبًا إِنْ كَانَ ، وَالْأَكْثَرُ مَاشِيًا ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَاحِدَةٌ بَعْدَ وَاحِدَةٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ : ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَنَقَلَ حَرْبٌ : يَرْمِي ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَقُولُ : ۝ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا وَسَعْيًا مَشْكُورًا وَذَنْبًا مَغْفُورًا ; لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَابْنَ عُمَرَ كَانَا يَقُولَانِ ذَلِكَ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا وَضَعَهَا مِنْ غَيْرِ رَمْيٍ لَا يُجْزِئُهُ لِعَدَمِ الرَّمْيِ بَلْ لَوْ طَرَحَهَا أَجْزَأَتْ . وَظَاهِرُ " الْفُصُولِ " لَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَرْمِ ، فَلَوْ رَمَاهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، لَمْ تُجْزِئْهُ عَنْهُمَا وَيُؤَدَّبُ ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ ، فَيُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدَةٍ ، وَيُكَمِّلُ السَّبْعَ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا ، وَاسْتَحَبَّهُ " الْخِرَقِيُّ " فِي رِوَايَةٍ ; لِأَنَّهُ يَرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِي حَجَرٍ كَبِيرٍ وَجْهَانِ ، وَيَسْتَبْطِنُ الْوَادِي ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَيَرْمِي عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ ، لِفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَلَهُ الرَّمْيُ مِنْ فَوْقِهَا لِفِعْلِ عُمَرَ ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ ، ( وَيَرْفَعُ يَدَهُ ) قَالَ : جَمَاعَةٌ يُمْنَاهُ ( حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطِهِ ) ; لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى الرَّمْيِ ، وَأَمْكَنُ ، وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ حُصُولِهَا فِي الْمَرْمَى ، فَلَوْ رَمَاهَا فَوَقَعَتْ 240 فِي غَيْرِ الْمَرْمَى فَتَدَحْرَجَتْ حَصَاةٌ بِسَبَبِهَا ، فَوَقَعَتْ فِيهِ أَوِ الْتَقَطَهَا طَائِرٌ بَعْدَ رَمْيِهَا قَبْلَ وُصُولِهَا ، لَمْ يُجْزِئْهُ فَلَوْ وَقَعَتْ فِي مَكَانٍ صُلْبٍ ، ثُمَّ تَدَحْرَجَتْ إِلَيْهِ أَوْ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبِ إِنْسَانٍ فَنَفَضَهَا مَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ أَجْزَأَهُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَا يُجْزِئُهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَهُوَ أَظْهَرُ ; لِأَنَّ فِعْلَ الْأَوَّلِ انْقَطَعَ ، فَلَوْ رَمَاهَا وَشَكَّ فِي وُقُوعِهَا فِيهِ ، لَمْ يَسْقُطْ . وَعَنْهُ : بَلَى ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّا ، وَقِيلَ : يَكْفِي الظَّنُّ بِوُقُوعِهَا فِيهِ .
فَرْعٌ : إِذَا عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ جَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ فَإِذَا رَمَى ، ثُمَّ تَرَكَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِعَادَتُهُ ; لِأَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ عَنْهُ ( وَلَا ) يُسَنُّ أَنْ ( يَقِفُ عِنْدَهَا ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ انْصَرَفَ ، وَلَمْ يَقِفْ . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَلِضِيقِ الْمَكَانِ ( وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ ) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَلِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَهُ ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ ، وَفِي لَفْظٍ : قَطَعَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ . رَوَاهُ حَنْبَلٌ فِي " الْمَنَاسِكِ " وَلِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِهِ فَشَرَعَ قَطْعَهَا فِي ابْتِدَائِهِ ، كَالْمُعْتَمِرِ يَقْطَعُهَا بِالشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ ( فَلَوْ رَمَى بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ) لَمْ يُجْزِئْهُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يَرْمِ إِلَّا بِالْحَصَى ، وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ ، وَعَنْهُ : بَلَى ، فَإِنْ رَمَى بِخَاتَمٍ فَصُّهُ حَصَاةٌ ، فَوَجْهَانِ ( أَوْ غَيْرُ الْحَصَى ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ نَحْوَ الْكُحْلِ ، وَالرُّخَامِ ، وَصَرَّحَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ ; لِأَنَّ شُرَطَهُ الْحَجَرِيَّةُ ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْهُ ، وَيُلْحَقُ بِهِ الْجَوَاهِرُ الْمُنْطَبِعَةُ ، وَالزَّبَرْدَجُ ، وَالْيَاقُوتُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَعَنْهُ : تُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَعَنْهُ : تُجْزِئُ مَعَ الْجَهْلِ لَا الْقَصْدِ ، 241 لَكِنَّ الرُّخَامَ وَالْكِدَانَ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْإِجْزَاءِ ، فِيهِ فَدَلَّ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْأَحْجَارِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : لَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ الْكَبِيرَ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ، وَنَقَلَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِوُجُودِ الْحَجَرِيَّةِ ، وَكَذَا الْقَوْلَانِ فِي الصَّغِيرِ قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " ( أَوْ حَجَرٍ رُمِيَ بِهِ مَرَّةً لَمْ يُجْزِئْهُ ) فِي الْمَنْصُوصِ ; لِأَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ ثَانِيًا كَمَاءِ الْوُضُوءِ ، وَلِأَخْذِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ الْمَرْمِيِّ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَمَا احْتِيجَ إِلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِ مَكَانِهِ ، ( وَيَرْمِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ) هَذَا هُوَ الْأَفْضَلُ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا ۝ لِقَوْلِ جَابِرٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَمَى الْجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ : يُسَنُّ بَعْدَ الزَّوَالِ ( فَإِنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ ) أَيْ : لَيْلَةَ الْأَضْحَى ( أَجْزَأَهُ ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ ، ثُمَّ مَضَتْ ، وَأَفَاضَتْ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَعَنْهُ : يُجْزِئُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : نَصُّهُ لِلرِّعَاءِ خَاصَّةً الرَّمْيَ لَيْلًا ، نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَبَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَالْأَخْبَارُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْاسْتِحْبَابِ فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ جَازَ فَإِنْ غَرَبَتْ قَبْلَهُ فَمِنْ غَدٍ بَعْدَ الزَّوَالِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث