المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
( وَيَحْلِقُ ) بَعْدَ النَّحْرِ فَالْوَاوُ : بِمَعْنَى ثُمَّ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِنًى فَدَعَا بِذِبْحٍ فَذَبَحَ فَدَعَا بِالْحَلَّاقِ فَأَخَذَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ فَجَعَلَ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ ، ثُمَّ حَلَقَ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، فَمِنْ ثَمَّ تُسْتَحَبُّ الْبِدَاءَةُ بِأَيْمَنِهِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْلُغَ الْعَظْمَ الَّذِي عِنْدَ مُنْقَطَعِ الصُّدْغِ مِنَ الْوَجْهِ ، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ : وَيَدْعُو ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " : يِكَبِّرُ وَقْتَ الْحَلْقِ ; لِأَنَّهُ نُسُكٌ ، قَالَ أَبُو حَكِيمٍ : وَلَا يُشَارِطُهُ عَلَى أُجْرَةٍ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ( أَوْ يُقَصِّرُ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِهِ ) ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لِدُعَائِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْمُحَلِّقِينَ ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ . وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ; لِأَنَّ بَعْضَهُمْ حَلَقَ ، وَبَعْضَهُمْ قَصَّرَ ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ ، وَلَكِنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ بِلَا تَرَدُّدٍ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْعِبَادَةِ ، وَأَدَلُّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ ، وَيَكُونُ التَّقْصِيرُ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنِ الْحَلْقِ فَاقْتَضَى التَّعْمِيمَ لِلْأَمْرِ بِالتَّأَسِّي قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : لَا مِنْ كُلِّ شَعْرَةٍ بِعَيْنِهَا قَالَ جَمَاعَةٌ : وَيَكُونُ مِقْدَارُ الْأُنْمُلَةِ ; لِأَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ ( وَعَنْهُ : يُجْزِئُهُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ ) قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : فَيُجْزِئُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ ; لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : فَيُجْزِئُ مَا نَزَلْ عَنْ رَأْسِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ شَعْرِهِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ رَأْسًا ذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " وَ " الْخِلَافِ " قَالَ : وَلَا يُجْزِئُ شَعْرُ الْأُذُنِ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُجْزِئْ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ تَقْصِيرُ جَمِيعِهِ .
243 فَائِدَةٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَالْأَكْثَرِ أَنَّ مَنْ لَبَّدَ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ عَقَصَ ، فَكَغَيْرِهِ ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَحْلِقْ أَيْ : وَجَبَ عَلَيْهِ ، قَالَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ : لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّقْصِيرُ مِنْ كُلِّهِ لِاجْتِمَاعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى النَّدْبِ ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ حَلْقِ رَأَسِهِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ : وَلِحْيَتِهِ ، فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى ، وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي خِتَانٍ .
( وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلِأَنَّ الْحَلْقَ فِي حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ ، فَعَلَى هَذَا تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ : تَجْمَعُ شَعْرَهَا إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهِ قَدْرَهَا ، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ : يَجِبُ أُنْمُلَةٌ ، وَالْأَشْهَرُ يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهَا ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفِ لِحُكْمِ الْعَبْدِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمَرْأَةِ ، وَأَنَّهُ يُقَصِّرُ ، وَلَا يَحْلَقُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ ، ( ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ ) بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ ( كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَعْنَاهُ . فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْهُنَّ مِنَ الْقُبْلَةِ ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ . قَالَ الْقَاضِي وَابْنُهُ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ : وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " 244 وَعَقْدُ النِّكَاحِ . وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ حِلُّهُ ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ .
( وَعَنْهُ ) : يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ( إِلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ ) ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ ظَاهِرٌ فِي وَطْئِهَا ، وَلِأَنَّهُ أَغْلَظُ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَيُفْسِدُ النُّسُكَ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ . وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ، حَلَّ لَهُ بِدُخُولِهِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ ، قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ . رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ أَشْبَهَ الْقُبْلَةَ ( وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ ) مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [ الْفَتْحِ : 27 ] فَوَصَفَهُمْ وَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ ، بِذَلِكَ فَدَلَّ أَنَّهُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَعَ قَوْلِهِ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [ الْحَجِّ : 29 ] قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ الْحَلْقُ ، وَقِيلَ : بَقَايَا أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنَ الرَّمْيِ وَنَحْوِهِ ، وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ فَلْيُقَصِّرْ أَوْ لِيُحَلِّلْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمْ يَتَوَقَّفِ الْحِلُّ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ وَلِلْمُقَصِّرِينَ ، وَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فَلَوْلَا أَنَّهُ نُسُكٌ لَمَا اسْتَحَقُّوا لِأَجْلِهِ الدُّعَاءَ ، وَلَمَا وَقَعَ التَّفَاضُلُ فِيهِ ، إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ فِي الْمُبَاحِ . فَعَلَى هَذَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَيُذَمُّ بِتَرْكِهِ ( إِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامٍ مِنًى فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا : لَا دَمَ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] فَبَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ آخِرَهُ فَمَتَى أَتَى بِهِ ، أَجْزَأَ كَالطَّوَافِ ، وَالثَّانِيَةُ : عَلَيْهِ دَمٌ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ تَرَكَ النُّسُكَ فِي وَقْتِهِ أَشْبَهَ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ تَأْخِيرَهُ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " 245 وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى ، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ " الشَّرْحِ " أَخَصُّ ( وَعَنْهُ : أَنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي مُوسَى حِينَ قَالَ : أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَعْنَاهُ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَأَمَرَ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ وَلَا تَقْصِيرٍ ، وَلَوْ كَانَ نُسُكًا ، لَمَا أَمَرَ بِهِ إِلَّا بَعْدَهُ فَهُوَ كَاللِّبَاسِ ، وَالطِّيبِ ( لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ ) وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِدُونِهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ فِي أَيَّامِ مِنًى ، وَبَيْنَ تَأْخِيرِهِ وَتَرْكِهِ ، وَالْأَخْذُ مِنْ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَغَيْرِهِ .
243 فَائِدَةٌ : ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَالْأَكْثَرِ أَنَّ مَنْ لَبَّدَ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ عَقَصَ ، فَكَغَيْرِهِ ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ : مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيَحْلِقْ أَيْ : وَجَبَ عَلَيْهِ ، قَالَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ : لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّقْصِيرُ مِنْ كُلِّهِ لِاجْتِمَاعِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ ، فَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى النَّدْبِ ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَظْفَارِهِ وَشَارِبِهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بَعْدَ حَلْقِ رَأَسِهِ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ : وَلِحْيَتِهِ ، فَإِنْ عَدِمَ ذَلِكَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُمِرَّ الْمُوسَى ، وَقَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي خِتَانٍ .
( وَالْمَرْأَةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَلِأَنَّ الْحَلْقَ فِي حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ ، فَعَلَى هَذَا تُقَصِّرُ مِنْ كُلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ ، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُدَ : تَجْمَعُ شَعْرَهَا إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهَا ، ثُمَّ تَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِهِ قَدْرَهَا ، وَفِي مَنْسَكِ ابْنِ الزَّاغُونِيِّ : يَجِبُ أُنْمُلَةٌ ، وَالْأَشْهَرُ يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْهَا ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفِ لِحُكْمِ الْعَبْدِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّ حُكْمَهُ كَالْمَرْأَةِ ، وَأَنَّهُ يُقَصِّرُ ، وَلَا يَحْلَقُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ تَنْقُصُ قِيمَتُهُ ، ( ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ ) بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ ( كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : إِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ ، وَلِأَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا مَعْنَاهُ . فَعَلَى هَذَا لَا يُبَاحُ لَهُ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مِنْهُنَّ مِنَ الْقُبْلَةِ ، وَاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ . قَالَ الْقَاضِي وَابْنُهُ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ : وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " 244 وَعَقْدُ النِّكَاحِ . وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ حِلُّهُ ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ .
( وَعَنْهُ ) : يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ( إِلَّا الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ ) ; لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْمَرْأَةِ ظَاهِرٌ فِي وَطْئِهَا ، وَلِأَنَّهُ أَغْلَظُ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَيُفْسِدُ النُّسُكَ ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ . وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي الْمُتَمَتِّعِ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ، حَلَّ لَهُ بِدُخُولِهِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ ، قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ . رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي الْوَطْءِ أَشْبَهَ الْقُبْلَةَ ( وَالْحَلْقُ وَالتَّقْصِيرُ نُسُكٌ ) مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [ الْفَتْحِ : 27 ] فَوَصَفَهُمْ وَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ ، بِذَلِكَ فَدَلَّ أَنَّهُ مِنَ الْعِبَادَةِ مَعَ قَوْلِهِ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ [ الْحَجِّ : 29 ] قِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ الْحَلْقُ ، وَقِيلَ : بَقَايَا أَفْعَالِ الْحَجِّ مِنَ الرَّمْيِ وَنَحْوِهِ ، وَلِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِقَوْلِهِ فَلْيُقَصِّرْ أَوْ لِيُحَلِّلْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَمْ يَتَوَقَّفِ الْحِلُّ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ وَلِلْمُقَصِّرِينَ ، وَفَاضَلَ بَيْنَهُمْ فَلَوْلَا أَنَّهُ نُسُكٌ لَمَا اسْتَحَقُّوا لِأَجْلِهِ الدُّعَاءَ ، وَلَمَا وَقَعَ التَّفَاضُلُ فِيهِ ، إِذْ لَا مُفَاضَلَةَ فِي الْمُبَاحِ . فَعَلَى هَذَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ ، وَيُذَمُّ بِتَرْكِهِ ( إِنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامٍ مِنًى فَهَلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) إِحْدَاهُمَا : لَا دَمَ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] فَبَيَّنَ أَوَّلَ وَقْتِهِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ آخِرَهُ فَمَتَى أَتَى بِهِ ، أَجْزَأَ كَالطَّوَافِ ، وَالثَّانِيَةُ : عَلَيْهِ دَمٌ قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ تَرَكَ النُّسُكَ فِي وَقْتِهِ أَشْبَهَ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُ تَأْخِيرَهُ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " 245 وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ الْمُقَدَّمِ عَلَيْهِ فَتَأْخِيرُهُ أَوْلَى ، وَلَكِنَّ عِبَارَةَ " الشَّرْحِ " أَخَصُّ ( وَعَنْهُ : أَنَّهُ إِطْلَاقٌ مِنْ مَحْظُورٍ ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِي مُوسَى حِينَ قَالَ : أَهْلَلْتُ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طُفْ بِالْبَيْتِ ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حِلَّ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مَعْنَاهُ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَأَمَرَ بِالْحِلِّ مِنْ غَيْرِ حَلْقٍ وَلَا تَقْصِيرٍ ، وَلَوْ كَانَ نُسُكًا ، لَمَا أَمَرَ بِهِ إِلَّا بَعْدَهُ فَهُوَ كَاللِّبَاسِ ، وَالطِّيبِ ( لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ ) وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِدُونِهِ ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِهِ فِي أَيَّامِ مِنًى ، وَبَيْنَ تَأْخِيرِهِ وَتَرْكِهِ ، وَالْأَخْذُ مِنْ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَغَيْرِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث