المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1098 · ص. المطبوع 263 · الشرح
فَصْلٌ ( أَرْكَانُ الْحَجِّ : الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : ۝ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - 263 بِعَرَفَةَ ، فَجَاءَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْحَجُّ ؛ قَالَ : الْحَجُّ عَرَفَةُ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى : مَا أَرَى لِلثَّوْرِيِّ حَدِيثًا أَشْرَفَ مِنْهُ ( وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الْحَجِّ : 29 ] وَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ فِي شَأْنِ صَفِيَّةَ ، وَإِنَّ الطَّوَافَ حَابِسٌ لِمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ، وَلَوْ تَرَكَهُ رَجَعَ مُعْتَمِرًا ، نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ .
( وَعَنْهُ : أَنَّهَا أَرْبَعَةٌ : الْوُقُوفُ وَالطَّوَافُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَا لِحَدِيثِ " الْأَعْمَالِ " وَلِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ نِيَّةِ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ فَلَمْ يَتِمَّ إِلَّا بِهِ ، كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِيهِ ، هَلْ هُوَ رُكْنٌ ؛ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " : أَوْ شَرْطٌ ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا : لَا نَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْأَصْحَابِ قَالَ بِهِ ، وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مَا ظَاهِرُهُ رِوَايَةٌ بِجَوَازِ تَرْكِهِ ، وَفِي " الْإِرْشَادِ " سُنَّةٌ ، وَفِيهِ بُعْدٌ ( وَالسَّعْيُ ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ : ۝ اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ فِي الْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ فَكَانَ رُكْنًا فِيهِمَا كَالطَّوَافِ ، ( وَعَنْهُ : أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ وَأَنَّ السَّعْيَ مِنْهُ ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [ الْبَقَرَةِ : 158 ] وَنَفْيُ الْحَرَجِ عَنْ فَاعِلِهِ دَلِيلُ عَدَمِ وُجُوبِهِ ، وَفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ ، وَابْنِ مَسْعُودٍ " فَلَا جَنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا " وَهَذَا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا - فَلَا يَنْحَطُّ عَنْ رُتْبَةِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ ذُو عَدَدٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَكُنْ رُكْنًا كَالرَّمْيِ ( وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ ) هَذَا رِوَايَةٌ ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهَا مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ 264 فَكَانَ ، وَاجِبًا كَطَوَافِ الْوَدَاعِ فَعَلَى هَذَا إِنْ تَرَكَهُ أَجْبَرَهُ بِدَمٍ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالثَّوْرِيِّ .
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " : قَوْلُ الْقَاضِي أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - ، وَفِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ أَوْلَى ; لِأَنَّ دَلِيلَ مَنْ أَوْجَبَهُ دَلَّ عَلَى مُطْلَقِ الْوُجُوبِ ، لَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ ، وَحَدِيثُ حَبِيبَةَ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمِّلِ ، وَفِيهِ كَلَامٌ ، ثُمَّ هُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَكْتُوبٌ ، وَالْوَاجِبُ كَذَلِكَ ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ ; لِأَنَّ نَاسًا تَحَرَّجُوا مِنَ السَّعْيِ لِأَجْلِ صَنَمَيْنِ كَانَا بَيْنَ الصَّفَا ، وَالْمَرْوَةِ كَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ .
( وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ : الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ ) الْمُعْتَبَرُ لَهُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ذِكَرَ الْمَوَاقِيتَ ، وَقَالَ : ۝ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهِنَّ ، ( وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إِلَى اللَّيْلِ ) ; لِأَنَّهُ مَنْ أَدْرَكَهَا نَهَارًا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ ، وَجُزْءٍ مِنَ اللَّيْلِ ، وَلَوْ غَلَبَهُ نَوْمٌ بِعَرَفَةَ نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ ، ( وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ ) عَلَى الْأَصَحِّ ( إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ ) ; لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مُزْدَلِفَةَ أَوَّلَ اللَّيْلِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَبِيتُ بِهَا مُعْظَمَ اللَّيْلَةِ ، ( وَالْمَبِيتُ بِمِنًى ) لِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِي " الْوَاضِحِ " فِي مَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَمِنًى ، وَلَا عُذْرَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ ، ( وَالرَّمْيُ وَالْحِلَاقُ ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، ( وَطَوَافُ الْوَدَاعِ ) فِي الْأَصَحِّ ، وَهُوَ الصَّدْرُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ۝ لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَظَاهِرُهُ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِمَكَّةَ قَالَ الْآجُرِّيُّ : يَطُوفُهُ مَتَى أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى أَوْ مِنْ نَفْرٍ آخَرَ قَالَ : فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْحَاجِّ ، وَكَذَا التَّرْتِيبُ ، وَاجِبٌ عَلَى الْأَصَحِّ ، ( وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ ) كَالِاغْتِسَالِ ، وَطَوَافِ الْقُدُومِ ، وَالدَّفْعِ مَعَ الْإِمَامِ ، وَفِيهِمَا رِوَايَةٌ ، وَالْمَبِيتِ بِمِنًى 265 لَيْلَةَ عَرَفَةَ قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهَا اسْتِرَاحَةٌ ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَاجِبٌ ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " يَجِبُ الرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ : إِذَا نَسِيَ الرَّمَلَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَاسْتِلَامُ الرُّكْنَيْنِ ، وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ ، وَالْأَذْكَارُ ، وَالْأَدْعِيَةُ ، وَالصُّعُودُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث