المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1109 · ص. المطبوع 279 · الشرح
( وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا ) أَيْ : فِي الْهَدْيِ ، وَالْأَضَاحِيِّ ( الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَهِيَ الَّتِي انْخَسَفَتْ عَيْنُهَا ، وَلَا الْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي ، وَهِيَ الْهَزِيلَةُ الَّتِي لَا مُخَّ فِيهَا 279 وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا فَلَا تَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ مَعَ الْغَنَمِ ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ) لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ : ۝ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الْأَضَاحِي : الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا ، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لَا تُنْقِي . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا فُسِّرَ بِهِ الْعَوْرَاءُ هُوَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ ، إِذِ الْعَيْنُ عُضْوٌ مُسْتَطَابٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً أَوْ بِهَا بَيَاضٌ لَا يَمْنَعُ النَّظَرَ ، تُجْزِئُ ، وَكَذَا إِنْ أَذْهَبْهُ عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي ، وَهِيَ الَّتِي لَا مُخَّ فِي عِظَامِهَا لِهُزَالِهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَسُكُونِهَا أَيْ : بِهَا عَرَجٌ فَاحِشٌ يَمْنَعُهَا مِمَّا ذُكِرَ ; لِأَنَّهُ يَنْقُصُ لَحْمُهَا بِسَبَبِ ذَلِكَ ، فَلَوْ كَانَ عَرَجُهَا لَا يَمْنَعُهَا مِنْهُ ، أَجْزَأَتْ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي فِي " الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " هِيَ الَّتِي لَا تُطِيقُ أَنْ تَبْلُغَ النُّسُكَ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْكَسِيرَةَ لَا تُجْزِئُ ، وَذَكَرَهُ فِي " الرَّوْضَةِ " وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ اللَّحْمَ وَيُنْقِصُهُ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنًا أَنَّهَا تُجْزِئُ ; لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنَ الصَّحِيحَةِ ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ : هِيَ الَّتِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا ، وَلَحْمَهَا ، وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ ، وَابْنُ الْبَنَّا : هِيَ الْجَرْبَاءُ ; لِأَنَّهُ يُفْسِدُ اللَّحْمَ .
وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ يُنَاطُ الْحُكْمُ بِفَسَادِ اللَّحْمِ ; لِأَنَّهُ أَضْبَطُ ، وَلَعَلَّ الْقَاضِي وَمَنْ وَافَقَهُ ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْعَمْيَاءَ لَا تُجْزِئُ ; لِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنَ الْعَوْرَاءِ ، لِمَنْعِهَا مَعَ الْمَشْيِ مَعَ جِنْسِهَا ، وَمُشَارَكَتِهَا لَهُنَّ فِي الْمَرْعَى ، وَفِي قَائِمَةِ الْعَيْنَيْنِ رِوَايَتَانِ ، وَكَذَا جَافَّةُ الضَّرْعِ ، وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِنَقْصِ الْخَلْقِ ، ( وَ ) لَا تُجْزِئُ ( الْعَضْبَاءُ ) لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ : ۝ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُضَحَّى بِأَعْضَبِ الْأُذُنِ 280 وَالْقَرْنِ قَالَ قَتَادَةُ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ : الْعَضَبُ : النِّصْفُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ ، وَالْفَسَادُ ، وَبِهِ يَتَخَصَّصُ مَفْهُومُ مَا سَبَقَ إِنْ سَلِمَ الْمَفْهُومُ ، وَإِنَّ لَهُ عُمُومًا ، ( وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا أَوْ قَرْنِهَا ) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّ الْأَكْثَرَ يَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ النِّصْفُ فَأَكْثَرَ ، ذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ لِلْخَبَرِ ، وَعَنْهُ : الْمَانِعُ الثُّلُثُ فَأَكْثَرُ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ كَبِيرٌ ، وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِمَا فَوْقَ الثُّلُثِ ، وَاخْتَارَ فِي " الْفُرُوعِ " الْإِجْزَاءُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ فِي صِحَّةِ الْخَبَرِ نَظَرًا فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ كُلَيْبٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ قَالَ : أَبُو حَاتِمٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَلِأَنَّ الْقَرْنَ لَا يُؤْكَلُ ، وَالْأُذُنُ لَا يُقْصَدُ أَكْلُهَا غَالِبًا ، ثُمَّ هِيَ كَقَطْعِ الذَّنَبِ ، وَأَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ .
( وَتُكْرَهُ الْمَعِيبَةُ الْأُذُنِ بِخَرْقٍ أَوْ شَقٍّ أَوْ قَطْعٍ لِأَقَلَّ مِنَ النِّصْفِ ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ ۝ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ ، وَالْأُذُنَ ، وَأَنْ لَا نُضَحِّي بِمُقَابِلَةٍ ، وَلَا مُدَابِرَةٍ ، وَلَا خَرْقَاءَ ، وَلَا شَرَفَاءَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَحُمِلَ عَلَى الْكَرَاهَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْقُصُ لَحْمُهَا ، وَلَا يُوجَدُ سَالِمٌ مِنْهَا ، وَفِي " الْإِرْشَادِ " : لَا يُجْزِئُ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِلْمَشَقَّةِ ، وَالْقَرْنُ كَالْأُذُنِ .
تَنْبِيهٌ : يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ يُجْزِئُ ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ فَمِنْهَا الْهَتْمَاءُ ، وَهِيَ الَّتِي ذَهَبَتْ ثَنَيَاهَا مِنْ أَصْلِهَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " هُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : هِيَ الَّتِي سَقَطَ بَعْضُ أَسْنَانِهَا تُجْزِئُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ، وَكَذَا لَا تُجْزِئُ عَصْمَاءُ ، وَهِيَ الَّتِي انْكَسَرَ غِلَافُ قَرْنِهَا قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " 281 وَ " التَّلْخِيصُ " وَنَقَلَ جَعْفَرٌ فِي الَّذِي يُقْطَعُ مِنْ أَلْيَتِهِ دُونَ الثُّلْثِ : لَا بَأْسَ بِهِ .
( وَتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ ) وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ لَهَا قَرْنٌ لِعَدَمِ النَّهْيِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الَّتِي ذَهَبَ أَكْثَرُ أُذُنِهَا ، ( وَالْبَتْرَاءُ ) الَّتِي لَا ذَنَبَ لَهَا ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ : لَا يُضَحَّى بِهَا ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " ، فَلَوْ كَانَ ، وَقُطِعَ ، فَوَجْهَانِ ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّ الَّذِي قُطِعَ مِنْهَا عُضْوٌ كَالْأَلْيَةِ : لَا تُجْزِئُ ، ( وَالْخَصِيَّ ) بِلَا جَبٍّ ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ . رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَالْمَوْجُوءُ : الْمَرْضُوضُ الْخُصْيَتَانِ سَوَاءٌ قُطِعَتَا أَوْ سُلِتَا ، وَلِأَنَّهُ إِذْهَابٌ مُسْتَطَابٌ بَلْ يَطِيبُ اللَّحْمُ بِزَاوَلِهِ وَيَسْمَنُ ، بِخِلَافِ شَحْمَةِ الْعَيْنِ ، وَفَسَّرَ ابْنُ الْبَنَّا الْخَصِيَّ بِمَنْ قُطِعَ ذَكَرُهُ ، وَلَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ ، وَنَصُّهُ : لَا يُجْزِئُ خَصِيٌّ مَجْبُوبٌ ( وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا تُجْزِئُ الْجَمَّاءُ ) كَالَّتِي أَكْثَرُ قَرْنِهَا ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ .
( وَالسُّنَّةُ نَحْرُ الْإِبِلِ ) لِلنَّصِّ ، وَلِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ( قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا الْيُسْرَى ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ ; لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ۝ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَةً لِيَنْحَرَهَا فَقَالَ : ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَوْلُهُ - تَعَالَى - : فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [ الْحَجِّ : 36 ] دَالٌّ عَلَيْهِ مَعَ مَا حَكَاهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى - : فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ [ الْحَجِّ : 36 ] أَيْ : قِيَامًا ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ : إِذَا خَشِيَ عَلَيْهَا ، أَنَاخَهَا ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ : كَيْفَ شَاءَ بَارِكَةً ، وَقَائِمَةً ( فَيَطْعَنُهَا بِالْحَرْبَةِ فِي الْوَهْدَةِ ) بِسُكُونِ الْهَاءِ ، وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ ( الَّتِي بَيْنَ أَصْلِ الْعُنُقِ وَالصَّدْرِ ) وَلِأَنَّ 282 عُنُقَ الْبَعِيرِ طَوِيلَةٌ ، فَلَوْ طَعَنَ بِالْقُرْبِ مِنْ رَأْسِهِ لَحَصَلَ لَهُ تَعْذِيبٌ ، عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث