المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
( وَيُخَيَّرُ الْأَمِيرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ رِجَالَ قُرَيْظَةَ ، وَهُمْ بَيْنَ السِّتِّمِائَةٍ وَالسَّبْعِمِائَةٍ ، وَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ ، وَفِيهِ تَقُولُ أُخْتُهُ :
﴿﴾ مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ، وَرُبَّمَا ﴿﴾ ﴿﴾ مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ ﴿﴾ .
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ . وَالِاسْتِرْقَاقُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ ، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا قَالَ : وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فَبِالرِّقِّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي صَغَارِهِمْ .
فَرْعٌ : لَا يُبْطِلُ الِاسْتِرْقَاقُ حَقًّا لِمُسْلِمٍ . قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ . وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يُسْقِطُ حَقَّ قَوْدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ . وَفِي سُقُوطِ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِضَعْفِهَا بِرِقِّهِ كَذِمَّةِ مَرِيضٍ احْتِمَالَانِ . وَفِي " الْبُلْغَةِ " : يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ إِلَّا أَنْ يَغْنَمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ فَيَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهُ فَيَكُونُ رِقُّهُ كَمَوْتِهِ ؛ وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ حُلُولُهُ بِرِقِّهِ ، وَإِنْ غُنِمَا مَعًا فَهُمَا لِلْغَانِمِ ، وَدَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ . ( وَالْمَنُّ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [ مُحَمَّدٍ : 4 ] وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِبَالِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ فَأَخَذَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمُ الْآيَةَ [ الْفَتْحِ : 24 ] . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ : لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ 326 بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَّ عَلَى أَبِي عُرْوَةَ الشَّاعِرِ ، وَعَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَعَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ( وَالْفِدَاءُ ) لِلْآيَةِ ، وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَهُوَ جَائِزٌ ( بِمُسْلِمٍ ) بِلَا نِزَاعٍ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَغَيْرِهِ ( أَوْ بِمَالٍ ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَادَى أَهْلَ بَدْرٍ بِالْمَالِ بِلَا رَيْبٍ .
( وَعَنْهُ : لَا يَجُوزُ ) بِالْمَالِ . وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَجْهًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْزَلَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى إِلَى قَوْلِهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ الْأَنْفَالِ : 68 ] وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمُ السِّلَاحَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَبَيْعُ أَنْفُسِهِمْ أَوْلَى ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُقَاتِلَةِ الْأَحْرَارِ . ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، فَإِنْ كَانُوا أَرِقَّاءَ فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَتْلِهِمْ ، وَتَرْكِهِمْ غَنِيمَةً كَالْبَهَائِمِ . وَأَمَّا النِّسَاءُ ، وَالذُّرِّيَّةُ فَيَصِيرُونَ أَرِقَّاءَ بِنَفْسِ السَّبْيِ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ ، وَكَانَ يَسْتَرِقُّهُمْ إِذَا سَبَاهُمْ . وَمَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَالزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالْأَعْمَى ، فَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِمْ ، وَعَدَمِ النَّفْعِ فِي اقْتِنَائِهِمْ ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " : يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الشَّيْخِ وَالزَّمِنِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فَقَالَ : كُلُّ مَنْ لَا يُقْتَلُ كَأَعْمَى وَغَيْرِهِ ، يَرِقُّ بِنَفْسِ السَّبْيِ ، وَتَوَسَّطَ الْمَجْدُ فَجَعَلَ مَنْ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ هَؤُلَاءِ حُكْمَهُ حُكْمَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ . قَالَ 327 الزَّرْكَشِيُّ : وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ ، إِذِ الزَّمِنُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَاطُورًا ، وَالْأَعْمَى يَنْفُخُ فِي كِيرِ الْحَدَّادِ ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّفْعُ الْمُطْلَقُ .
تَنْبِيهٌ : إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَسْرِهِ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تَخْيِيرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهِ . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَمُسْلِمٍ أَصْلِيٍّ فِي قَوْدٍ وِدْيَةٍ ، لَكِنْ لَا قَوْدَ مَعَ شُبْهَةِ التَّأْوِيلِ ، وَفِي الدِّيَةِ الْخِلَافُ كَبَاغٍ . وَالتَّخْيِيرُ السَّابِقُ ثَابِتٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَنْ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ فَأَمَّا غَيْرُهُ ، فَقَالَ فِيهِ : ( إِلَّا غَيْرَ الْكِتَابِيِّ فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " .
إِحْدَاهُمَا : يَجُوزُ ، وَإِلَيْهَا مَيْلُ الْمُؤَلِّفِ وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " كَغَيْرِهِمْ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا ، اخْتَارَهَا الشَّرِيفُ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْبُلْغَةِ " .
قَالَ الْخِرَقِيُّ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ السَّيْفُ ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يَدُلُّ هَذَا عَلَى مُفَادَاتٍ وَمَنٍّ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ فَلَمْ يُسْتَرَقَّ كَالْمُرْتَدِّ ، وَالْمُؤَلِّفُ تَبِعَ أَبَا الْخَطَّابِ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالْمَجْدُ جَعَلَ مَنَاطَ الْحُكْمِ فِيمَنْ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ . فَعَلَى قَوْلِهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يَجْرِي فِيهِمُ الْخِلَافُ ، لِعَدَمِ أَخْذِهَا مِنْهُمْ . وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ مَوْلَى مُسْلِمٍ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ تَفْوِيتَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ بِخِلَافِ وَلَدِهِ الْحَرْبِيِّ لِبَقَاءِ نَسَبِهِ . وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِذِمِّيٍّ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ كَغَيْرِهِ .
( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الْأَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ ) لِأَنَّ هَذَا تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٌ لَا تَشَهٍّ ؛ فَمَتَى رَأَى مَصْلَحَةً فِي خَصْلَةٍ لَزِمَهُ فِعْلُهَا . وَفِي " الرَّوْضَةِ " يُنْدَبُ ، وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لَهُمْ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ مَا فِيهِ الْأَصْلَحُ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ . 328 وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَسْرَى ؛ فَالْقَوِيُّ قَتْلُهُ أَصْلَحُ ، وَلَا يُمَثَّلُ بِهِ ، وَعَنْهُ : بَلَى إِنْ فَعَلَوْهُ ، وَالضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ فِدَاؤُهُ أَصْلَحُ ، وَمَنْ لَهُ رَأْيٌ حَسَنٌ يُرْجَى إِسْلَامُهُ ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ ، وَمَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ ، فَاسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ ، وَإِنْ تَرَدَّدَ نَظَرُهُ ، فَقَتْلُهُ أَوْلَى . وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْإِمَامِ عَمَلَ الْمَصْلَحَةِ فِي مَالٍ وَغَيْرِهِ ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَهْلِ مَكَّةَ .
فَرْعٌ : مَنِ اسْتُرِقَّ أَوْ فُودِيَ بِمَالٍ ، كَانَ لِلْغَانِمِينَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ . ( فَإِنْ أَسْلَمُوا ، رَقُّوا فِي الْحَالِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، وَحَرُمَ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ وَهَذَا مُسْلِمٌ ؛ وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ ، فَصَارَ رَقِيقًا ، كَالْمَرْأَةِ ، وَقِيلَ : يَحْرُمُ قَتْلُهُ . وَيُتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ . جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ ذَلِكَ حَالَ كُفْرِهِمْ فَفِي حَالِ إِسْلَامِهِمْ أَوْلَى ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَزُولُ حُكْمُ التَّخْيِيرِ ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إِلَى الْكُفَّارِ .
وَزَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " : إِلَّا أَنْ تَمْنَعَهُ عَشِيرَةٌ ، وَنَحْوُهَا .
﴿﴾ مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ ، وَرُبَّمَا ﴿﴾ ﴿﴾ مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ ﴿﴾ .
فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ . وَالِاسْتِرْقَاقُ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ ، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا قَالَ : وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ فَبِالرِّقِّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي صَغَارِهِمْ .
فَرْعٌ : لَا يُبْطِلُ الِاسْتِرْقَاقُ حَقًّا لِمُسْلِمٍ . قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ . وَفِي " الِانْتِصَارِ " لَا يُسْقِطُ حَقَّ قَوْدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ . وَفِي سُقُوطِ دَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لِضَعْفِهَا بِرِقِّهِ كَذِمَّةِ مَرِيضٍ احْتِمَالَانِ . وَفِي " الْبُلْغَةِ " : يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ إِلَّا أَنْ يَغْنَمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ فَيَقْضِي مِنْهُ دَيْنَهُ فَيَكُونُ رِقُّهُ كَمَوْتِهِ ؛ وَعَلَيْهِ يَخْرُجُ حُلُولُهُ بِرِقِّهِ ، وَإِنْ غُنِمَا مَعًا فَهُمَا لِلْغَانِمِ ، وَدَيْنُهُ فِي ذِمَّتِهِ . ( وَالْمَنُّ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً [ مُحَمَّدٍ : 4 ] وَلِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ جِبَالِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لِيَقْتُلُوهُمْ فَأَخَذَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْتَقَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمُ الْآيَةَ [ الْفَتْحِ : 24 ] . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ : لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ 326 بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَّ عَلَى أَبِي عُرْوَةَ الشَّاعِرِ ، وَعَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَعَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ الْمَنُّ بِغَيْرِ عِوَضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ ( وَالْفِدَاءُ ) لِلْآيَةِ ، وَلِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَهُوَ جَائِزٌ ( بِمُسْلِمٍ ) بِلَا نِزَاعٍ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ وَغَيْرِهِ ( أَوْ بِمَالٍ ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَادَى أَهْلَ بَدْرٍ بِالْمَالِ بِلَا رَيْبٍ .
( وَعَنْهُ : لَا يَجُوزُ ) بِالْمَالِ . وَحَكَاهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ " وَجْهًا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنْزَلَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى إِلَى قَوْلِهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ الْأَنْفَالِ : 68 ] وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُمُ السِّلَاحَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَتِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فَبَيْعُ أَنْفُسِهِمْ أَوْلَى ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُقَاتِلَةِ الْأَحْرَارِ . ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، فَإِنْ كَانُوا أَرِقَّاءَ فَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَ قَتْلِهِمْ ، وَتَرْكِهِمْ غَنِيمَةً كَالْبَهَائِمِ . وَأَمَّا النِّسَاءُ ، وَالذُّرِّيَّةُ فَيَصِيرُونَ أَرِقَّاءَ بِنَفْسِ السَّبْيِ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِهِمْ ، وَكَانَ يَسْتَرِقُّهُمْ إِذَا سَبَاهُمْ . وَمَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَالزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالْأَعْمَى ، فَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ سَبْيُهُمْ لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِمْ ، وَعَدَمِ النَّفْعِ فِي اقْتِنَائِهِمْ ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي " الْمُغْنِي " : يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الشَّيْخِ وَالزَّمِنِ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ فَقَالَ : كُلُّ مَنْ لَا يُقْتَلُ كَأَعْمَى وَغَيْرِهِ ، يَرِقُّ بِنَفْسِ السَّبْيِ ، وَتَوَسَّطَ الْمَجْدُ فَجَعَلَ مَنْ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ هَؤُلَاءِ حُكْمَهُ حُكْمَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ . قَالَ 327 الزَّرْكَشِيُّ : وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ ، إِذِ الزَّمِنُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَاطُورًا ، وَالْأَعْمَى يَنْفُخُ فِي كِيرِ الْحَدَّادِ ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّفْعُ الْمُطْلَقُ .
تَنْبِيهٌ : إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَسْرِهِ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا تَخْيِيرَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَيْهِ . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَمُسْلِمٍ أَصْلِيٍّ فِي قَوْدٍ وِدْيَةٍ ، لَكِنْ لَا قَوْدَ مَعَ شُبْهَةِ التَّأْوِيلِ ، وَفِي الدِّيَةِ الْخِلَافُ كَبَاغٍ . وَالتَّخْيِيرُ السَّابِقُ ثَابِتٌ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَنْ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ فَأَمَّا غَيْرُهُ ، فَقَالَ فِيهِ : ( إِلَّا غَيْرَ الْكِتَابِيِّ فَفِي اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " .
إِحْدَاهُمَا : يَجُوزُ ، وَإِلَيْهَا مَيْلُ الْمُؤَلِّفِ وَهِيَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " كَغَيْرِهِمْ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا ، اخْتَارَهَا الشَّرِيفُ ، وَابْنُ عَقِيلٍ ، وَصَحَّحَهَا فِي " الْبُلْغَةِ " .
قَالَ الْخِرَقِيُّ : لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ السَّيْفُ ، وَفِي " الْوَاضِحِ " يَدُلُّ هَذَا عَلَى مُفَادَاتٍ وَمَنٍّ ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ فَلَمْ يُسْتَرَقَّ كَالْمُرْتَدِّ ، وَالْمُؤَلِّفُ تَبِعَ أَبَا الْخَطَّابِ فِي حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَالْمَجْدُ جَعَلَ مَنَاطَ الْحُكْمِ فِيمَنْ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ . فَعَلَى قَوْلِهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ يَجْرِي فِيهِمُ الْخِلَافُ ، لِعَدَمِ أَخْذِهَا مِنْهُمْ . وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ مَوْلَى مُسْلِمٍ لَا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ ؛ لِأَنَّ فِي اسْتِرْقَاقِهِ تَفْوِيتَ وَلَاءِ الْمُسْلِمِ الْمَعْصُومِ بِخِلَافِ وَلَدِهِ الْحَرْبِيِّ لِبَقَاءِ نَسَبِهِ . وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ وَلَاءٌ لِذِمِّيٍّ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ فَجَازَ اسْتِرْقَاقُهُ كَغَيْرِهِ .
( وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الْأَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ ) لِأَنَّ هَذَا تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ وَاجْتِهَادٌ لَا تَشَهٍّ ؛ فَمَتَى رَأَى مَصْلَحَةً فِي خَصْلَةٍ لَزِمَهُ فِعْلُهَا . وَفِي " الرَّوْضَةِ " يُنْدَبُ ، وَلِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّظَرِ لَهُمْ ، فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُ مَا فِيهِ الْأَصْلَحُ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ . 328 وَلِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَسْرَى ؛ فَالْقَوِيُّ قَتْلُهُ أَصْلَحُ ، وَلَا يُمَثَّلُ بِهِ ، وَعَنْهُ : بَلَى إِنْ فَعَلَوْهُ ، وَالضَّعِيفُ الَّذِي لَهُ مَالٌ فِدَاؤُهُ أَصْلَحُ ، وَمَنْ لَهُ رَأْيٌ حَسَنٌ يُرْجَى إِسْلَامُهُ ، فَالْمَنُّ عَلَيْهِ أَصْلَحُ ، وَمَنْ يُنْتَفَعُ بِخِدْمَتِهِ ، فَاسْتِرْقَاقُهُ أَصْلَحُ ، وَإِنْ تَرَدَّدَ نَظَرُهُ ، فَقَتْلُهُ أَوْلَى . وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْإِمَامِ عَمَلَ الْمَصْلَحَةِ فِي مَالٍ وَغَيْرِهِ ، لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَهْلِ مَكَّةَ .
فَرْعٌ : مَنِ اسْتُرِقَّ أَوْ فُودِيَ بِمَالٍ ، كَانَ لِلْغَانِمِينَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ . ( فَإِنْ أَسْلَمُوا ، رَقُّوا فِي الْحَالِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، وَحَرُمَ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ وَهَذَا مُسْلِمٌ ؛ وَلِأَنَّهُ أَسِيرٌ يَحْرُمُ قَتْلُهُ ، فَصَارَ رَقِيقًا ، كَالْمَرْأَةِ ، وَقِيلَ : يَحْرُمُ قَتْلُهُ . وَيُتَخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ . جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ ذَلِكَ حَالَ كُفْرِهِمْ فَفِي حَالِ إِسْلَامِهِمْ أَوْلَى ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَزُولُ حُكْمُ التَّخْيِيرِ ، وَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ إِلَى الْكُفَّارِ .
وَزَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " : إِلَّا أَنْ تَمْنَعَهُ عَشِيرَةٌ ، وَنَحْوُهَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث