المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1147 · ص. المطبوع 332 · الشرح
( وَإِذَا حَصَرَ الْإِمَامُ حِصْنًا ، لَزِمَ مُصَابَرَتُهُ ) مَهْمَا أَمْكَنَ ( إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا ) لِأَنَّ عَلَيْهِ فِعْلَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي الِانْصِرَافِ جَازَ . صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ لِانْصِرَافِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حِصْنِ الطَّائِفِ قَبْلَ فَتْحِهِ ، وَبِهِ يَزُولُ اللُّزُومُ . وَبِالْإِسْلَامِ ، وَبِبَذْلِ الْمَالِ عَلَى الْمُوَادَعَةِ ، سَوَاءٌ أَعْطَوْهُ جُمْلَةً ، أَوْ جَعَلُوهُ خَرَاجًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ كُلَّ عَامٍ ، وَبِالْفَتْحِ ، وَبِالنُّزُولِ عَلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، وَبِالْهُدْنَةِ بِشَرْطِهَا . ( فَإِنْ أَسْلَمُوا ) أَيْ : أَهْلُ الْحِصْنِ ( أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ ) فَكَمُسْلِمٍ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ( أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ . . . . الْخَبَرَ ، وَالْمُرَادُ بِالْمَالِ حَيْثُ كَانَ ، وَمَنْفَعَةُ إِجَارَةٍ ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ ( وَأَوْلَادُهُ الصِّغَارُ ) لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَوْ كَانُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَحَمْلُ امْرَأَتِهِ مَعَ كَوْنِهِ حُرًّا مُسْلِمًا ، وَالْمَجْنُونُ كَصَغِيرٍ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْصِمُ أَوْلَادَهُ الْكِبَارَ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَتْبَعُونَهُ ، وَلَا زَوْجَتَهُ كَذَلِكَ . ( وَإِنْ سَأَلُوهُ الْمُوَادَعَةَ ) وَهِيَ الْمُصَالَحَةُ ، وَالْمُسَالَمَةُ ( بِمَالٍ أَوْ غَيْرِهِ ، جَازَ إِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهِ ) لِأَنَّ الْغَرَضَ إِعْلَاءُ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَصَغَارُ الْكَفَرَةِ ؛ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْمُوَادَعَةِ ، فَيَجِبُ كَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ ، وَشَرَطَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي عَقْدِهَا بِغَيْرِ مَالٍ عَجْزَ الْمُسْلِمِينَ ، وَاسْتِضْرَارَهُمْ بِالْمُقَامِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي الِانْصِرَافِ .
332 ( وَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ حَاكِمٍ جَازَ ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ . وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ إِذَا نَزَلُوا لَزِمَهُ أَنْ يُنْزِلَهُمْ ، وَخُيِّرَ كَأَسْرَى . وَالْكَلَامُ فِي مَقَامَيْنِ فِي صِفَةِ الْحَاكِمِ ، فَقَالَ : ( إِذَا كَانَ حُرًّا عَاقِلًا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ) لِأَنَّهُ حَاكِمٌ أَشْبَهَ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْبُلْغَةِ " وَ " الْوَجِيزِ " بِخِلَافِ الْقَضَاءِ لِيَعْرِفَ الْمُدَّعِيَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ، وَالشَّاهِدَ مِنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ، وَلَا مُجْتَهِدًا فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا فِي الْجِهَادِ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِمَا ، وَتَرَكَ قَيْدَ الذُّكُورِيَّةِ وَالْعَدَالَةِ لِوُضُوحِهِمَا .
تَنْبِيهٌ : لَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلَيْنِ فَأَكْثَرَ ، جَازَ ، وَالْحُكَمُ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ ؛ فَلَوْ جَعَلُوا الْحُكْمَ عَلَى رَجُلٍ يُعَيِّنُهُ الْإِمَامُ ، صَحَّ ؛ فَإِنْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، أَوْ جَعَلُوا التَّعْيِينَ إِلَيْهِمْ ، لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا اخْتَارُوا غَيْر الْأَصْلَحِ . ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ .
الثَّانِي : فِي صِفَةِ الْحُكْمِ فَقَالَ : ( وَلَا يَحْكُمُ إِلَّا بِمَا فِيهِ الْأَحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ ) لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ فَقَامَ مَقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ الْأَحَظِّ فِي الْأَسْرَى ؛ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَحُكْمُهُ لَازِمٌ . ( مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ ) لِأَنَّ سَعْدًا حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِقَتْلِهِمْ ، وَسَبْيِ ذَرَارِيِّهِمْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ لَقَدْ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ أَرْقِعَةٍ .
( وَالْفِدَاءِ ) لِمَا سَبَقَ فِي الْإِمَامِ . وَظَاهِرُهُ وَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ، لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ ، وَاشْتُرِطَ فِيهِ التَّرَاضِي . وَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ 333 الْإِمَامُ إِجْبَارَ الْأَسِيرِ عَلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ( فَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ لَزِمَهُ قَبُولُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) قَالَهُ الْقَاضِي ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْإِمَامِ فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ ، كَهُوَ . وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَبَاهُ الْإِمَامُ .
وَالثَّانِي : الْمَنْعُ ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهِ ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ . قَالَهُ فِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْخُلَاصَةِ " وَقِيلَ : فِي الْمُقَاتِلَةِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَالذُّرِّيَّةِ لِأَنَّهُمَا غَنِيمَةٌ ، فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ تَرْكُهَا مَجَّانًا ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " الْبُلْغَةِ " : لَوْ حَكَمَ بِأَسْرٍ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنَّ بِإِطْلَاقِهِمْ إِلَّا بِرِضَا الْغَانِمِينَ ( وَإِنْ حَكَمَ بِقَتْلٍ أَوْ سَبْيٍ ، فَأَسْلَمُوا ) بَعْدَ الْحُكْمِ ( عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ ) لِأَنَّ قَتْلَ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يَعْصِمُونَ أَمْوَالَهُمْ ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ ، وَكَذَا سَبْيُهُمْ ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " .
( وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ وَجْهَانِ ) كَذَا فِي " الْبُلْغَةِ " وَفِي " الْكَافِي " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِمَا رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا : لَا يَجُوزُ . قَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِمْ ، وَالثَّانِيَةُ : يَجُوزُ ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ احْتِمَالًا ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ وَوُجُوبِ قَتْلِهِمْ ، كَالْأَسِيرِ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ قَتْلَهُ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَالُ عَلَى مَا حُكِمَ فِيهِ ، فَإِنَّ حُكِمَ بِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، كَانَ غَنِيمَةً ، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْقَهْرِ .
تَنْبِيهٌ : لَيْسَ لِلْإِمَامِ تَغْيِيرُ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ مِمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ فِيهِ ، فَلَا يَقْتُلُ مَنْ حَكَمَ بِرِقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مِنَ الرِّقِّ ، وَفِيهِ إِتْلَافُ الْغَنِيمَةِ بِغَيْرِ رِضَا الْغَانِمِينَ ، 334 وَلَا رِقُّ مَنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُدْخِلُ الضُّرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِبَقَائِهِمْ ، وَلَا رِقُّ وَلَا قَتْلُ مَنْ حَكَمَ بِفِدَائِهِ لِأَنَّهُمَا أَشَدُّ مِنَ الْفِدَاءِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بَعْدَ لُزُومِهِ ، وَلَهُ الْمَنُّ إِلَّا أَنَّهُ أَخَفُّ مِمَّا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ فَإِذَا رَآهُ الْإِمَامُ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ أَتَمُّ نَظَرًا ، وَكَالِابْتِدَاءِ ، وَقَبُولِ الْفِدَاءِ مِمَّنْ حَكَمَ بِقَتْلِهِ أَوْ رِقِّهِ ؛ لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِلْحُكْمِ بِرِضَا الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ حَقُّهُ ، فَإِذَا رَضِيَ بِشِرْكِهِ ، جَازَ . ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث