المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الرابع
الصفحة 1268 · ص. المطبوع 68 · الشرح
فَصْلٌ ( الثَّانِي : خِيَارُ الشَّرْطِ ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا فِي الْعَقْدِ ) وَظَاهِرُهُ لَوِ اتَّفَقَا قَبْلَهُ لَمْ يَلْزَمِ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَبَعْدَهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارَيْنِ ( خِيَارُ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ فَيَثْبُتُ فِيهَا ، وَإِنْ طَالَتْ ) وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ الْمَائِدَةِ : 1 ] وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ۝ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مُقَدَّرٌ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فَيَرْجِعُ فِي تَقْدِيرِهِ إِلَى مُشْتَرِطِهِ كَالْأَجَلِ ، أَوْ مُدَّةٍ مُلْحَقَةٍ بِالْعَقْدِ فَجَازَ عَلَيْهِ كَالْأَجَلِ ، وَمَا رُوِيَ ۝ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - أَنَّ جَدَّهُ كَانَ يَغْبِنُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ : ۝ لَا خِلَابَةَ وَمُسْلِمٌ : ۝ لَا خِيَانَةَ قِيلَ : هُوَ تَصْحِيفٌ ، وَهُوَ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَاللُّزُومَ ، وَإِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ ، فَجَازَ فِي الثَّلَاثَةِ لِلْحَاجَةِ فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِحَبَّانَ ، لِأَنَّهُ كَانَ أَصَابَهُ آمَةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ ، وَكَانَ يَغْبِنُ وَيَرُدُّ السِّلَعَ عَلَى التُّجَّارِ ، وَيَقُولُ : الرَّسُولُ جَعَلَ لِي الْخِيَارَ ثَلَاثًا ، وَعَاشَ إِلَى زَمَنِ عُثْمَانَ وَتَقْدِيرُهَا بِالْحَاجَةِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ الْحُكْمِ بِهَا لِخَفَائِهَا ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ لَا يَبْقَى إِلَى مُضِيِّهَا ، كَطَعَامٍ رَطْبٍ وَنَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْفَظُ ثَمَنُهُ إِلَى الْمُدَّةِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي ، وَهُوَ قِيَاسُ مَا ذَكَرَ فِي الرَّهْنِ ، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً ، فَإِنْ فَعَلَهُ حِيلَةً لِيَرْبَحَ فِيمَا أَقْرَضَهُ لَمْ يَجُزْ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَلَا يَجُوزُ مَجْهُولًا ) كَقُدُومِ زَيْدٍ ، أَوْ مَجِيءِ الْمَطَرِ أَوِ الْأَبَدِ ( فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ) لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ ، فَلَمْ تَجُزْ مَعَ الْجَهَالَةِ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الْأَبَدِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنَ 68 التَّصَرُّفِ فِيهِ ، وَهُوَ مُنَافٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ( وَعَنْهُ : يَجُوزُ ) وَقَالَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ لِلْخَبَرِ ، فَعَلَى هَذِهِ ( هُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا إِلَى أَنْ يَقْطَعَاهُ ، أَوْ تَنْتَهِيَ مُدَّتُهُ ) إِنْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِمَا تَنْتَهِي بِهِ .
( وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا فِي الْبَيْعِ ) لِمَا مَرَّ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ لِصِحَّتِهِ كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ ( وَالصُّلْحُ بِمَعْنَاهُ ) لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِلَفْظِ الصُّلْحِ ، وَقِسْمَةٌ قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : وَإِنْ كَانَ رَدَّ ، وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ دُخُولَهُ فِي سِلْمٍ - رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ - لِعَدَمِ اعْتِبَارِ قَبْضِهِمَا ( وَالْإِجَارَةِ فِي الذِّمَّةِ ) كَقَوْلِهِ : اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لِلْغَبْنِ ، فَوَجَبَ ثُبُوتُهُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ ( أَوْ عَلَى مُدَّةٍ لَا تَلِي الْعَقْدَ ) كَمَا لَوْ أَجَّرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ تَلِي الْعَقْدَ لَا يَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ عَلَى الْمَذْهَبِ إِلَى فَوَاتِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا ، أَوْ إِلَى اسْتِيفَائِهَا فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ جَائِزٌ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَتَصَرَّفُ الْمُسْتَأْجِرُ ، فَإِنْ فَسَخَ الْعَقْدَ رَجَعَ بِقِيمَةِ الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَا ذُكِرَ ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : يَثْبُتُ فِي ضَمَانٍ وَكَفَالَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ صَاحِبُ " الرَّوْضَةِ " يَثْبُتُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : يَجُوزُ فِي كُلِّ الْعُقُودِ ( وَإِنْ شَرَطَاهُ إِلَى الْغَدِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْمُدَّةِ ) لِأَنَّ " إِلَى " لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ ، وَمَا بَعْدَهَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) وَكَنَظَائِرِهِ فِي الطَّلَاقِ وَالْإِقْرَارِ ( وَعَنْهُ : تَدْخُلُ ) لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى " مَعَ " فَعَلَيْهَا لَا يَسْقُطُ الْخِيَارُ إِلَّا بِآخِرِ الْغَدِ ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا ، وَحَمْلُهَا عَلَى الْمَعِيَّةِ إِمَّا لِدَلِيلٍ أَوْ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهَا عَلَى 69 مَوْضُوعِهَا الْأَصْلِيِّ ، وَإِلَى الظُّهْرِ إِلَى الزَّوَالِ كَالْغَدِ وَالْعَشِيِّ وَالْعَشِيَّةِ مِنَ الزَّوَالِ ، وَذَكَرَهُمَا الْجَوْهَرِيُّ مِنَ الْغُرُوبِ إِلَى الْعَتْمَةِ كَالْعِشَاءِ ، وَإِنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّ الْعِشَاءَ مِنَ الزَّوَالِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، وَالْمَسَاءَ وَالْغَبُوقَ مِنَ الْغُرُوبِ وَالْغَدْوَةِ وَالْغَدَاةِ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَالصَّبُوحِ ، وَالْآصَالِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ .
فَائِدَةٌ : يُقَالُ مِنَ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ أَصْبَحَ عِنْدَكَ فُلَانٌ ، وَمِنَ الزَّوَالِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ أَمْسَى عِنْدَكَ ، وَالصَّبَاحُ خِلَافُ الْمَسَاءِ ، وَالْإِصْبَاحُ نَقِيضُ الْإِمْسَاءِ ( وَإِنْ شَرَطَاهُ مُدَّةً فَابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ الْعَقْدِ كَالْأَجَلِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حِينِ التَّفَرُّقِ ) وَهُوَ وَجْهٌ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ فِي الْمَجْلِسِ حُكْمًا ، فَلَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهِ بِالشَّرْطِ ، وَلِأَنَّ حَالَةَ الْمَجْلِسِ كَحَالَةِ الْعَقْدِ ؛ لِأَنَّ لَهُمَا نِيَّةَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِكَذَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاطَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْخِيَارِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَهُ حُكْمُهُ كَالْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ مَعَ أَنَّهَا لَوْ جُعِلَتْ مِنَ التَّفَرُّقِ لَأَدَّى إِلَى جَهَالَتِهَا ، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ مُمْتَنِعٌ كَالْوَطْءِ يَحْرُمُ بِالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ .
فَرْعٌ : إِذَا شَرَطَاهُ سَنَةً فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ اسْتَوْفَى شَهْرٌ بِالْعَدَدِ وَبَاقِيهَا بِالْأَهِلَّةِ ، وَعَنْهُ : يُسْتَوْفَى الْكُلُّ بِالْعَدَدِ ، كَمَا يَأْتِي فِيمَا إِذَا عَلَّقَ بِالْأَشْهُرِ مِنْ إِجَارَةٍ وَعِدَّةٍ وَصَوْمِ كَفَّارَةٍ ، وَإِنْ شَرَطَاهُ شَهْرًا يَوْمًا يَثْبُتُ ، وَيَوْمًا لَا ، فَثَالِثُهَا كَابْنِ عَقِيلٍ يَصِحُّ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، لِإِمْكَانِهِ وَيَبْطُلُ فِيمَا بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَزِمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي : لَمْ يَعُدْ إِلَى الْجَوَازِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث