المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الرابع
( وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ ) وَلَهُ ( جَازَ وَكَانَ تَوْكِيلًا لَهُ فِيهِ ) لِأَنَّ تَصْحِيحَ 70 الِاشْتِرَاطِ مُمْكِنٌ ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ صِيَانَةً لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ عَنِ الْإِلْغَاءِ ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِزَيْدٍ وَأَطْلَقَ فَوَجْهَانِ ، وَإِنْ قَالَ : لَهُ دُونِي لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ شَرَّعَ لِتَحْصِيلِ الْحَظِّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِنَظَرِهِ ، فَلَا يَكُونُ لِمَنْ لَا حَظَّ لَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَيَكُونُ تَوْكِيلًا ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَصْحِيحُهُ فَعَلَيْهِ لِأَحَدِهِمَا الْفَسْخُ ، وَقِيلَ : لِلْمُوَكِّلِ إِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ وَجَعَلَهُ وَكِيلًا .
( وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا ) : أَيْ : أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ( دُونَ صَاحِبِهِ جَازَ ) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ اشْتِرَاطُهُ لَهُمَا ، فَلِأَنْ يَجُوزَ لِأَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا : لَا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِجَهَالَتِهِ ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدٌ عَبْدَيْهِ وَكَمَا لَوْ جَعَلَ الْخِيَارَ فِي إِحْدَى السِّلْعَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ مَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا : بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِقِسْطِهِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ عِنْدَ الرَّدِّ ( وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ( مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ جُعِلَ إِلَيْهِ ، فَجَازَ مَعَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَسَخَطِهِ كَالطَّلَاقِ ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : يَرُدُّ الثَّمَنَ ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالشَّفِيعِ ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَخَرَّجُ مَنْ عَزَلَ الْوَكِيلَ لَا فَسْخَ فِي غَيْبَتِهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فِي الْمُدَّةِ ( وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا ) وَلَزِمَ الْعَقْدُ ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ فَبَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا كَالْأَجَلِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ لَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ إِلَى بَقَاءِ الْخِيَارِ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّتِهِ 71 الْمُشْتَرَطَةِ ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْطِ ، إِذِ الْبَيْعُ سَبَبُ اللُّزُومِ ، لَكِنْ تَخَلَّفَ مُوجِبُهُ بِالشَّرْطِ ، فَإِذَا زَالَتْ مُدَّتُهُ لَزِمَ الْعَقْدُ بِمُوجِبِهِ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْمُعَارِضِ ، قَوْلُهُ : " وَلَمْ يَفْسَخَا " لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ بَلْ لَوْ لَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْخِيَارُ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ، إِذْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا : لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا فَسَخَا ، وَلَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهُ لِظُهُورِ الْمُرَادِ .
( وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ ) مُدَّةَ الْخِيَارَيْنِ ( إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ) هِيَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ وَوُجِّهَ أَنَّهُ جُعِلَ الْمَالُ لِلْمُبْتَاعِ بِاشْتِرَاطِهِ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ بَيْعٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ الْخِيَارِ . وَالثَّانِيَةُ : لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَاصِرٌ لَا يُفِيدُ التَّصَرُّفَ وَلَا يَلْزَمُ ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَالْأُولَى أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَنُقِلَ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِ : مَلَّكْتُكَ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ كَالْمُطْلَقِ ، وَدَعْوَى الْقُصُورِ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ ، وَجَوَازُ فَسْخِهِ لَا يُوجِبُ قُصُورَهُ ، وَلَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهِ كَالْمَعِيبِ وَامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ ، فَعَلَى هَذَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَرِيبُهُ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ وَيَخْرُجُ فِطْرَتُهُ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَغَيْرُهُ وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا : صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ( فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لَهُ أَمْضَيَا الْعَقْدَ ، أَوْ فَسَخَاهُ ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ الدَّاخِلِ فِي ضَمَانِهِ بِقَوْلِهِ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَاحْتَرِزْ بِالْمُنْفَصِلِ عَنِ النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ ، كَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْعَيْنَ مَعَ الْفَسْخِ 72 لِتَعَذُّرِ انْفِصَالِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا : وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَظَ فِي كَوْنِ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُشْتَرِي ، وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّهُ لِلْبَائِعِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَعَنْهُ : إِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا : فَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ ، وَعَنْهُ : وَكَسْبُهُ لِلْبَائِعِ كَرِوَايَةِ الْمَلِكِ لَهُ .
فَرْعٌ : الْحَمْلُ وَقْتُ الْعَقْدِ مَبِيعٌ ، وَعَنْهُ : نَمَاءٌ ، فَتُرَدُّ الْأُمُّ بِعَيْبٍ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ " ، فَعَلَى الْأَوَّلِ : هَلْ هُوَ كَأَحَدِ عَيْنَيْنِ ، أَوْ تَبَعٌ لِلْأُمِّ لَا حُكْمَ لَهُ ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ .
( وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْبَائِعِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ ، وَلَا انْقَطَعَتْ عَنْهُ عَلَقَةٌ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْمُشْتَرِي ، وَكَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعِوَضِ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الرِّعَايَةِ " ، وَالزَّرْكَشِيُّ حِذَارًا مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ ( إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ ) كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا ، وَحَلْبِ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخِيَارِ ، وَهُوَ اخْتِبَارُ الْمَبِيعِ ( فَإِنْ تَصَرَّفَا ) أَوْ أَحَدُهُمَا : ( بِبَيْعٍ ، أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا ) مِمَّا يَنْقِلُ الْمِلْكَ ، أَوْ يُثْبِتُ النَّقْلَ فِي الْعُقُودِ كَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَهُوَ حَرَامٌ وَ ( لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا ) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْلِكُهُ ، وَالْمُشْتَرِي يَقْتَضِي تَصَرُّفُهُ إِلَى إِسْقَاطِ حَقِّ الْبَائِعِ مِنَ الْخِيَارِ ، وَاسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ ، وَقِيلَ : يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ إِذَا قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ وَالْخِيَارُ لَهُ ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَوَّلُهُمَا ، وَعَنْهُ : يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَعَنْهُ : مَوْقُوفٌ .
73 ( وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ ) أَيْ : رَضِيَ بِهِ ( فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّصْرِيحِ فَحَصَلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ كَالْمُعْتَقَةِ ، فَإِنَّ خِيَارَهَا يَسْقُطُ بِتَمْكِينِهَا الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي وَسَوْمَهُ وَوَطْأَهُ وَلَمْسَهُ بِشَهْوَةٍ إِمْضَاءٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ ( وَفِي الْآخَرِ الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا ) أَيْ : لَيْسَ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ ، نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فَسْخًا وَاسْتِرْجَاعًا ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ ، وَكَمَا لَوْ أَنْكَرَ شَرْطَ الْخِيَارِ ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلَّا بِالْعِتْقِ وَسَيَأْتِي ، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ ، فَالتَّصَرُّفُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : لَهُ التَّصَرُّفُ ، وَيَكُونُ رَضِيَ بِلُزُومِهِ وَإِنْ سَلِمَ ، فَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ ، قَالَ : وَإِذَا قُلْنَا بِالْمِلْكِ لَهُ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ ، فَإِنْ تَصَرَّفَ مَعَ الْبَائِعِ ، فَرِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى دَلَالَةِ التَّصَرُّفِ عَلَى الرِّضَى .
فَرْعٌ : إِذَا تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ ، أَوْ تَصَرَّفَ وَكِيلُهُمَا فَهُوَ نَافِذٌ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا ، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ ، كَمَا لَوْ تَخَايَرَا ( وَإِنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ) لِأَنَّ الْخِدْمَةَ لَا تَخْتَصُّ الْمِلْكَ ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِهِ كَالنَّظَرِ ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلِاسْتِعْلَامِ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " ، وَالثَّانِيَةُ : تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ إِحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ فَأَبْطَلَتِ الْخِيَارَ كَالْوَطْءِ ، أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " .
74 ( وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَتْهُ الْجَارِيَةُ ) وَلَمْ يَمْنَعْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالٍ ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ لَا لَهَا ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَبِلَهَا ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا ) لِأَنَّ سُكُوتَهُ اسْتِمْتَاعٌ بِهَا وَدَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ ، أَشْبَهَ الْمُعْتَقَةَ تَحْتَ عَبْدٍ إِذَا وَطِئَهَا وَهِيَ سَاكِتَةٌ ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا : وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ الْخِلَافُ بِالشَّهْوَةِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يَبْطُلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَيْسَ بِاسْتِمْتَاعٍ بِوَجْهٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ ( وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي نَفَذَ عِتْقُهُ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ تَامِّ الْمِلْكِ فَنَفَذَ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ دَالٌّ عَلَى نُفُوذِهِ فِي الْمِلْكِ ، وَمِلْكُ الْبَائِعِ الْفَسْخُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ ، كَمَا لَوْ وَهَبَ ابْنَهُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَعَ مِلْكِ الْأَبِ اسْتِرْجَاعَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عِتْقَ الْبَائِعِ لَا يَنْفُذُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ( وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا ) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَصَرَّفَ بِمَا يَقْتَضِي اللُّزُومُ ، وَهُوَ الْعِتْقُ ( وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ ) أَيْ : بَعْدَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ لَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ الْفَسْخُ ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ فَبَطَلَ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ ( وَعَنْهُ : لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ ) أَمَّا فِي الْعِتْقِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى ، وَتَعْذُّرُ الرُّجُوعِ لَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِكَوْنِهِ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَإِذَا فَسَخَ مَلَكَ الرُّجُوعَ فِي قِيمَتِهِ ، وَأَمَّا فِي التَّلَفِ فَقِيلَ : هِيَ أَنَصُّهُمَا ، وَاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ فِي مَوْضِعٍ عَنِ الْأَصْحَابِ لِعُمُومِ " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ " ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ ، فَلَمْ يَبْطُلْ 75 بِتَلَفِ الْمَبِيعِ ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِآخَرَ فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ ، فَكَذَا هُنَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَكَانَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ هَلِ النَّظَرُ إِلَى حَالِ الْعَقْدِ ، أَوْ إِلَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ ( وَ ) عَلَيْهَا ( لَهُ الْفَسْخُ ) لِأَنَّ خِيَارَهُ لَمْ يَبْطُلْ ( وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ ) لِأَنَّهَا بَدَلُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ ، أَوْ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا .
( وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) وَهُوَ الْأَصَحُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ ، أَشْبَهَ وَقْفَ الْمَرْهُونِ ( وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ فَنَفَذَ كَالْعِتْقِ ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسَّرَايَةِ ، وَيَصِحُّ فِي الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَقْفَ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ .
( وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِأَحَدِهِمَا ) : أَيْ : أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ ( دُونَ صَاحِبِهِ جَازَ ) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ اشْتِرَاطُهُ لَهُمَا ، فَلِأَنْ يَجُوزَ لِأَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا : لَا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لِجَهَالَتِهِ ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى أَحَدٌ عَبْدَيْهِ وَكَمَا لَوْ جَعَلَ الْخِيَارَ فِي إِحْدَى السِّلْعَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ مَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ ، وَشَرَطَ الْخِيَارَ فِي أَحَدِهِمَا : بِعَيْنِهِ دُونَ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَبِيعًا بِقِسْطِهِ وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ عِنْدَ الرَّدِّ ( وَلِمَنْ لَهُ الْخِيَارُ الْفَسْخُ ) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ( مِنْ غَيْرِ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَلَا رِضَاهُ ) لِأَنَّهُ عَقْدٌ جُعِلَ إِلَيْهِ ، فَجَازَ مَعَ غَيْبَةِ صَاحِبِهِ وَسَخَطِهِ كَالطَّلَاقِ ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ : يَرُدُّ الثَّمَنَ ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَالشَّفِيعِ ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ ، وَفِي " الْفُرُوعِ " يَتَخَرَّجُ مَنْ عَزَلَ الْوَكِيلَ لَا فَسْخَ فِي غَيْبَتِهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ فِي الْمُدَّةِ ( وَإِنْ مَضَتِ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يَفْسَخَا بَطَلَ خِيَارُهُمَا ) وَلَزِمَ الْعَقْدُ ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ، لِأَنَّهَا مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالْعَقْدِ فَبَطَلَتْ بِانْقِضَائِهَا كَالْأَجَلِ ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ لَا عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُرُورِ الزَّمَانِ كَمُضِيِّ الْأَجَلِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ إِلَى بَقَاءِ الْخِيَارِ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّتِهِ 71 الْمُشْتَرَطَةِ ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالشَّرْطِ ، إِذِ الْبَيْعُ سَبَبُ اللُّزُومِ ، لَكِنْ تَخَلَّفَ مُوجِبُهُ بِالشَّرْطِ ، فَإِذَا زَالَتْ مُدَّتُهُ لَزِمَ الْعَقْدُ بِمُوجِبِهِ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْمُعَارِضِ ، قَوْلُهُ : " وَلَمْ يَفْسَخَا " لَيْسَ قَيْدًا فِيهِ بَلْ لَوْ لَمْ يَفْسَخْ أَحَدُهُمَا بَطَلَ الْخِيَارُ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ، إِذْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا : لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمَا فَسَخَا ، وَلَمْ يَحْتَرِزْ عَنْهُ لِظُهُورِ الْمُرَادِ .
( وَيَنْتَقِلُ الْمِلْكُ ) مُدَّةَ الْخِيَارَيْنِ ( إِلَى الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ ) هِيَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ وَوُجِّهَ أَنَّهُ جُعِلَ الْمَالُ لِلْمُبْتَاعِ بِاشْتِرَاطِهِ ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ بَيْعٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ الْخِيَارِ . وَالثَّانِيَةُ : لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إِلَّا بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْخِيَارِ ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ قَاصِرٌ لَا يُفِيدُ التَّصَرُّفَ وَلَا يَلْزَمُ ، أَشْبَهَ الْهِبَةَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَالْأُولَى أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ فَنُقِلَ الْمِلْكُ عَقِيبَهُ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ بِقَوْلِهِ : مَلَّكْتُكَ ، فَيَثْبُتُ فِيهِ كَالْمُطْلَقِ ، وَدَعْوَى الْقُصُورِ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ ، وَجَوَازُ فَسْخِهِ لَا يُوجِبُ قُصُورَهُ ، وَلَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ فِيهِ كَالْمَعِيبِ وَامْتِنَاعِ التَّصَرُّفِ لِأَجْلِ حَقِّ الْغَيْرِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ كَالْمَرْهُونِ ، فَعَلَى هَذَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ قَرِيبُهُ وَيَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ وَيَخْرُجُ فِطْرَتُهُ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ ، وَغَيْرُهُ وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا : صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " ( فَمَا حَصَلَ مِنْ كَسْبٍ ، أَوْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لَهُ أَمْضَيَا الْعَقْدَ ، أَوْ فَسَخَاهُ ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ الدَّاخِلِ فِي ضَمَانِهِ بِقَوْلِهِ : الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَاحْتَرِزْ بِالْمُنْفَصِلِ عَنِ النَّمَاءِ الْمُتَّصِلِ ، كَالسَّمْنِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْعَيْنَ مَعَ الْفَسْخِ 72 لِتَعَذُّرِ انْفِصَالِهِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا : وَلَا بُدَّ أَنْ يَلْحَظَ فِي كَوْنِ النَّمَاءِ الْمُنْفَصِلِ لِلْمُشْتَرِي ، وَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، فَإِنَّهُ لِلْبَائِعِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَعَنْهُ : إِنْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا : فَالنَّمَاءُ الْمُنْفَصِلُ ، وَعَنْهُ : وَكَسْبُهُ لِلْبَائِعِ كَرِوَايَةِ الْمَلِكِ لَهُ .
فَرْعٌ : الْحَمْلُ وَقْتُ الْعَقْدِ مَبِيعٌ ، وَعَنْهُ : نَمَاءٌ ، فَتُرَدُّ الْأُمُّ بِعَيْبٍ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ " ، فَعَلَى الْأَوَّلِ : هَلْ هُوَ كَأَحَدِ عَيْنَيْنِ ، أَوْ تَبَعٌ لِلْأُمِّ لَا حُكْمَ لَهُ ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ .
( وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكٍ لِلْبَائِعِ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ ، وَلَا انْقَطَعَتْ عَنْهُ عَلَقَةٌ فَيَتَصَرَّفُ فِيهِ الْمُشْتَرِي ، وَكَذَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْعِوَضِ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الرِّعَايَةِ " ، وَالزَّرْكَشِيُّ حِذَارًا مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْآخَرِ ( إِلَّا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ تَجْرِبَةُ الْمَبِيعِ ) كَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَهَا ، وَحَلْبِ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِهَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْخِيَارِ ، وَهُوَ اخْتِبَارُ الْمَبِيعِ ( فَإِنْ تَصَرَّفَا ) أَوْ أَحَدُهُمَا : ( بِبَيْعٍ ، أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهِمَا ) مِمَّا يَنْقِلُ الْمِلْكَ ، أَوْ يُثْبِتُ النَّقْلَ فِي الْعُقُودِ كَالْإِجَارَةِ وَالرَّهْنِ فَهُوَ حَرَامٌ وَ ( لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُمَا ) كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَمْلِكُهُ ، وَالْمُشْتَرِي يَقْتَضِي تَصَرُّفُهُ إِلَى إِسْقَاطِ حَقِّ الْبَائِعِ مِنَ الْخِيَارِ ، وَاسْتِرْجَاعِ الْمَبِيعِ ، وَقِيلَ : يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ إِذَا قُلْنَا الْمِلْكُ لَهُ وَالْخِيَارُ لَهُ ، وَفِي " الْمُغْنِي " أَوَّلُهُمَا ، وَعَنْهُ : يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي ، كَمَا لَوْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَعَنْهُ : مَوْقُوفٌ .
73 ( وَيَكُونُ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي إِسْقَاطًا لِخِيَارِهِ ) أَيْ : رَضِيَ بِهِ ( فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِالتَّصْرِيحِ فَحَصَلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَيْهِ كَالْمُعْتَقَةِ ، فَإِنَّ خِيَارَهَا يَسْقُطُ بِتَمْكِينِهَا الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي وَسَوْمَهُ وَوَطْأَهُ وَلَمْسَهُ بِشَهْوَةٍ إِمْضَاءٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَ عَرَضَهُ ( وَفِي الْآخَرِ الْبَيْعُ وَالْخِيَارُ بِحَالِهِمَا ) أَيْ : لَيْسَ تَصَرُّفُ الْبَائِعِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ ، نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ عَنْهُ ، فَلَمْ يَكُنْ تَصَرُّفُهُ فَسْخًا وَاسْتِرْجَاعًا ، كَمَا لَوْ وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ ، وَكَمَا لَوْ أَنْكَرَ شَرْطَ الْخِيَارِ ، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ إِلَّا بِالْعِتْقِ وَسَيَأْتِي ، وَلَا يَبْطُلُ خِيَارُهُ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ ، فَالتَّصَرُّفُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : لَهُ التَّصَرُّفُ ، وَيَكُونُ رَضِيَ بِلُزُومِهِ وَإِنْ سَلِمَ ، فَلِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ ، قَالَ : وَإِذَا قُلْنَا بِالْمِلْكِ لَهُ قُلْنَا بِانْتِقَالِ الثَّمَنِ إِلَى الْبَائِعِ ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ ، فَإِنْ تَصَرَّفَ مَعَ الْبَائِعِ ، فَرِوَايَتَانِ بِنَاءً عَلَى دَلَالَةِ التَّصَرُّفِ عَلَى الرِّضَى .
فَرْعٌ : إِذَا تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ ، أَوْ تَصَرَّفَ وَكِيلُهُمَا فَهُوَ نَافِذٌ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا ، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ ، كَمَا لَوْ تَخَايَرَا ( وَإِنِ اسْتَخْدَمَ الْمَبِيعَ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ ) لِأَنَّ الْخِدْمَةَ لَا تَخْتَصُّ الْمِلْكَ ، فَلَمْ تَبْطُلْ بِهِ كَالنَّظَرِ ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلِاسْتِعْلَامِ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي " الشَّرْحِ " ، وَالثَّانِيَةُ : تَبْطُلُ ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ إِحْدَى الْمَنْفَعَتَيْنِ فَأَبْطَلَتِ الْخِيَارَ كَالْوَطْءِ ، أَطْلَقَهُمَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ " .
74 ( وَكَذَلِكَ إِنْ قَبِلَتْهُ الْجَارِيَةُ ) وَلَمْ يَمْنَعْهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالٍ ، وَلِأَنَّ الْخِيَارَ لَهُ لَا لَهَا ، فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ بِفِعْلِهَا لَأَلْزَمْنَاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَبِلَهَا ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ إِنْ لَمْ يَمْنَعْهَا ) لِأَنَّ سُكُوتَهُ اسْتِمْتَاعٌ بِهَا وَدَلِيلٌ عَلَى رِضَاهُ ، أَشْبَهَ الْمُعْتَقَةَ تَحْتَ عَبْدٍ إِذَا وَطِئَهَا وَهِيَ سَاكِتَةٌ ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا : وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ الْخِلَافُ بِالشَّهْوَةِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يَبْطُلُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ التَّقْبِيلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَيْسَ بِاسْتِمْتَاعٍ بِوَجْهٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا ذَكَرَهُ هُوَ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ خِلَافُهُ ( وَإِنْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي نَفَذَ عِتْقُهُ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مِنْ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ تَامِّ الْمِلْكِ فَنَفَذَ ، كَمَا لَوْ كَانَ بَعْدَ مُدَّةِ الْخِيَارِ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ دَالٌّ عَلَى نُفُوذِهِ فِي الْمِلْكِ ، وَمِلْكُ الْبَائِعِ الْفَسْخُ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ ، كَمَا لَوْ وَهَبَ ابْنَهُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ مَعَ مِلْكِ الْأَبِ اسْتِرْجَاعَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ عِتْقَ الْبَائِعِ لَا يَنْفُذُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ( وَبَطَلَ خِيَارُهُمَا ) لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَصَرَّفَ بِمَا يَقْتَضِي اللُّزُومُ ، وَهُوَ الْعِتْقُ ( وَكَذَلِكَ إِنْ تَلِفَ الْمَبِيعُ ) أَيْ : بَعْدَ قَبْضِهِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ ؛ لِأَنَّ التَّالِفَ لَا يَتَأَتَّى عَلَيْهِ الْفَسْخُ ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ فَبَطَلَ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ ( وَعَنْهُ : لَا يَبْطُلُ خِيَارُ الْبَائِعِ ) أَمَّا فِي الْعِتْقِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى ، وَتَعْذُّرُ الرُّجُوعِ لَا يَمْنَعُ الْفَسْخَ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِكَوْنِهِ بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ ، فَإِذَا فَسَخَ مَلَكَ الرُّجُوعَ فِي قِيمَتِهِ ، وَأَمَّا فِي التَّلَفِ فَقِيلَ : هِيَ أَنَصُّهُمَا ، وَاخْتَارَهَا الشَّرِيفُ ، وَابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ فِي مَوْضِعٍ عَنِ الْأَصْحَابِ لِعُمُومِ " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ " ، وَلِأَنَّهُ خِيَارُ فَسْخٍ ، فَلَمْ يَبْطُلْ 75 بِتَلَفِ الْمَبِيعِ ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِآخَرَ فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ ، فَكَذَا هُنَا قَالَ الزَّرْكَشِيُّ : وَكَانَ مَحَلُّ التَّرَدُّدِ هَلِ النَّظَرُ إِلَى حَالِ الْعَقْدِ ، أَوْ إِلَى الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ ( وَ ) عَلَيْهَا ( لَهُ الْفَسْخُ ) لِأَنَّ خِيَارَهُ لَمْ يَبْطُلْ ( وَالرُّجُوعُ بِالْقِيمَةِ ) لِأَنَّهَا بَدَلُ مَا لَا مِثْلَ لَهُ ، أَوْ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا .
( وَحُكْمُ الْوَقْفِ حُكْمُ الْبَيْعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) وَهُوَ الْأَصَحُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ ، أَشْبَهَ وَقْفَ الْمَرْهُونِ ( وَفِي الْآخَرِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْعِتْقِ ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ فَنَفَذَ كَالْعِتْقِ ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسَّرَايَةِ ، وَيَصِحُّ فِي الرَّهْنِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَقْفَ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث