المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الأول
page 129 · printed p. 210 · commentary
( أَوْ مَرَضٍ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى [ النِّسَاءِ 44 ، وَالْمَائِدَةِ 6 ] الْآيَةَ ، وَإِذَا جَازَ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْمَرِيضِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَشَرْطُهُ أَنَّهُ ( يَخْشَى زِيَادَتَهُ أَوْ تَطَاوُلَهُ ) لِأَنَّ مَنْ لَا يَخْشَى ذَلِكَ لَا يَخَافُ الضَّرَرَ ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إِذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ ، أَوْ ضَرَرًا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ ، فَهُنَا أَوْلَى ، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ ، وَتَرْكَ الصَّوْمِ فِي الْمَرَضِ لَا يَنْحَصِرُ فِي خَوْفِ التَّلَفِ ، فَكَذَا هُنَا ، وَعَنْهُ : لَا يُبِيحُهُ إِلَّا خَوْفُ التَّلَفِ ، كَمَا إِذَا جَبَرَ زَنْدَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْآيَةِ إِبَاحَتُهُ لِكُلِّ مَرِيضٍ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ فِيمَنْ لَا يَخْشَى ، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهَا .
( أَوْ عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا ، وَسَنَدُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ ، وَمَعَهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَخَافُ أَنْ يَعْطَشَ : يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَلِأَنَّهُ يَخْشَى الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ بَلْ أَوْلَى .
( أَوْ رَقِيقِهِ ) الْمُحْتَرَمِ ، لِأَنَّ حُرْمَةَ الْآدَمِيِّ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى 210 حَرِيقًا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا فَيَتْرُكُهَا ، وَيَخْرُجُ لِإِنْقَاذِهِ ، فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، قَالَ أَحْمَدُ : عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ تَيَمَّمُوا ، وَحَبَسُوا الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُزَامِلِ لَهُ ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ ، لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُرَافَقَةِ ، وَدَفْعُهُ إِلَى عَطْشَانَ يُخْشَى تَلَفُهُ وَاجِبٌ ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : يُسْتَحَبُّ ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَالْقَاضِي ، وَالْأَصْوَبُ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ : أَنَّهُمَا فِي حَبْسِ الْمَاءِ لِعَطَشِ الْغَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ ، وَاخْتَارَ الشَّرِيفُ ، وَابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَهُ ، فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ ، وَرُفْقَتُهُ عِطَاشٌ يَمَّمُوهُ ، وَغَرِمُوا لِلْوَرَثَةِ الثَّمَنَ وَقْتَ إِتْلَافِهِ فِي مَكَانِهِ ، وَظَاهِرُ مَا فِي " النِّهَايَةِ " إِنْ غَرِمُوهُ فِيهِ فَبِمِثْلِهِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : الْمَيِّتُ أَوْلَى بِهِ ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُ ، وَقِيلَ : إِنْ خَافُوا الْمَوْتَ فَهُمْ أَوْلَى ، وَإِلَّا فَلَا ، صَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ ، وَهَلْ يُؤْثِرُ أَبَوَيْهِ لِغُسْلٍ وَوُضُوءٍ أَوْ تَيَمُّمٍ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ .
( أَوْ بَهِيمَتِهِ ) وَكَذَا إِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ ، لِأَنَّ الرُّوحَ حُرْمَةٌ ، وَسَقْيَهَا وَاجِبٌ ، وَقِصَّةُ الْبَغِيِّ مَشْهُورَةٌ ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مُحْتَرَمَةً حَتَّى كَلْبِ صَيْدٍ لَا عَقُورٍ ، وَخِنْزِيرٍ .
فَرْعٌ : إِذَا وَجَدَ الْعَطْشَانُ مَاءً طَاهِرًا وَنَجِسًا ، شَرِبَ الطَّاهِرَ ، وَتَيَمَّمَ ، وَأَرَاقَ النَّجِسَ إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَذَكَرَ الْأَزَجِّيُّ : يَشْرَبُ النَّجِسَ ، لِأَنَّ الطَّاهِرَ مُسْتَحِقٌّ لِلطَّهَارَةِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حَرَامٌ ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ تَيَمَّمَ ، نَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " كَمَا لَوِ انْفَرَدَ ، وَقَالَ الْقَاضِي : يَتَوَضَّأُ بِالطَّاهِرِ ، وَيَحْبِسُ النَّجِسَ لِشُرْبِهِ .
211 وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ وَيَشْرَبَهُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : فَإِطْلَاقُ كَلَامِهِمْ لَا يَلْزَمُهُ ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ ، ( أَوْ خَشْيَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ ) كَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ أَوْ عَدُوٌّ أَوْ حَرِيقٌ ، أَوْ يَخَافُ إِنْ ذَهَبَ إِلَى الْمَاءِ شُرُودَ دَابَّتِهِ أَوْ سَرِقَتَهَا أَوْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ ، لِأَنَّ فِي طَلَبِهِ ضَرَرًا ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا ، وَكَذَا إِنْ خَافَتِ امْرَأَةٌ عَلَى نَفْسِهَا فُسَّاقًا لَمْ يَلْزَمْهَا الْمُضِيُّ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، قَالَ الْمُؤَلِّفَ وَغَيْرُهُ : بَلْ يَحْرُمُ خُرُوجُهَا إِلَيْهِ ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " خِلَافَهُ ، وَعَنْهُ : الْوَقْفُ ، وَكَذَا إِذَا خَافَ غَرِيمًا يُطَالِبُهُ ، وَيَعْجِزُ عَنْ وَفَائِهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : لَوْ كَانَ خَوْفُهُ جُبْنًا لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ : يُبَاحُ إِذَا اشْتَدَّ خَوْفُهُ ، وَيُعِيدُ ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَائِفِ لِسَبَبٍ ، فَإِنْ كَانَ خَوْفُهُ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ ، فَتَيَمَّمَ وَصَلَّى ، فَبَانَ خِلَافُهُ ، فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَجَمَاعَةٍ : أَنَّهُ لَا يُعِيدُ لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith