المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
الصفحة 1785 · ص. المطبوع 6 · الشرح
( وَلَا تَصِحُّ مِمَّنْ دُونَ السَّبْعِ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ ; 6 لِأَنَّهُ لَا تَمْيِيزَ لَهُ ، وَلَا تَصِحُّ عِبَادَتُهُ ، وَلَا إِسْلَامُهُ ، وَعَنْهُ : تَصِحُّ لِسَبْعٍ ، كَعِبَادَتِهِ ( وَفِيمَا بَيْنَهُمَا ) أَيْ : بَيْنَ السَّبْعِ وَالْعَشْرِ ( رِوَايَتَانِ ) أَقْيَسُهُمَا : أَنَّهَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ عَاقِلٌ ، فَيَصِحُّ إِسْلَامُهُ ، وَيُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ ، وَتَصِحُّ مِنْهُ ، كَمَنْ جَاوَزَ الْعَشْرَ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا تَصِحُّ ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ ; لِأَنَّهُ ضَعِيفُ الرَّأْيِ ، أَشْبَهَ مَنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي ، وَأَبِي الْخَطَّابِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّهُ لَا يُقَيَّدُ بِسِنٍّ ، بَلْ إِذَا عَقَلَ تَصِحُّ مِنْهُ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ أَنَّهَا تَصِحُّ فِي الْمَنْصُوصِ ، وَعَنْهُ إِذَا بَلَغَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً ، حَكَاهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهِيَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ تَبَعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَمُجَاهِدٍ ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالْمَالِ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ كَالْهِبَةِ ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ ، وَهَذَا فِي الصَّبِيِّ ، وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ : أَنَّهَا إِذَا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ .
( وَلَا تَصِحُّ مِنْ عَاقِلٍ كَالطِّفْلِ ) وَهُوَ مَنْ لَهُ سِتُّ سِنِينَ فَمَا دُونَهَا ( وَالْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ فِيهِمَا ، وَفِي الْمُغْنِي لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِخِلَافِهِ إِلَّا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ أَجَازَ وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إِذَا وَافَقَتِ الْحَقَّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِكَلَامِهِمَا ، وَلَا تَصَرُّفِهِمَا ، فَالْوَصِيَّةُ كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَصِحَّ إِسْلَامُهُ ، وَصَلَاتُهُ الَّتِي هِيَ مَحْضُ نَفْعٍ ، وَلَا ضَرَرَ فِيهَا ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ بَذْلُهُ لِمَالٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَارِثُهُ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ يُجَنُّ فِي الْأَحْيَانِ ، فَأَوْصَى حَالَ إِفَاقَتِهِ ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعُقَلَاءِ فِي شَهَادَتِهِ ، وَوُجُوبِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ ( وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ ) أَصَحُّهُمَا : لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاقِلٍ ، أَشْبَهَ 7 الْمَجْنُونَ ، وَطَلَاقُهُ إِنَّمَا وَقَعَ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ; لِارْتِكَابِهِ الْمَعْصِيَةَ . وَالثَّانِي : يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى طَلَاقِهِ .
( وَتَصِحُّ وَصِيَّةُ الْأَخْرَسِ بِالْإِشَارَةِ ) أَيْ : إِذَا فُهِمَتْ ; لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ نُطْقِهِ فِي طَلَاقِهِ وَلِعَانِهِ وَغَيْرِهِمَا ، فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ ، فَلَا حُكْمَ لَهَا ( وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ مَنِ اعْتَقَلَ لِسَانُهُ بِهَا ) أَيْ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْيُوسًا مِنْ نُطْقِهِ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ ، قَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْيُوسٍ مِنْ نُطْقِهِ ، وَكَالْقَادِرِ عَلَى الْكَلَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ كَالْأَخْرَسِ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ۝ صَلَّى وَهُوَ قَاعِدٌ ، وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقْعُدُوا . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَجْهًا إِذَا اتَّصَلَ بِاعْتِقَالِ لِسَانِهِ الْمَوْتُ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ ( وَإِنْ وُجِدَتْ وَصِيَّتُهُ بِخَطِّهِ ) الثَّابِتِ بِإِقْرَارِ وَارِثِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ( صَحَّتْ ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، وَفِيهِ : وَعُرِفَ خَطُّهُ ، وَكَانَ مَشْهُورَ الْخَطِّ يُقْبَلُ مَا فِيهَا ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ۝ مَا حَقُّ امْرِئٍ الْخَبَرَ ، فَلَمْ يَذْكُرْ شَهَادَةً ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ يُتَسَامَحُ فِيهَا ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ وَغَيْرِهِ ، فَجَازَ أَنْ يُتَسَامَحَ فِيهَا بِقَبُولِ الْخَطِّ كَرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَكِتَابَةِ الطَّلَاقِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَصِحَّ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَيْهَا بِمَا فِيهَا ) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهِيَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجُوزُ بِرُؤْيَةِ خَطٍّ بِالشَّاهِدِ بِالشَّهَادَةِ فَكَذَا هُنَا ، وَأَبْلَغُ مِنْهُ الْحَاكِمُ ، فَلَوْ كَتَبَهَا وَخَتَمَهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهَا ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَعْلَمُ مَا فِيهَا ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ ، كَكِتَابِ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي ، وَفِيهَا رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا الْخِرَقِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَعَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْبَصْرَةِ وَقُضَاتُهَا ، وَاحْتَجَّ أَبُو عُبَيْدٍ بِكُتُبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَّالِهِ وَأُمَرَائِهِ فِي أَمْرِ وِلَايَتِهِ ، 8 وَأَحْكَامِهِ ، وَسُنَنِهِ ، ثُمَّ عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ إِلَى عُمَّالِهِمْ بِالْأَحْكَامِ الَّتِي فِيهَا الدِّمَاءُ وَالْفُرُوجُ وَالْأَمْوَالُ مَخْتُومَةً ، لَا يَعْلَمُ حَامِلُهَا مَا فِيهَا ، وَأَمْضَوْهَا عَلَى وَجْهِهَا ، وَهَذَا أَوْلَى مِنَ الْمَنْعِ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ خَرَّجَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ رِوَايَةً مِنَ الْأُخْرَى ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُعْلَمُ رُجُوعُهُ عَنْهَا ، وَإِنْ طَالَتْ مُدَّتُهُ ، وَتَغَيَّرَتْ أَحْوَالُ الْمُوصِي ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ ، فَلَا يَزُولُ حُكْمُهُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ .
فَائِدَةٌ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ ، وَيُشْهِدَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لَهَا ، وَأَحْفَظُ لِمَا فِيهَا ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدٌ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُورِ وَصَايَاهُمْ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَانٌ أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ، وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، أَوْصَى مَنْ تَرَكَ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ ، وَيُصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِهِمْ ، وَيُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ، وَأَوْصَاهُمْ بِمَا أَوْصَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ الْبَقَرَةِ 132 ] .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث