المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
الصفحة 1848 · ص. المطبوع 137 · الشرح
137 فَصْلٌ
( وَلِلْبِنْتِ الْوَاحِدَةِ ) مِنَ الصُّلْبِ ( النِّصْفُ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ [ النِّسَاءِ 11 ] وَقَضَاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ( فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَصَاعِدًا فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَهُوَ إِجْمَاعٌ إِلَّا رِوَايَةً شَذَّتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الِاثْنَتَيْنِ فَرْضُهُمَا النِّصْفُ أَخْذًا بِالْمَفْهُومِ ، وَالْآيَةُ ظَاهِرَةُ الدَّلَالَةِ عَلَى مَا زَادَ عَلَى اثْنَتَيْنِ ، وَوَجْهُ دَلَالَتِهَا عَلَيْهِمَا أَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ جَابِرٌ ، قَالَ : ۝ جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ : هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَابْنُ عَمِّهِمَا أَخَذَ مَالَهُمَا ، فَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا شَيْئًا مِنْ مَالٍ ، قَالَ : يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ عَمِّهِمَا ، فَقَالَ : أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ ، وَوَقَعَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ قَالَ لِأَخِي سَعْدٍ ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى فَرْضِ مَا زَادَ عَلَى الِاثْنَتَيْنِ ، وَدَلَّتِ السُّنَّةُ عَلَى فَرْضِ الِاثْنَتَيْنِ ، فَهَذَا مِنَ السُّنَّةِ بَيَانٌ وَنَسْخٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَوْرِيثِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ ، وَ " فَوْقَ " فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، ادُّعِيَ زِيَادَتُهَا ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ ) أَيْ : اضْرِبُوا الْأَعْنَاقَ ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَجَمَاعَةٌ ، إِذِ الْأَسْمَاءُ لَا تَجُوزُ زِيَادَتُهَا لِغَيْرِ مَعْنًى ، وَفَوْقَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ غَيْرُ زَائِدَةٍ ; لِأَنَّ الضَّرْبَ يَكُونُ فِي أَعْلَى الْعُنُقِ فِي الْمَفْصِلِ ، وَقِيلَ : الْمَعْنَى اثْنَتَيْنِ فَمَا 138 فَوْقَ ، وَلِأَنَّ الْأَخَوَاتِ أَضْعَفُ مِنَ الْبَنَاتِ ، وَقَدْ جَعَلَ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ أَيْضًا مَعَ بُعْدِ الدَّرَجَةِ ، فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ مَعَ قُرْبِ الدَّرَجَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا ثَبَتَ بِهِ فَرْضُ الِاثْنَتَيْنِ ، فَقِيلَ : بِالْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ حُكْمَ الْبِنْتِ وَحُكْمَ الثَّلَاثِ بَنَاتٍ دُونَ حُكْمِ الْبِنْتَيْنِ ، وَذَكَرَ حُكْمَ الْأُخْتِ وَالْأُخْتَيْنِ دُونَ مَا زَادَ ، فَوَجَبَ حَمْلُ كُلٍّ مِنَ الْآيَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لِظُهُورِ الْمَعْنَى ، وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنِ الْقِيَاسِ ، وَقِيلَ : بِالسُّنَّةِ ، وَقِيلَ : بِالْبَيِّنَةِ ، وَقِيلَ : بِالْإِجْمَاعِ ، وَقِيلَ : بِالْقِيَاسِ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ ، لَكِنْ قَالَ الشَّرِيفُ الْأُمَوِيُّ : صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رُجُوعُهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَصَارَ إِجْمَاعًا ، إِذِ الْإِجْمَاعُ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ حُجَّةٌ . وَمِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ( قَالَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وَهُوَ لَوْ كَانَ مَعَ وَاحِدَةٍ كَانَ حَظُّهَا الثُّلُثَ ، فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَنْ يَجِبَ لَهَا مَعَ أُخْتِهَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث