المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثامن
الصفحة 2370 · ص. المطبوع 47 · الشرح
فَصْلٌ
فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا .
الْكَفَّارَةُ مَأْخُوذٌ مَعْنَاهَا مِنَ الْكُفْرِ ، وَهُوَ السَّتْرُ ; لِأَنَّهَا تَسْتُرُ الذَّنْبَ ( كَفَّارَةُ الظِّهَارِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ ) لِكِبَرٍ ، أَوْ مَرَضٍ . وَفِي " الْكَافِي " : غَيْرُ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ ، أَوْ يَخَافُ زِيَادَتُهُ ، أَوْ بُطْؤُهُ . وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفَ وَغَيْرَهُ : أَوْ لِشَبَقٍ . وَفِي " التَّرْغِيبِ " : أَوْ لِضَعْفِهِ عَنْ مَعِيشَةٍ تَلْزَمُهُ . وَفِي " الرَّوْضَةِ " لِضَعْفٍ عَنْهُ ، أَوْ كَثْرَةِ شُغْلٍ ، أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ . ( فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ الْآيَتَيْنِ [ الْمُجَادَلَةِ : 3 ، 4 ] ۝ وَلِحَدِيثِ خُوَيْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ ظَاهَرَ مِنْهُمَا ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 47 تُعْتِقُ رَقَبَةً قَالَتْ ، يَعْنِي امْرَأَتَهُ : لَا يَجِدُ ، قَالَ : فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَتْ : شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ ، قَالَ : فَيُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا خِلَافَ فِيهِ إِذَا كَانَ الْمَظَاهِرُ حُرًّا وَيَأْتِي حُكْمُ الْعَبْدِ ( وَكَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي ) نَهَارِ ( رَمَضَانَ مِثْلُهَا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ) وَقَدْ سَبَقَ . ( وَكَفَّارَةُ الْقَتْلِ مِثْلَهُمَا ) لِأَنَّ التَّحْرِيرَ ، وَالصِّيَامَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ( إِلَّا فِي الْإِطْعَامِ فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ ) أَصَحُّهُمَا لَا يَجِبُ ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَذَكَرَهُ كَالْعِتْقِ ، وَالصِّيَامِ . وَالثَّانِيَةُ : بَلَى ، اخْتَارَهَا فِي " التَّبْصِرَةِ " وَ " الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ " ; لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ فِيهَا عِتْقٌ وَصَوْمٌ ، فَكَانَ فِيهَا إِطْعَامٌ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ . ( وَالِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) ، وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ ، فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ كَالْحَدِّ . نَصَّ عَلَيْهِ ، فَإِذَا وَجَبَ ، وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى عَتَقَ فَعَلَيْهِ الصَّوْمُ ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ . وَقَالَهُ الْأَثْرَمُ ( فَإِنْ وَجَبَتْ ، وَهُوَ مُوسِرٌ ، ثُمَّ أُعْسِرَ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا الْعِتْقُ ) ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِهِ .
( وَإِنْ وَجَبَتْ ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَأَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعِتْقُ ) لِأَنَّ غَيْرَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، لَا يُقَالُ : الصَّوْمُ بَدَلٌ عَنِ الْعِتْقِ ، فَإِذَا وَجَدَ مَنْ يُعْتِقُهُ وَجَبَ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، أَوْ فِيهَا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْمَاءَ إِذَا وُجِدَ بَعْدَ التَّيَمُّمِ بَطَلَ ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ ، فَإِنَّ الْعِتْقَ لَوْ وُجِدَ بَعْدَ فِعْلِهِ لَمْ يَبْطُلْ . ( وَلَهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ ) لَأَنَّ الْعِتْقَ هُوَ الْأَصْلُ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَسَائِرِ الْأُصُولِ 48 ( وَعَنْهُ فِي الْعَبْدِ إِذَا عَتَقَ لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُ الصَّوْمِ ) بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّهُ حَنِثَ ، وَهُوَ عَبْدٌ ، فَلَمْ يَكُنْ يُجْزِئُهُ إِلَّا الصَّوْمُ . وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ عَبْدٍ . قَالَ الْقَاضِي : وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ ، فَإِنْ كَفَرَ بِهِ أَجْزَأَهُ ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ تَعَلَّقَ بِالْعَبْدِ فِي رِقِّهِ ، فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِحُرِّيَّتِهِ كَالْحَدِّ ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَعَلَى الْأُخْرَى هُوَ كَالْحُرِّ ; لِأَنَّ رِقَّهُ جَعَلَهُ كَالْمُعْسِرِ ، فَإِذَا أَتَى بِالْعِتْقِ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ . ( وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ : الِاعْتِبَارُ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ ) لِأَنَّهَا حَقٌّ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ بِوُجُودِ الْمَالِ فَاعْتُبِرَتْ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ كَالْحَجِّ . وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةُ الْعُمُرِ وَجَمِيعُهُ وَقْتٌ لَهَا ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ فِي جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهِ وَجَبَ بِخِلَافِهِ هُنَا ، ( فَمَنْ أَمْكَنَهُ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْوُجُوبِ إِلَى حِينِ التَّكْفِيرِ ، لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ ) لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ فِعْلَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ ( فَإِنْ شُرِعَ فِي الصَّوْمِ ، ثُمَّ أَيْسَرَ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ ) . وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعِتْقِ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِالصِّيَامِ أَشْبَهُ مَا لَوِ اسْتَمَرَّ الْعَجْزُ إِلَى مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ كَالْمُتَمَتِّعِ يَجِدُ الْهَدْيَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي صِيَامِ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ ، وَيُفَارِقُ مَا إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ قَضَاءَهَا يَسِيرٌ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : السُّنَّةُ فِيمَنْ صَامَ مِنَ الشَّهْرَيْنِ ، ثُمَّ أَيْسَرَ أَنْ يَمْضِيَ . وَذَكَرَ فِي " الْمُبْهِجِ " ، وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً : أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْأَدَاءِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ حَالَةُ الْأَدَاءِ كَالْوُضُوءِ 49 ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ ) الِانْتِقَالُ إِلَيْهِ ، وَقَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ ، وَالْحَكَمُ ; لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، أَوْ فِيهَا .
أَصْلٌ : إِذَا تَكَلَّفَ الْعِتْقَ مِمَّنْ فَرْضُهُ الصِّيَامُ أَجْزَأَهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِذَا قُلْنَا : الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ فَوَقْتُهُ فِي الظِّهَارِ مِنْ حِينِ الْعَوْدِ لَا وَقْتَ الْمُظَاهَرَةِ ; لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ حَتَّى يَعُودَ وَوَقْتُهُ فِي الْيَمِينِ مِنِ الْحِنْثِ لَا وَقْتَ الْيَمِينِ ، فَلَوْ كَانَ الْمُظَاهِرُ ذِمِّيًّا فَتَكْفِيرُهُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ وَيَتَعَيَّنُ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ إِذَا كَانَتْ فِي مِلْكِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِرَائِهِ ، وَيَتَعَيَّنُ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ : أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنْ كَفَّارَتِي وَعَلَيَّ ثَمَنُهُ ، فَيَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ ، فَلَوْ ظَاهَرَ ، وَهُوَ مُسْلِمٌ ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَصَامَ فِيهَا لَمْ يُجْزِئْهُ ، وَإِنْ كَفَرَ بِغَيْرِهِ . فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا يُجْزِئُهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي : الْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث