المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثامن
الصفحة 2450 · ص. المطبوع 110 · الشرح
( وَالْمُعْتَدَّاتُ عَلَى سِتَّةِ أَضْرُبٍ ) وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِنَّ ، وَلَمْ يَجْعَلِ الْآيِسَاتِ مِنَ الْمَحِيضِ ضَرْبًا ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ضَرْبًا لِاسْتِوَاءِ عِدَّتِهِمَا ، ( إِحْدَاهُنَّ أُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ لِلْآيَةِ . ( حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ إِمَاءً مِنْ فُرْقَةِ الْحَيَاةِ ، أَوِ الْمَمَاتِ ) إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهَا تَعْتَدُّ أَطْوَلَ الْأَجَلَيْنِ . وَقَالَهُ أَبُو السَّنَابِلِ بْنِ بَعْكَكٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ . وَآيَةُ الْحَمْلِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ آيَةِ الْأَشْهُرِ ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَنْ شَاءَ بَاهَلَتْهُ ، أَوْ لَاعَنَتْهُ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ نَزَلَتْ بَعْدَ آيَةِ الْبَقَرَةِ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمُ الْآيَةَ ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ ، وَلِأَنَّهَا مُعْتَدَّةُ حَامِلٍ فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ كَالْمُطَلَّقَةِ إِذِ الْوَضْعُ أَدَلُّ الْأَشْيَاءِ عَلَى بَرَاءَتِهَا ، فَلَوْ ظَهَرَ بَعْضُهُ فَهِيَ فِي عِدَّتِهَا حَتَّى يَنْفَصِلَ بَاقِيهِ . وَإِنْ كَانَا اثْنَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إِلَّا بِوَضْعِ الْآخَرِ . وَعَنْهُ : بِالْأَوَّلِ . ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى ، وَقَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَعِكْرِمَةُ ، وَلَكِنْ لَا تَتَزَوَّجُ حَتَّى تَضَعَ الْآخَرَ مِنْهُمَا ، وَهَذَا شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَاحْتَجَّ الْقَاضِي ، وَالْأَزَجِيُّ بِأَنَّ أَوَّلَ النِّفَاسِ مِنَ الْأَوَّلِ وَآخِرَهُ مِنْهُ بِأَنَّ أَحْكَامَ الْوِلَادَةِ تَتَعَلَّقُ بِأَحَدِ الْوَلَدَيْنِ ; لِأَنَّ انْقِطَاعَ الرَّجْعَةِ ، وَانْقِضَاءَ الْعِدَّةِ تَتَعَلَّقُ بِأَحَدِهِمَا ، لَا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، كَذَلِكَ مُدَّةُ النِّفَاسِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَلَوْ وَضَعَتْ وَاحِدًا وَشَكَّتْ فِي آخَرَ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ . ( وَالْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ) مَا تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ ، وَهُوَ ( مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ ) كَالرَّأْسِ 110 وَالْيَدِ ، وَالرِّجْلِ فَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ إِجْمَاعًا ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ حَمَلَ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ .
الثَّانِي : أَلْقَتْ مُضْغَةً لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنِ الْخِلْقَةِ فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مَنَ الْقَوَابِلِ أَنَّ فِيهِ صُورَةً خَفِيَّةً بَانَ بِهَا أَنَّهَا خِلْقَةُ آدَمِيٍّ ، فَكَذَلِكَ ( فَإِنْ وَضَعَتْ مُضْغَةً لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ فَهَلْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) . هَذَا هُوَ الثَّالِثُ ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ : أَحَدُهُمَا : تَنْقَضِي . وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ تَصَوَّرَ . وَالثَّانِيَةُ : لَا ، قَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ ، وَهِيَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ وَلَدًا ، أَشْبَهَ الْعَلَقَةَ .
الرَّابِعُ : أَلْقَتْ نُطْفَةً ، أَوْ دَمًا ، لَا تَدْرِي هَلْ هُوَ مَا يُخْلَقُ مِنْهُ آدَمِيٌّ ، أَوْ لَا ؛ فَهَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْكَامِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ وَلَدٌ بِالْمُشَاهَدَةِ ، وَلَا بِالْبَيِّنَةِ .
الْخَامِسُ : إِذَا وُضِعَتْ مُضْغَةٌ ، لَا صُورَةَ فِيهَا ، وَلَمْ تَشْهَدِ الْقَوَابِلُ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ لَمْ تَنْقَضِ ، وَلَا تَنْقَضِي بِمَا قَبْلَ الْمُضْغَةِ ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا الْحَسَنَ ، قَالَ : إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ حَمْلٌ انْقَضَتْ بِهِ ، وَفِيهِ الْغِرَّةُ . ( وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ ، لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ كَامْرَأَةِ الطِّفْلِ ) وَمَجْبُوبٍ وَمُطَلَّقَةٍ عَقِبَ عَقْدٍ ، وَمَنْ أَتَتْ بِهِ لِدُونِ نِصْفِ سَنَةٍ مُنْذُ عَقَدَ عَلَيْهَا . ( لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِهِ ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ حَمْلٌ لَيْسَ مِنْهُ يَقِينًا ، فَلَمْ يَعْتَدَّ بِوَضْعِهِ كَمَا لَوْ ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَعَلَى هَذَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ . ( وَعَنْهُ : تَنْقَضِي بِهِ ) لِأَنَّهُ حَمْلٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ النَّصِّ ( وَفِيهِ بُعْدٌ ) . وَوَجْهُهُ أَنَّ شَرْطَ انْقِضَاءِ 111 الْعِدَّةِ بِالْحَمْلِ أَنْ يَكُونَ حَمْلَ الْمُفَارِقِ ، وَهَذَا لَيْسَ حَمْلًا مِنْهُ ضَرُورَةُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ . وَعَنْهُ : مِنْ غَيْرِ طِفْلٍ لِلُحُوقِهِ بِاسْتِلْحَاقِهِ ، وَقِيلَ : تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ ، وَلَا يَلْحَقُهُ . وَفِيهِ نَظَرٌ ( وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ) . وِفَاقًا لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، أَنَّهُ رَفَعَ إِلَى عُمَرَ أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [ الْبَقَرَةِ : 233 ] . وَقَالَ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا [ الْأَحْقَافِ : 15 ] فَحَوْلَانِ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ، لَا رَجْمَ عَلَيْهَا . فَخَلَّى عُمَرُ سَبِيلَهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَلِكَ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ ( وَغَالِبُهَا تِسْعَةُ ) أَشْهُرٍ ; لِأَنَّ غَالِبَ النِّسَاءِ كَذَلِكَ يَحْمِلْنَ ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ ، ( وَأَكْثَرُهَا أَرْبَعُ سِنِينَ ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْوُجُودِ ، وَقَدْ وُجِدَ أَرْبَعُ سِنِينَ ، فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي حَمْلِهَا عَلَى سَنَتَيْنِ ، فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ مَنْ يَقُولُ هَذَا هَذِهِ جَارَتُنَا امْرَأَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ امْرَأَةُ صِدْقٍ وَزَوْجُهَا رَجُلُ صِدْقٍ حَمَلَتْ ثَلَاثَةَ أَبْطُنٍ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَةً سَنَةً . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : بَقِيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعَ سِنِينَ . وَقَالَ أَحْمَدُ : نِسَاءُ بَنِي عَجْلَانَ تَحْمِلُ أَرْبَعَ سِنِينَ . وَإِذَا تَقَرَّرَ وُجُودُهُ وَجَبَ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ ، وَلَا يُزَادَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ وُجُودِهِ . ( وَعَنْهُ : سَنَتَانِ ) ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، عَنْ جَمِيلَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، قَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَةُ : لَا تَزِيدُ الْمَرْأَةُ فِي الْحَمْلِ عَلَى سَنَتَيْنِ . رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَالْبَيْهَقِيُّ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ مَالِكٌ .
112 ( وَأَقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْوَلَدُ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا ) وَهُوَ أَقَلُّ مَا تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ مِنَ الْحَمْلِ ، وَهُوَ أَنْ تَضَعَهُ بَعْدَ ثَمَانِينَ يَوْمًا مُنْذُ أَمْكَنَهُ وَطْؤُهَا ; لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ إِنَّ أَحَدَكُمْ يَجْمَعُ خَلْقَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَنْقَضِي بِمَا دُونَ الْمُضْغَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ ، فَأَمَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَيْسَ فِيهِ إِشْكَالٌ . وَقِيلَ : بَلْ ثَمَانُونَ وَلَحْظَتَانِ ، وَهُوَ إِذَنْ مُضْعَةٌ غَيْرُ مُصَوَّرٍ ، وَيُصَوَّرُ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث