المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثامن
الصفحة 2695 · ص. المطبوع 336 · الشرح
( وَإِنْ نَزَلَ رَجُلٌ بِئْرًا فَخَرَّ عَلَيْهِ آخَرُ فَمَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِ ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَتُهُ ) أَيْ : لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَاتَ مِنْ سَقْطَتِهِ ، فَيَكُونُ هُوَ قَاتِلُهُ ، فَوَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ كَمَا لَوْ بَاشَرَهُ بِالْقَتْلِ خَطَأً ، وَإِنْ كَانَ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ عَمْدًا ، وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَإِلَّا فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ ( وَإِنْ سَقَطَ ثَالِثٌ فَمَاتَ الثَّانِي بِهِ ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ 336 دِيَتُهُ ) لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ سَقْطَتِهِ ، فَإِنْ مَاتَ الثَّانِي بِوُقُوعِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَدَمُ الثَّانِي هَدَرٌ ; لِأَنَّهُ مَاتَ بِفِعْلِهِ ، وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ اللَّخْمِيُّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُودُ أَعْمَى فَوَقَعَا فِي بِئْرٍ ، وَقَعَ الْأَعْمَى فَوْقَ الْبَصِيرِ ، فَقَتَلَهُ ، فَقَضَى عُمَرُ بِعَقْلِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى ، فَكَانَ الْأَعْمَى يُنْشِدُ فِي الْمَوْسِمِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ :
﴿﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ رَأَيْتُ مُنْكَرًا ﴿﴾ ﴿﴾ هَلْ يَعْقِلُ الْأَعْمَى الصَّحِيحَ الْمُبْصِرَا ﴿﴾ ﴿﴾ خَرَّا مَعًا كِلَاهُمَا تَكَسَّرَا ﴿﴾
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقَالَهُ الزُّبَيْرُ ، وَشُرَيْحٌ ، ، وَالنَّخَعِيُّ ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " : لَوْ قَالَ قَائِلٌ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى ضَمَانُ الْبَصِيرِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي قَادَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَعَا فِيهِ ، وَكَانَ سَبَبَ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ لَوْ فَعَلَهُ قَصْدًا لَمْ يَضْمَنْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ ، وَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ الْأَعْمَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُجْمِعًا عَلَيْهِ ( وَإِنْ مَاتَ الْأَوَّلُ مِنْ سَقْطَتِهِمَا فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِمَا ) لِأَنَّهُ مَاتَ بِوُقُوعِهِمَا عَلَيْهِ ، وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ ; لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِالْوُقُوعِ عَلَيْهِ ، فَانْفَرَدَ بِدِيَتِهِ ( وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ جَذَبَ الثَّانِي وَجَذَبَ الثَّانِي الثَّالِثَ ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّالِثِ ) لِأَنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ ( وَدِيَتُهُ عَلَى الثَّانِي فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الرِّعَايَةِ " ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّهُ هُوَ جَذَبَهُ وَبَاشَرَهُ بِذَلِكَ ، وَالْمُبَاشَرَةُ تَقْطَعُ حُكْمَ الْمُتَسَبِّبِ كَالْحَافِرِ مَعَ الدَّافِعِ ( وَفِي ) الْوَجْهِ ( الثَّانِي : عَلَى الْأَوَّلِ ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ جَذَبَ الثَّانِيَ الْجَاذِبَ لِلثَّالِثِ ، فَصَارَ مُشَارِكًا لِلثَّانِي فِي إِتْلَافِهِ ، وَقِيلَ : بَلْ عَلَيْهِمَا ثُلُثَاهَا وَبَقِيَّتُهَا تُقَابِلُ جَذْبَتَهُ فَتَسْقُطُ ، أَوْ تَجِبُ عَلَى عَاقِلَتِهِ ، وَقِيلَ : دَمُهُ كُلُّهُ هَدَرٌ . اخْتَارَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ( وَدِيَةُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ ) لِأَنَّهُ هَلَكَ بِجَذْبَتِهِ ، وَقَدَّمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " 337 وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهَا عَلَى الْأَوَّلِ ، وَالثَّالِثِ لِمُشَارَكَتِهِ إِيَّاهُ ، وَقِيلَ : بَلْ عَلَيْهِمَا ثُلُثَاهَا ، وَالْبَاقِي يُقَابِلُ نَفْسَهُ ، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ ، قَالَ الْمَجْدُ : وَعِنْدِي لَا شَيْءَ مِنْهَا عَلَى الْأَوَّلِ ، بَلْ عَلَى الثَّالِثِ كُلُّهَا ، أَوْ نِصْفُهَا ، وَالْبَاقِي يُقَابِلُ فِعْلَ نَفْسِهِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَتِهِ ، وَيُهْدَرُ نِصْفُهَا فِي مُقَابَلَةِ فِعْلِ نَفْسِهِ ، وَيَتَخَرَّجُ وَجْهٌ ، وَهُوَ وُجُوبُ نِصْفِ دِيَتِهِ إِلَى عَاقِلَتِهِ لِوَرَثَتِهِ ، كَمَا إِذَا رَمَى ثَلَاثَةٌ بِمَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ الْحَجَرُ أَحَدَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ جَذَبَ رَابِعًا فَدِيَتُهُ عَلَى الثَّالِثِ فَقَطْ ، وَقِيلَ : عَلَى الثَّلَاثَةِ .
فَرْعٌ : إِذَا لَمْ يَسْقُطْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، بَلْ مَاتُوا بِسُقُوطِهِمْ ، وَفِي " الْمُغْنِي " : أَوْ وَقَعَ وَشُكَّ فِي تَأْثِيرِهِ ، أَوْ قَتَلَهُمْ فِي الْحُفْرَةِ أَسَدٌ ، وَلَمْ يَتَجَاذَبُوا فَدِمَاؤُهُمْ مُهْدَرَةٌ ( وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هَلَكَ مِنْ وَقْعَةِ الثَّالِثِ ، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ضَمَانُهُ عَلَى الثَّانِي ) لِأَنَّ هَلَاكَهُ حَصَلَ بِجَذْبِهِ ، وَجَذْبُ الثَّانِي وَفِعْلُهُ مُلْغًى كَالْمُتَصَادِمَيْنِ ، فَتَعَيَّنَ إِضَافَةُ التَّلَفِ إِلَى الثَّانِي ( وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهَا عَلَى الثَّانِي ) لِأَنَّ الْهَلَاكَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ ( وَفِي نِصْفِهَا الْآخَرِ وَجْهَانِ ) لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ عَلَى جِنَايَةِ نَفْسِهِ ، وَفِي جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ الرِّوَايَتَانِ ( وَإِنْ خَرَّ رَجُلٌ فِي زُبْيَةِ أَسَدٍ فَجَذَبَ آخَرَ وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا ، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ ، فَالْقِيَاسُ أَنَّ دَمَ الْأَوَّلِ هَدَرٌ ) ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لِأَحَدٍ فِي إِلْقَائِهِ ( وَعَلَى عَاقِلَتِهِ دِيَةُ الثَّانِي ) لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ فِي قَتْلِهِ ( وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّانِي دِيَةُ الثَّالِثِ ) لِمَا ذَكَرْنَا ( وَعَلَى عَاقِلَةِ الثَّالِثِ دِيَةُ الرَّابِعِ ) كَذَلِكَ 338 وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّابِعِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا ( وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ : أَنَّ دِيَةَ الثَّالِثِ عَلَى عَاقِلَةِ الْأَوَّلِ ، وَالثَّانِي نِصْفَيْنِ ) لِأَنَّ جَذْبَ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي سَبَبٌ فِي جَذْبِ الثَّالِثِ كَمَا لَوْ قَتَلَاهُ خَطَأً ( وَدِيَةُ الرَّابِعِ عَلَى عَاقِلَةِ الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا ) لِأَنَّ جَذْبَ الثَّلَاثَةِ سَبَبُ إِتْلَافِهِ ، وَكَذَا لَوْ تَدَافَعَ وَتَزَاحَمَ عِنْدَ الْحُفْرَةِ جَمَاعَةٌ فَسَقَطَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ مُتَجَاذِبِينَ ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ : مَسْأَلَةُ الزُّبْيَةِ ( وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى لِلْأَوَّلِ بِرُبُعِ الدِّيَةِ وَلِلثَّانِي بِثُلُثِهَا وَلِلثَّالِثِ بِنِصْفِهَا وَلِلرَّابِعِ بِكَمَالِهَا عَلَى مَنْ حَضَرَهُمْ ) رَوَى حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ حَفَرُوا زُبْيَةً لِلْأَسَدِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى رَأْسِهَا فَهَوَى فِيهَا وَاحِدٌ فَجَذَبَ ثَانِيًا وَجَذَبَ الثَّانِي ثَالِثًا وَجَذَبَ الثَّالِثُ رَابِعًا ، فَقَتَلَهُمُ الْأَسَدُ ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَضَى فِيهَا بِمَا ذُكِرَ ، وَقَالَ : فَإِنِّي أَجْعَلُ الدِّيَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَ رَأْسَ الْبِئْرِ ( ثُمَّ رَفَعَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَجَازَ قَضَاءَهُ ) رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ حَنَشٍ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا ( فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ تَوْقِيفًا ) وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ : وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى قَبَائِلِ الَّذِينَ ازْدَحَمُوا ، أَيْ : عَوَاقِلِهِمْ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الثُّلُثِ ، وَالنِّصْفِ ، وَأَمَّا الرُّبُعُ فَلَا يَتَوَجَّهُ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ النَّقْلِ ، وَأَنَّهُ ضَعِيفٌ ، وَالْقِيَاسُ مَا قُلْنَاهُ ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ إِلَى مَا لَا يُدْرَى ثُبُوتُهُ ، وَلَا مَعْنَاهُ ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " .
تَنْبِيهٌ : نَقَلَ جَمَاعَةٌ أَنَّ سِتَّةً تَعَاطَوْا فِي الْفَوَاتِ فَمَاتَ وَاحِدٌ ، فَرُفِعَ إِلَى عَلِيٍّ 339 فَشَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ ، فَقَضَى بِخُمُسِ الدِّيَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَثَلَاثَةِ أَخْمَاسِ الدِّيَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ ، ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ : إِنْ نَامَ عَلَى سَطْحِهِ فَهَوَى سَقْفُهُ مِنْ تَحْتِهِ عَلَى قَوْمٍ ، لَزِمَهُ الْمُكْثُ ، كَمَا قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِيمَنْ أُلْقِيَ فِي مَرْكَبِهِ نَارٌ ، وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ ; لِأَنَّهُ مُلْجَأٌ لَمْ يَتَسَبَّبْ ، وَإِنْ تَلِفَ شَيْءٌ بِدَوَامِ مُكْثِهِ ، أَوْ بِانْتِقَالِهِ - ضَمِنَهُ ، وَاخْتَارَ فِي التَّائِبِ الْعَاجِزِ عَنْ مُفَارَقَةِ الْمَعْصِيَةِ فِي الْحَالِ ، أَوِ الْعَاجِزِ عَنْ إِزَالَةِ أَثَرِهَا كَمُتَوَسِّطِ الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَمُتَوَسِّطِ الْجَرْحَى تَصِحُّ تَوْبَتُهُ مَعَ الْعَزْمِ وَالنَّدَمِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ مِنَ الْغَصْبِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث