المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء التاسع
الصفحة 2953 · ص. المطبوع 253 · الشرح
كِتَابُ الْأَيْمَانِ
وَهِيَ جَمْعُ يَمِينٍ ، وَالْيَمِينُ الْقَسَمُ ، وَالْجَمْعُ : أَيْمُنٌ وَأَيْمَانٌ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَدُهُمْ يَضْرِبُ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ ، فَالْيَمِينُ : تَوْكِيدُ الْحُكْمِ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ ، فَهِيَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ تُؤَكَّدُ بِهَا أُخْرَى ، وَهُمَا كَشَرْطٍ وَجَزَاءٍ ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ] الْمَائِدَةِ : 89 [ وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ] النَّحْلِ : 91 [ وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ ، مِنْهَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ : ۝ إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَكَفِّرْ يَمِينَكَ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَأْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ] يُونُسَ : 53 [ وَ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ] التَّغَابُنِ : 7 [ وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ قَاصِدٍ لِلْيَمِينِ ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ لِلْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالْإِقْرَارِ ، وَفِي الْمُمَيِّزِ وَجْهٌ ، قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ ، وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ ، بِنَاءً عَلَى التَّكْلِيفِ وَعَدَمِهِ ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ ، وَبَنَاهُ فِي الْكَافِي عَلَى طَلَاقِهِ ، وَتَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ ، وَقَالَهُ جَمْعٌ وَقَالَ : لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ ] التَّوْبَةِ : 12 [ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ ، وَجَوَابُهُ : ۝ أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ ، فَأَمَرَهُ 253 النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَسَمِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ ] الْمَائِدَةِ : 106 [ قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ : وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، وَكُلُّ مَنْ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كَالْمُسْلِمِ ، وَعَنِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَا يَفُونَ بِهَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ ( وَالْيَمِينُ ) تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ :
وَاجِبٌ : كَالَّتِي يُنَجِّي بِهَا إِنْسَانًا مَعْصُومًا مِنْ هَلَكَةٍ ، وَكَذَا إِنْجَاءُ نَفْسِهِ ، مِثْلَ أَنْ تَتَوَجَّهَ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ بَرِيءٌ .
وَمَنْدُوبٌ : كَحَلِفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ ، مِنْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ ، أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ ، فَقِيلَ : هُوَ مَنْدُوبٌ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُ إِلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ ، وَقِيلَ : لَا ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْأَغْلَبِ ، وَلَوْ كَانَ طَاعَةً لَمْ يُخِلُّوا بِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ .
وَمُبَاحٌ : كَالْحَلِفِ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ ، أَوْ تَرْكِهِ ، وَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ .
وَمَكْرُوهٌ : كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ مَكْرُوهٍ ، وَلَا يَلْزَمُ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا ، وَلَا أَنْقُصُ ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِهَا لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهَا ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ .
وَحَرَامٌ : وَهُوَ الْحَلِفُ الْكَاذِبُ ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ 254 وَمَتَى كَانْتِ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ ، فَحِلُّهَا حَرَامٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَنْدُوبٍ ، أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ ، فَحَلُّهَا مَكْرُوهٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُبَاحٍ ، فَحَلُّهَا مُبَاحٌ .
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ : وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ وَتَرْكِ مَنْدُوبٍ ، فَحَلُّهَا مَنْدُوبٌ ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ ، فَحَلُّهَا وَاجِبٌ .
( الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ ) بِشَرْطِ الْحِنْثِ ( هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ ، وَلِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ ، فَكَانَ الْحَلِفُ بِهَا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ ، كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى ، وَكَوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَعَظَمَتِهِ ، وَإِرَادَتِهِ ، وَقُدْرَتِهِ ، وَعِلْمِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث