المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء العاشر
فَصْلٌ .
( إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ ) مِنْ إِسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ ( فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِيهِ ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، إِنْ حَلَفَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ ( وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، إِنِ اعْتَرَفَ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ ( لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ) وَلِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ هُوَ يَدَّعِي إِسْلَامَهُ ، فَجُعِلَ أَصْلُ دِينِهِ الْكُفْرَ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْأَصْلِ .
183 وَعَنْهُ : هُوَ بَيْنَهُمَا . رَوَاهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ، اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ لَا ، وَقِيلَ : هُوَ لِلْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِدَّتُهُ ( وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْيَدِ وَالدَّعْوَى ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَيِّتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ) وَالدَّفْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( وَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ) إِنْ لَمْ تَكُنِ التَّرِكَةُ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ، قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَتَحَالَفَانِ ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَهُوَ سَهْوٌ لِاعْتِرَافِهِمَا أَنَّهُ إِرْثٌ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ التَّرِكَةَ إِذَا كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَنَّهَا لَهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقِرُّ بِأَنَّ هَذِهِ التَّرِكَةَ تَرِكَةُ هَذَا الْمَيِّتِ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْمِيرَاثِ فَلَا حُكْمَ لِيَدِهِ ( يُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ ) لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْمُسْتَحِقَّ إِلَّا بِذَلِكَ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : أَوْ يَصْطَلِحَا ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ ، وَفِي " مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ " : إِنْ عَرَفَ وَلَا بَيِّنَةَ فَقَوْلٌ مُدَّعٍ .
وَقِيلَ : يُقْرَعُ أَوْ يُوقَفُ .
فَرْعٌ : حُكْمُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ كَالْأَوْلَادِ فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَسَيَأْتِي ( وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ) وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ( تَعَارَضَتَا ) لِأَنَّهُمَا 184 تَسَاوَتَا ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّعَارُضَ ، وَفِي " الْكَافِي " : إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى : يَكُونَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا قُدِّمَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ فِي وَجْهٍ ، وَفِي آخَرَ تُقَسَّمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا .
وَقِيلَ : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اطَّلَعْ عَلَى أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي " الْكَافِي " : فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا عَمِلَ بِالْأَخِيرَةِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهَا أَنَّهُ انْتَقَلَ عَمَّا شَهِدَتْ بِهِ الْأُولَى ، وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا .
وَإِنْ أَطْلَقَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ ( وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا ، وَقَالَ شَاهِدَانِ : كَافِرًا فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ ) لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مُمْكِنٌ ، إِذِ الْإِسْلَامُ يَطْرَأُ عَلَى الْكُفْرِ وَعَكْسِهِ ، خِلَافَ الظَّاهِرِ ، لِعَدَمِ إِقْرَارِ الْمُرْتَدِّ ، وَالْمَذْهَبُ : أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ قُدِّمَتِ النَّاقِلَةُ عَنْهُ ، وَإِلَّا فَرِوَايَاتُ التَّعَارُضِ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَلَوِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَخَبِ .
وَعَنْهُ : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ .
فَرْعٌ : إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَالْأُخْرَى بِعَكْسِهَا ، تَعَارَضَتَا سَوَاءٌ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ أَوْ 185 لَا ، فَتَسْقُطَانِ ، أَوْ تُسْتَعْمَلَانِ بِقِسْمَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لَهُ مَعَ الِاشْتِبَاهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيُدْفَنُ مَعَنَا .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : بَلْ وَحْدَهُ ( وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ ) لِأَنَّ كَوْنَهُمَا كَافِرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَعْرِفَةِ أَصْلِ دِينِهِ ، وَقِيلَ : قَبْلَ بُلُوغِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَحْكُومٌ لَهُ بِدِينِ أَبَوَيْهِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنَيْنِ ) هَذَا وَجْهٌ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " هُوَ أَوْلَى لِظَاهِرِ دَارٍ ، وَانْقِطَاعِ حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ عَنِ الْأَبَوَيْنِ بِالْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّ كُفْرَ أَبَوَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ دِينِهِ فِي صِغَرِهِ ، وَإِسْلَامَ ابْنَيْهِ يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ فِي كِبَرِهِ ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا ، يُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مُقْتَضَاهُ .
وَقِيلَ : يُصَدَّقُ ابْنَاهُ فِي دَارِنَا ، وَقِيلَ : يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا ، وَيَحْلِفُ مَنْ قُدِّمَ قَوْلُهُ ( وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا وَأَخًا وَامْرَأَةً مُسْلِمِينَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَوْنُ الْأَبِ كَافِرًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَمَا أَقَرَّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ( وَقَالَ الْقَاضِي : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي الْإِبْهَامِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا ( وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى الْمَرْأَةُ الرُّبُعَ ) لِأَنَّ الْوَلَدَ الْكَافِرَ لَا يَحْجِبُ الزَّوْجَةَ ( وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي الدَّعْوَى ، وَعَلَى هَذَا 186 تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، وَفِيهِ وَجْهٌ : لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ .
وَفِيهِ وَجْهٌ : جَمِيعُ الْمِيرَاثِ لِلِابْنِ ، فَجَعَلَ أَصْلَ دِينِهِ الْكُفْرَ ، وَحَكَمَ بِبَقَائِهِ اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ ، وَقِيلَ : هُمَا مَعَ ابْنِهِ كَأَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِيمَا ذَكَرْنَا ، لَكِنَّ النِّصْفَ لِلْمَرْأَةِ ، وَالْأَخِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ وَلَهُ ثَلَاثَةٌ ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِابْنِهِ ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ( وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَقَالَ : أَسَلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي ) قَبْلَ قَسْمِ تَرِكَتِهِ ، وَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَرِثُ ( وَقَالَ أَخُوهُ : بَلْ بَعْدَهُ . فَلَا مِيرَاثَ لَهُ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الشَّرْحِ " ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُفْرِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهُ ، وَعَلَى أَخِيهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَيَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ أَخِيهِ ، وَقُدِّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " : أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِمَا قَالَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْكَافِرِ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ أَبِيهِمَا أَمْ لَا ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَأَنْكَرَ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا ( فَإِنْ قَالَ : أَسْلَمْتُ فِي الْمُحَرَّمِ ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ ، وَقَالَ أَخُوهُ : بَلْ مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَلَهُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهَا ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، فَقِيلَ : تَتَعَارَضَانِ ، وَقِيلَ : يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ مَنِ ادَّعَى تَقْدِيمَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ قَالَ أَكْبَرُهُمَا : أَسْلَمْتُ أَنَا فِي الْمُحَرَّمِ ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ ، وَقَالَ أَصْغَرُهُمَا : أَسْلَمْتُ أَنَا فِي 187 صَفَرٍ ، وَفِيهَا أَسْلَمَ أَبِي وَرِثَاهُ ، وَقِيلَ : إِنْ صَدَقَ الْأَكْبَرُ بِإِسْلَامِ الْأَصْغَرِ فِيهِ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا شَرِكَةَ ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ، فَإِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ ) مِنْ إِسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ ( فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِيهِ ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ ، إِنْ حَلَفَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ ( وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَالْمِيرَاثُ لِلْكَافِرِ ) جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، إِنِ اعْتَرَفَ الْمُسْلِمُ بِأُخُوَّةِ الْكَافِرِ ( لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقِرُّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ) وَلِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّ أَبَاهُ كَانَ كَافِرًا أَوْ هُوَ يَدَّعِي إِسْلَامَهُ ، فَجُعِلَ أَصْلُ دِينِهِ الْكُفْرَ ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْأَصْلِ .
183 وَعَنْهُ : هُوَ بَيْنَهُمَا . رَوَاهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ، اعْتَرَفَ أَنَّهُ أَخُوهُ أَوْ لَا ، وَقِيلَ : هُوَ لِلْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ الدَّارَ دَارُ الْإِسْلَامِ ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ لَقِيطِهَا ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَخُوهُ الْكَافِرُ مُرْتَدًّا لَمْ تَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِدَّتُهُ ( وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ أَخُوهُ وَلَمْ تَقُمْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْيَدِ وَالدَّعْوَى ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَدَاعَيَا عَيْنًا فِي أَيْدِيهِمَا ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَيِّتِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَسْلِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ) وَالدَّفْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( وَقَالَ الْقَاضِي : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا ) إِنْ لَمْ تَكُنِ التَّرِكَةُ فِي أَيْدِيهِمَا ، فَمَنْ قَرَعَ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا ، قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيَتَحَالَفَانِ ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَهُوَ سَهْوٌ لِاعْتِرَافِهِمَا أَنَّهُ إِرْثٌ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ التَّرِكَةَ إِذَا كَانَتْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا أَنَّهَا لَهُ مَعَ يَمِينِهِ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُقِرُّ بِأَنَّ هَذِهِ التَّرِكَةَ تَرِكَةُ هَذَا الْمَيِّتِ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالْمِيرَاثِ فَلَا حُكْمَ لِيَدِهِ ( يُحْتَمَلُ أَنْ يَقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ أَصْلُ دِينِهِ ) لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْمُسْتَحِقَّ إِلَّا بِذَلِكَ .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ : أَوْ يَصْطَلِحَا ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ ، وَفِي " مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ " : إِنْ عَرَفَ وَلَا بَيِّنَةَ فَقَوْلٌ مُدَّعٍ .
وَقِيلَ : يُقْرَعُ أَوْ يُوقَفُ .
فَرْعٌ : حُكْمُ سَائِرِ الْأَقَارِبِ كَالْأَوْلَادِ فِيمَا ذَكَرْنَا ، وَسَيَأْتِي ( وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ) وَلَمْ يُعْرَفْ أَصْلُ دِينِهِ ( تَعَارَضَتَا ) لِأَنَّهُمَا 184 تَسَاوَتَا ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّعَارُضَ ، وَفِي " الْكَافِي " : إِذَا أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِهِ ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ أَبِي مُوسَى : يَكُونَانِ كَمَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ إِذَا تَعَارَضَتَا قُدِّمَتْ إِحْدَاهُمَا بِالْقُرْعَةِ فِي وَجْهٍ ، وَفِي آخَرَ تُقَسَّمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا .
وَقِيلَ : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ هُنَا ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اطَّلَعْ عَلَى أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى .
ثُمَّ ذَكَرَ فِي " الْكَافِي " : فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا عَمِلَ بِالْأَخِيرَةِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِهَا أَنَّهُ انْتَقَلَ عَمَّا شَهِدَتْ بِهِ الْأُولَى ، وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا تَعَارَضَتَا .
وَإِنْ أَطْلَقَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ ( وَإِنْ قَالَ شَاهِدَانِ : نَعْرِفُهُ مُسْلِمًا ، وَقَالَ شَاهِدَانِ : كَافِرًا فَالْمِيرَاثُ لِلْمُسْلِمِ إِذَا لَمْ يُؤَرِّخِ الشُّهُودُ مَعْرِفَتَهُمْ ) لِأَنَّ الْعَمَلَ بِهِمَا مُمْكِنٌ ، إِذِ الْإِسْلَامُ يَطْرَأُ عَلَى الْكُفْرِ وَعَكْسِهِ ، خِلَافَ الظَّاهِرِ ، لِعَدَمِ إِقْرَارِ الْمُرْتَدِّ ، وَالْمَذْهَبُ : أَنَّهُ إِنْ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ قُدِّمَتِ النَّاقِلَةُ عَنْهُ ، وَإِلَّا فَرِوَايَاتُ التَّعَارُضِ ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ ، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَلَوِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَخَبِ .
وَعَنْهُ : تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ .
فَرْعٌ : إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَاتَ نَاطِقًا بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ ، وَالْأُخْرَى بِعَكْسِهَا ، تَعَارَضَتَا سَوَاءٌ عُرِفَ أَصْلُ دِينِهِ أَوْ 185 لَا ، فَتَسْقُطَانِ ، أَوْ تُسْتَعْمَلَانِ بِقِسْمَةٍ أَوْ قُرْعَةٍ ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لَهُ مَعَ الِاشْتِبَاهِ .
قَالَ الْقَاضِي : وَيُدْفَنُ مَعَنَا .
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : بَلْ وَحْدَهُ ( وَإِنْ خَلَّفَ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ ) لِأَنَّ كَوْنَهُمَا كَافِرَيْنِ بِمَنْزِلَةِ مَعْرِفَةِ أَصْلِ دِينِهِ ، وَقِيلَ : قَبْلَ بُلُوغِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَحْكُومٌ لَهُ بِدِينِ أَبَوَيْهِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الِابْنَيْنِ ) هَذَا وَجْهٌ فِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " هُوَ أَوْلَى لِظَاهِرِ دَارٍ ، وَانْقِطَاعِ حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ عَنِ الْأَبَوَيْنِ بِالْبُلُوغِ ؛ لِأَنَّ كُفْرَ أَبَوَيْهِ يَدُلُّ عَلَى أَصْلِ دِينِهِ فِي صِغَرِهِ ، وَإِسْلَامَ ابْنَيْهِ يَدُلُّ عَلَى إِسْلَامِهِ فِي كِبَرِهِ ، فَيُعْمَلُ بِهِمَا جَمِيعًا ، يُحْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى مُقْتَضَاهُ .
وَقِيلَ : يُصَدَّقُ ابْنَاهُ فِي دَارِنَا ، وَقِيلَ : يَقِفُ الْأَمْرُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا ، وَيَحْلِفُ مَنْ قُدِّمَ قَوْلُهُ ( وَإِنْ خَلَّفَ ابْنًا كَافِرًا وَأَخًا وَامْرَأَةً مُسْلِمِينَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِينِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنِ ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ ) وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ كَوْنُ الْأَبِ كَافِرًا ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَمَا أَقَرَّ وَلَدَهُ عَلَى الْكُفْرِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ( وَقَالَ الْقَاضِي : يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا ) لِأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي الْإِبْهَامِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا ( وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنْ تُعْطَى الْمَرْأَةُ الرُّبُعَ ) لِأَنَّ الْوَلَدَ الْكَافِرَ لَا يَحْجِبُ الزَّوْجَةَ ( وَيُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي الدَّعْوَى ، وَعَلَى هَذَا 186 تَصِحُّ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ ، وَفِيهِ وَجْهٌ : لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ ، وَالْبَاقِي بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَخِ نِصْفَيْنِ ، وَتَصِحُّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ .
وَفِيهِ وَجْهٌ : جَمِيعُ الْمِيرَاثِ لِلِابْنِ ، فَجَعَلَ أَصْلَ دِينِهِ الْكُفْرَ ، وَحَكَمَ بِبَقَائِهِ اسْتِصْحَابًا لِلْحَالِ ، وَقِيلَ : هُمَا مَعَ ابْنِهِ كَأَخِيهِ الْمُسْلِمِ فِيمَا ذَكَرْنَا ، لَكِنَّ النِّصْفَ لِلْمَرْأَةِ ، وَالْأَخِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ وَلَهُ ثَلَاثَةٌ ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لِابْنِهِ ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ( وَلَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ مُسْلِمًا وَكَافِرًا ، فَأَسْلَمَ الْكَافِرُ وَقَالَ : أَسَلَمْتُ قَبْلَ مَوْتِ أَبِي ) قَبْلَ قَسْمِ تَرِكَتِهِ ، وَقُلْنَا بِأَنَّهُ يَرِثُ ( وَقَالَ أَخُوهُ : بَلْ بَعْدَهُ . فَلَا مِيرَاثَ لَهُ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الشَّرْحِ " ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُفْرِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهُ ، وَعَلَى أَخِيهِ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ ، وَيَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى نَفْيِ فِعْلِ أَخِيهِ ، وَقُدِّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " : أَنَّ الْمِيرَاثَ بَيْنَهُمَا ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ بِمَا قَالَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْكَافِرِ ، سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ أَبِيهِمَا أَمْ لَا ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ، فَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَأَنْكَرَ ، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَهُمَا ( فَإِنْ قَالَ : أَسْلَمْتُ فِي الْمُحَرَّمِ ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ ، وَقَالَ أَخُوهُ : بَلْ مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، فَلَهُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَخِيهِ ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ إِلَى أَنْ يُعْلَمَ زَوَالُهَا ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ ، فَقِيلَ : تَتَعَارَضَانِ ، وَقِيلَ : يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ مَنِ ادَّعَى تَقْدِيمَ مَوْتِهِ ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْأُخْرَى ، وَإِنْ قَالَ أَكْبَرُهُمَا : أَسْلَمْتُ أَنَا فِي الْمُحَرَّمِ ، وَمَاتَ أَبِي فِي صَفَرٍ ، وَقَالَ أَصْغَرُهُمَا : أَسْلَمْتُ أَنَا فِي 187 صَفَرٍ ، وَفِيهَا أَسْلَمَ أَبِي وَرِثَاهُ ، وَقِيلَ : إِنْ صَدَقَ الْأَكْبَرُ بِإِسْلَامِ الْأَصْغَرِ فِيهِ ، أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ ، وَإِلَّا فَلَا شَرِكَةَ ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُسْتَوْعِبِ " ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث