المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء العاشر
الصفحة 3171 · ص. المطبوع 223 · الشرح
( وَلَا تُقْبَلَ شَهَادَةُ فَاسِقٍ ) لِمَا تَقَدَّمَ ( سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ أَوِ الِاعْتِقَادِ ) .
أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْأَفْعَالِ كَالزِّنَى وَالْقَتْلِ وَنَحْوِهَا ، فَلَا خِلَافَ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ .
وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ ـ وَهُوَ اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ ـ فَوَجَبَ رَدُّ الشَّهَادَةِ ؛ لِعُمُومِ النُّصُوصِ .
قَالَ أَحْمَدُ : مَا تُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ الْمُغَالِيَةِ .
وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمَا : أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ فَسَقَ بِبِدْعَةٍ 223 أَوْ كَفَرَ بِهَا ، كَالْقَائِلِينَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَبِنَفْيِ الْقَدَرِ ، وَالْمُشَبِّهَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ ، وَالْجَهْمِيَّةِ ، وَاللَّفْظِيَّةِ وَالْوَاقِفِيَّةِ .
وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا فِي تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ وَالسَّلَفَ مِنَ الرَّافِضَةِ ، وَمَنْ سَبَّ عَلِيًّا مِنَ الْخَوَارِجِ : خِلَافًا ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَدَمُ التَّكْفِيرِ .
وَفِي " الرِّعَايَةِ " : فِي تَكْفِيرِ مَنْ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الْمَعَاصِيَ ، وَتَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَالْوَاقِفِيَّةِ ، وَتَكْفِيرِ مَنْ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ رِوَايَتَانِ .
وَمَنْ قَلَّدَ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ وَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَنَحْوِهَا فِسْقٌ ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَكْفُرُ كَمُجْتَهِدِهِمُ الدَّاعِيَةِ .
وَعَنْهُ : فِيهِ لَا ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى صَاحِبِ التَّلْخِيصِ ؛ لِقَوْلِ أَحْمَدَ لِلْمُعْتَصِمِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ( وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبُولُ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ الْمُتَدَيِّنِ بِهِ ، إِذَا لَمْ يَتَدَيَّنْ بِالشَّهَادَةِ لِمُوَافِقِهِ عَلَى مُخَالِفِهِ ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ . كَالْخَطَّابِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْسَنُ حَالًا مِنَ الْكَافِرِ ، فَإِذَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ كَانَ قَبُولُ قَوْلِ الْفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ الْمُتَدَيِّنِ بِهِ أَوْلَى .
وَعَنْهُ : جَوَازُ الرِّوَايَةِ عَنِ الْقَدَرِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ دَاعِيَةً ، فَكَذَا الشَّهَادَةُ .
وَجَوَابُهُ : أَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْفِسْقِ ، أَشْبَهَ الْآخَرَ ( وَأَمَّا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا ) بَيَّنَ الْأَئِمَّةُ خِلَافًا شَائِعًا ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " 224 وَ " الرِّعَايَةِ " ( فَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، أَوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ ، أَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ مَعَ إِمْكَانِهِ وَنَحْوَهُ ) كَمَا لَوْ أَخَّرَ الزَّكَاةَ مَعَ إِمْكَانِهِ ( مُتَأَوِّلًا ) أَوْ مُقَلِّدًا كَتَأَوُّلٍ ( فَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ) قَدَّمَهُ السَّامَرِّيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْفُرُوعِ رَحْمَةٌ لِلْعِبَادِ ، وَالتَّأْوِيلَ فِيهَا سَائِغٌ جَائِزٌ ، بِدَلِيلِ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَمْ يُفَسِّقْهُ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ فِعْلُهُ ، أَشْبَهَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ ، وَعَنْهُ : يُفَسَّقُ مُتَأَوِّلٌ لَمْ يَسْكَرْ مِنْ نَبِيذٍ ، اخْتَارَهُ فِي " الْإِرْشَادِ " وَ " الْمُبْهِجِ " كَحَدِّهِ ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ ، وَلِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ .
وَعَنْهُ : أُجِيزَ شَهَادَتُهُ ، وَلَا أُصَلِّي خَلْفَهُ ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ : الْمُسْكِرُ خَمْرٌ ، وَلَيْسَ يَقُومُ مَقَامَ الْخَمْرَةِ بِعَيْنِهَا ، فَإِنْ شَرِبَهَا مُسْتَحِلًّا قُتِلَ ، وَإِنْ لَمْ يُجَاهِرْ وَلَمْ يُعْلِنْ وَلَمْ يَسْتَحِلَّهَا حُدَّ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ فِيهِ .
وَعَنْهُ : إِنْ أَخَّرَ الْحَجَّ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فُسِّقَ ، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى اعْتِقَادِ تَحْرِيمِ التَّأْخِيرِ .
فَأَمَّا إِنِ اعْتَقَدَ الْجَوَازَ فَلَا ، صَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ، وَكَذَا حَمَلَهَا فِي " الشَّرْحِ " .
ثُمَّ قَالَ : وَقِيلَ : تُرَدُّ ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِ عُمَرَ : مَا هُمْ مُسْلِمِينَ ( وَإِنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ) نَصَّ عَلَيْهِ ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " : إِذَا تَكَرَّرَ ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ ، أَشْبَهَ فِعْلَ الْمُحَرَّمِ إِجْمَاعًا ( وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تُرَدَّ ) كَالْمُتَّفَقِ عَلَى حِلِّهِ ، وَلِأَنَّ 225 لِفِعْلِهِ مَسَاغًا فِي الْجُمْلَةِ .
وَفِي " الْإِرْشَادِ " : إِلَّا أَنْ يُجِيزَ رِبَا الْفَضْلِ ، أَوْ يَرَى الْمَاءَ مِنَ الْمَاءِ لِتَحْرِيمِهِمَا الْآنَ ، وَذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : مَا خَالَفَ النَّصَّ مِنْ جِنْسِ مَا يَنْقُضُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ .
وَفِي " التَّبْصِرَةِ " : فِيمَنْ تَزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ ، أَوْ أَكَلَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ ، أَوْ تَزَوَّجَ بِنْتَهُ مِنَ الزِّنَى ، أَوْ أُمَّ مَنْ زَنَى بِهَا ، احْتَمَلَ أَنْ تُرَدَّ .
تَنْبِيهٌ : مَنْ أَخَذَ بِالرُّخَصِ فُسِّقَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا .
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : كَرِهَهُ الْعُلَمَاءُ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي : غَيْرُ مُتَأَوِّلٍ وَلَا مُقَلِّدٍ ، وَيُتَوَجَّهُ تَخْرِيجُ مِمَّنْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُخْتَلِفًا فِيهِ : لَا يُعِيدُ فِي رِوَايَةٍ ، وَيُتَوَجَّهُ تَقَيُّدُهُ بِمَا لَمْ يَنْقُضْ فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ ، وَقِيلَ : لَا يُفَسَّقُ إِلَّا الْعَالِمُ ، وَمَعَ ضَعْفِ الدَّلِيلِ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ ، وَامْتِنَاعِ انْتِقَالِهِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةٍ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ ، وَعَدَمُهُ أَشْهَرُ .
وَمَنْ أَوْجَبَ تَقْلِيدَ إِمَامٍ بِعَيْنِهِ اسْتُتِيبَ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ . قَالَ : وَاخْتُلِفَ فِي دُخُولِ الْفُقَهَاءِ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ ، فَأَدْخَلَهُمُ الْقَاضِي ، وَأَخْرَجَهُمُ ابْنُ عَقِيلٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث